عن غياب الأغنية الوطنيّة

٢٠ آب ٢٠١٦

بعد مرور بضعة أشهر على الهبّة الجماهيريّة لاحظت أنّ رأياً بدأ بالانتشار يعتب على الإذاعات الفلسطينيّة لتراجعها عن بثّ الأغاني الوطنيّة التي كانت تبثّها في بداية الهبّة؛ أما أنا – (وأعوذ من كلمة أنا) وبصرف النظر عن موقفي من دور الإذاعات الفلسطينيّة ووسائل الإعلام عامّة في تشكيل الرأي العام والتحشيد والتعبئة- فلست مهتماً بتراجع حضور الأغنية الوطنيّة في الإعلام الفلسطينيّ مع استمرار الهبّة، وإنمّا بما يمثّله مفهوم الأغنية الوطنيّة على الصعيد العام، وبعلاقة هذه الأغنية بالمشروع الوطنيّ؛ فأنا أدّعي بأنّنا كفلسطينيين عاجزون عن إنتاج الأغنية الوطنيّة منذ عشرين عاماً، أي منذ تفاقم أزمة المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ.

الأغنية الوطنيّة هي تعبير فنّيّ عن المشروع الوطنيّ وهي أداة أيديولوجيّة- ولكنّني لن أخوض في هذه النقطة هنا- والأغنية الوطنيّة ليست بالضرورة تقدميّة؛ بل تعتمد على طبيعة المشروع،فعلى سبيل المثال نشيد الاستعمار هو أغنية وطنيّة وكذلك المشروعان النازيّ والفاشيّ أنتجا العديد من الأغاني الوطنية.

أما في حال غياب المشروع الوطنيّ؛ فيصبح أمر إنتاج أغنية وطنيّة أمراً مستحيلاً، وهذا هو الحال في السياق الفلسطينيّ؛فنسمع مؤخّراً العديد من الأغاني التي تعبّر عن مشاريع مختلفة يحاول أصحابها تصويرها وكأنّهامشاريع وطنيّة، ولكنّها في الحقيقة مشاريع سياسيّة ضيّقة تعبّر عن حزب سياسيّ أو تحالف معين، ومثال ذلك أغنية "ازرع ليمون ازرع تفاح، مقاومتنا شرعيّة من دون سلاح" فهذه الأغنية تعبّر في الحقيقة عمّا تحاول السلطة الفلسطينيّة تصويره كمشروع وطنيّ فلسطينيّ!

وتميل إذاعاتنا في المناسبات الوطنيّة لبث أغانٍ وطنيةٍ قديمة نسبياً (ما قبل أوسلو) مثل أغنية "يا نبض الضفة"، أو أغاني مارسيل خليفة وسميح شقير أو وليد عبد السلام وجورج قرمز؛ وأعتقد بأنّ هذا السلوك مبرّر ومفهوم؛ لغياب الأغنية الوطنيّة في الحاضر وما تمثّله هذه الأغاني من لحظات الاتّفاق حول مشروعنا الوطنيّ.

ولكن في الهبة الراهنة وفي العدوان الأخير على قطاع غزة أنتجت الفصائل الفلسطينيّة، وخصوصاً الإسلاميّة منها العديد من الأغاني التي تتعلّق بالأحداث السياسيّة الآنيّة والتي تعبّر عن أيديولوجيا الفصيل المنتج للأغنية ومواقفه

وهذا يجترّنا لتساؤل آخر عظيم الأهميّة حول ما يقصده العامّة باستخدامهم هذا المفهوم؛ فالمعظم يستخدم مفهوم "الأغنية الوطنيّة" للدّلالة على الأغنية التي تدعو للمقاومة بشكل عام، وهذا يفسر سبب رفض اعتبار أغنية "مقاومتنا شرعيّة من دون سلاح" كأغنية وطنيّة؛ وفي المقابل اعتبار أغنية "أخت المرجلة" ذات العنوان والمضمون الذكورييْن كأغنية وطنيّة، ولذلك من الضروريّ التنبّه أيضاً إلى أنّ الفهم العام للأغنية الوطنيّة لا يتضمّن أيّ موقف طبقيّ أو جنسيّ أو اجتماعيّ؛ بل وقد تحمل الأغنية العديد من المفاهيم الأبويّة والذكوريّة وحتى العنصرية أحياناً... ولكن لماذا هذا أمر مهمّ؟

https://www.youtube.com/watch?v=nqC16iEh7wo

أعتقد بأنّه أمر مهمّ لأنّ تصوّراتنا عما نسمّيه "الأغنية الوطنيّة" تنطبق أيضاً على ماهيّة المشروع الوطني الذي نتصوّره؛ فعندما نقول إنّ الأغنية الوطنيّة هي تلك التي تدعو للمقاومة؛ نقول أيضاً إنّ مشروعنا الوطنيّ يجب أن يكون مقاوماً، وعندما نغيّب الرؤية الطبقيّة أو الجندريّة أو الجنسيّة وغيرها من تعريف الأغنية الوطنيّة نكون قد غيبناها كذلك من تصوّرنا عن المشروع الوطنيّ المنشود.

أزمة الأغنية الوطنيّة ليست فنيّة، وكذلك أزمة الإعلام الفلسطينيّ ليست تقنية، وإنّما هما شكلان لأزمتنا السياسيّة، ونقاشي في الحقيقة لا يتعلق بالأغنية وتوظيفها الأيديولوجي كثيراً، ولا يختصّ بالإذاعات والإعلام الفلسطينيّ كذلك، وإنمّا يتعلق بتصوّراتنا حول مشروعنا الوطنيّ، والتي يمكن قراءتها في الإعلام والفنّ والتعليم وموازنة السلطة الفلسطينيّة وغيرها الكثير من القضايا.

وما أحاول قوله في هذا النصّ أولاً هو إنّ حاجتنا الأساسيّة هي للمشروع الوطنيّ؛ وليس للأغنية الوطنيّة، وثانياً إنّ مشروعنا الوطنيّ هذا يجب ألّا يستثنيَ الجانب الطبقيّ والجندريّ والجنسيّ وغيرها من القضايا، والتي تغيّبها الحركات القوميّة البرجوازيّة والإسلاميّة وأيديولوجيّتهم المسيطرة.