عن كنعانِ البداية وصورتنا في لغةٍ متحرّكة

١٧ كانون الأول ٢٠١٦

فِي البِدء، كانَتْ الحَربْ. أيُّ ابتذالٍ لأيِّ مَعنى!
كانَ آريئيل شارون ورئيسُ أركانِ جيشهِ يخطِّطانِ لقَتلِ الرئيس الفلسطينيَّ الراحل ياسر عرفات في رَبيع عامَ ألفَين واثنين، وعرفات الذي كانَ تَحتَ الحِصار في مقرِّ المُقاطعة في رام الله، قالَ فِي مكالمةٍ هاتفيّة، غاضبًا، وغضَبهُ يمتزجُ فِي نَبرتهِ حَزينًا وثائرًا، مَهزومًا ومَليئًا بالعُنفوان، متحدِّياً ومستسلمًا لهذا الجُنونِ المُطبقِ علَيهِ من كلِّ الجهات: “أهُو وطَنهُ أم وَطَني؟ أنا هُنا قَبلَ شارُون، نحنُ هُنا حتَّى قبل النبيِّ إبراهيم! ولكن يبدو أنَّهم لا يفهمونَ لا تاريخ ولا جُغرافيا. أنا سأذهبُ من هُنا إلى القُدس!”. للتَاريخِ إذاً، أن يَغفل عن هذه الكلمات، وللجغرافيا أن تَمحُو آثَارَ الحَربِ فِي كلِّ عامْ. ولدَرويش أن يَتَساءل عمَّن كانَ مُنتصرًا، وأن يَرثِي المَدينةَ أينَما ذهَب وكَيفما يَشاء. أمَّا للُشهداء، فقَدْ يَكونُ في عَودِ نيتشه الأبديِّ عَزاءاً لَهُم. قَد يَعُودُون إلى الشَّوارع ذاتها، إلى الزِّقاق ذاتها، إلى الغُرفِ المهدَّمة ذاتها، إلى شجَرِ الزَّيتونِ ذاتهِ، إلى البِلادِ ذاتها، وأن يَعُودوا إلى مالانهاية، إلى البِداية التي ما زالت مُستمرَّة منذُ عشراتِ السِّنين، مِئات وآلافِ السِّنين، إلى الأبديّة التي لا تَنتهي. وفِي هذه العَودةِ فقَط، لهُم بِلادُهم، لَهُم شجَرُ زَيتونهم وزَيته والزَّعترُ والقَمحُ والحَصادُ السنويُّ وجدُّ شجَرِ الزَّيتونِ وسكائر عربيَّة تلفُّها أصابع متعرِّقة وتدخِّنها أسنانٌ مصفرَّة قويِّة. وللقاتلِ، أن يَبقى قاتلاً أبَداً، وللمدافعِ أن تُصنعَ من جَديد إلى الأبَد، وأن تَسيرَ ليلاً في الشَّوارع المُظلمة، مُطلقةً ضجيجًا نغمًا إيقاعيًا قَبيحًا ومُزعجًا ومُفزعًا، وللجُنديّ أن يَرتَدي القناع ذاته، ويُمسك الرَّشاش ذاته، ويُطلق الرَّصاصة ذاتها، ويَقصف آخرٌ البَيت ذاتهُ إلى ما لانهاية. وفِي هذه العَودةِ الأبديِّة، عَزاءٌ للصَرَخات، اقتُلْ، حيثُما وُلدت، كَيفما وُلدت، تُولدُ قاتلاً مِن جَديد، وتُصبحُ قاتلاً من جديد، وتَبقى قاتلاً أبَداً.
وربَّما سيَفزعُ نيتشه حِينما يَعلُم أنَّه بنظريِّته هذه لا يُعيدُ فقَط الحَيواتَ الفارغة، المملّة، التي لا شَيءَ فِيها سِوى دَورة من السّأمِ والضَّجرِ، وإنَّما يُعيدُ قَتلى وقاتلين، ويُبيدُ شُعوبًا مِن جَديد، ويَستعمِر أرضاً من جديد، ويَقلبُ حَضارةً فَوق أخرى، وتَسيرُ مُجنزراتُ الجُيوشِ فَوقَ أقدامِ الضَّحايا، فَوقَ رُؤسهم وتَدوسها بوحشيِّة يَد المَوتِ المعظَّم مِن جَديدْ، أبَداً يستمرُّ هذا الرَّعب اللانهائيُّ، أبداً يَسقُطُ النَّابالمُ فَوقَ القُرى والمساكنِ المَأهولة بالجِياعْ. وربَّما لَا يَفزعُ كَثيراً، ربَّما، سيَنجُو مِن الأبديّة بأبديِّته هُو، حَيثُ لا حَربٌ تُشنُّ عَلى بلَدٍ ولا دبَّابات تَدوسُ جثث الضَّحايا.
يَبُدو أنَّ التَّاريخَ يُهملُ الجُغرافيا إذ يَرثِي لِما تَحملهُ فَوقها، والجُغرافيا تُشكِّلُ ذاتها بمعزل عمَّا يَكتبُ التَّاريخ، فتُهملُ ما كان مِنها إلى ما سَتصيرُ إلَيه في الغدْ. هذا ما لَم يَفهمهُ الرَّئيسُ عرفاتْ، لا الجُغرافيا ولا التَّاريخ يكترثانِ للحصار، ولا للفاشيّ الذي يَنفخُ فِي السَّماءَ رائحَةَ المَوتْ. لا يهمُّ إن كانَ إسماعيل أم إبراهيم، سَبقَا بَني إسرائيل، أم الكنعانيّون سَبَقوا العبرانيين. فالتَّاريخُ، لا يعيد صناعة نفسه في حاضرٍ شاذّ عنه، وكلُّ حاضر هُو شاذٌ عنْ التاريخ. فلا امتداد للنبيِّ إبراهيم، فِي آلةِ الحَربِ الثّقيلة، ولا رِيحاً تهبُّ يَنفخها إسماعيلِ كَي تزيح الغمامة مِن فَوقِ رُؤس الضَّحايا. العَودةُ إلى هُناك، هِي عَودةُ المَهزومِ الذي نظَرَ إلى السَّماء ولَم يَجد تحتَهُ أرضًا يتشبَّثُ بها وخانهُ حاضره، أو خانَ حاضرهُ هُوَ. لَم يذهب عرفات إلى القُدس، بَل أتى بعضُ ترابها إلى قبرهِ في رام الله، هذا هُو الحاضرُ يَهزأ مِن التَّاريخ، يَهزأُ مِن المَوتى، منَ الشَّهداء، مِن الضَّحايا، مِن المَهزومين. لا تَاريخَ يُجلبُ تُراباً إلى حاضرٍ، فيبصقهُ هذا فِي وجه صاحبهِ.
هُو إذاً، النِّضالُ ضدَّ شذوذِ التَّاريخ والحاضرْ، وهذا النِّضالُ يُغذِّي نَفسهُ مِن التَّاريخْ نفسهُ، كَي يقوِّمه ويعدّلَ ميلهُ، فيهلكُ النِّضالُ، يُنهَكُ فِي حَربٍ لا تنتهي، تُخنقُ أنفاسهُ تحتَ أطنانٍ مِن القنابلِ العنقوديَّة والفوسفوريَّة. هُناكَ خَطَأٌ ما، يَسري فِي عروقِ الأرضِ، خطأٌ تاريخيّ؟ ربَّما، ولكنَّه خطأٌ حتميَّ استمرَّ عُقودًا ويَبدُو أنَّه سيستمرُّ عقودًا أخرى. وخطأٌ بهذا الحجم، يستَدعِي دبَّاباتٍ عسكريِّة بهذا الحجمِ أيضًا، والَموت الهائل النَّاجم عنْ مدافعها.
كلَّما استَمَعتُ إلَى تلكَ الأغنية القصيرة تقول: “مَنْ ذا الّذي يعبثُ بالقدر/رُوحُ النَّار أم سَوادُ المُحيطِ؟/أم قاحلُ الفكر؟”، رأيتُ سَماء “أورشَليم” فَوقِي كَما كانَت، قبل قرونٍ طَويلةٍ عندما دخَلَها الصليبيَّون أوَّل مرة، مَدينة من رماد، من دَم، أو رأيتُ على الجانبِ الآخر من الأرض، أرضاً شاسعة وسَماؤُها سَوداء، قاحلة، كأنَّها صَحراءُ رماديَّة، ملتهبَة بالحَرارة، يَمشي فِيها أولئكَ المنسيُّون في عُمقِ التَّاريخ، قَبائلُ النافاهو، الأباتشي وغيرها من القبائل الأمريكيَّة، يَمشونَ الدَّربَ الطَّويل، دَربَ المَوت أو الآلآم، بِلا صَليب، وحَولهم خيَّالةُ إنجلترا “والنَّبيذُ الفرنسيّ والإنفلونزا”، ويتساءلون تحتَ حرِّ الشَّمس ووطأة الجُوعِ والعطَشْ: “ألَا تَحفَظون قَليلاً من الشِّعر كَي تُوقِفوا المَذبحة؟”. لكنَّ أحداً لَم يحفظ الشّعر، جَميعهُم كانوا يحفَظُون آيات التَّوراة، و”يَهوه”، يُخاطبُ شَعبَ إسرائيل قَائلاً لهُم أنَّه قَد جعلَ لهُم هذه الأرضَ ملكًا لهُم، فكُلوا فِيها وارعوْ أنعامكم، وإنَّ فِيها قَوماً جبَّارينْ، قوماً متوحِّشين، ويحلُّون لَكُم، كَما تحلُّ لكُم أنعامكم.
إنَّ الخطأ لغويّ. نتكلَّم ما لا نُفكّر، ونفكّرُ ما لا نتكلَّم، ونفكّر ما لَا نَرى، ونَرى ما لَا يَليقُ بسِربٍ مِنَ البشَرِ الزَّاحفِينَ نَحو تَصويبِ طِباع التَّاريخْ.
عن العُنفِ المُستخدَمِ مِن قِبَل السَّلطة، وعن العُنفِ الذي يُمارسُ خارجَ السَّلطة، فِي وجه السَّلطة. الفارقُ لغَوي: “قَليلاً مِنَ الشِّعر كَي تُوقفوا المَذبحة”، فِي مقابل: “الله رَجُلٌ إنجليزيّ”. يُظَنُّ أنّ اللّغة إنَّما هِيَ بعضُ الفُروق الَّتي ما أن تترجَمَ لَنا، حتَّى نستطيعَ من خلالها، رُؤية الآخر، كَما لَو كان نحنُ ولكنْ بصُورةٍ أخرى، قابلةٌ للإستيعابْ ومن ثمَّ السّؤال والإجابة. ويُظنُّ فِي جهةٍ مقابلة، أنَّ اللغة لَيسَت إلَّا سلَّم الصَّعودِ، تحملُ في حُروفها، شكلاً، ومعنى، شكلٌ يُشيرُ إلى الجلدِ، ومَعنى يُشيرُ إلى العَقلْ، أمَّا الآخرُ فَلَيسَ إلَّا خليطٌ هجينٌ من ذواتنا السَّابقة، فِي زمَنِ الإنحطاطْ. عن هذانِ الشَّكلانِ من اللغةِ، وفي الفارقِ بَينهما، تُمحى شُعوبْ وتَبقى أخرى. “اقتُل كَي تَكونْ”، ويُجيبُ آخر: “اقتُل الهنديَّ وابقِ الجسَدْ”. العُنف، لغة ومعنى.
عن هذا وذاك، يقولُ المعلِّم حسين البرغوثي: “خَسارة أن تُولدَ وتموت في زمنٍ مهزوم/ بوعيٍ مهزوم/ وخائف/ وحتى اسمُ ابنك “آثر”،/ حسبوه “آرثر”/اسمًا غريبًا/ اسمَ من استعمَروك/ ولَم يخطر ببالِ أحدٍ أنّه من لسان العرب!”. عن هذه الخَسارة اللغوية الغَريبة، التي لا تُرى بالعَينِ المجرَّدة، ولا بوَعي صحيّ وسَليم، عقلانيّ. هذه خَسارة يشعرُ بها المَجانينْ، السَّكارى، الغرباء، وأولئكَ الذين يمشُون “ليلاً في الشَّوارع المظلمة”، “لا أبحثُ عن شَيء، لا أبحثُ حتَّى عن نَفسي في كلّ هذا الضَّوء”، ضَوءُ المُستعمَرَة الغَريبة على بُعدِ مئاتِ المترات، يقفُ المعلّم أمامها، من بعيد، وهُو فِي جبالِ كُوبر، يقفُ ويحدِّقُ طَويلاً، ويتساءلُ أينَ هُو، ومَن هُو، وكَيف حدثَ كلّ هذا، ومتَى، وأينَ الشَّرقُ من الغَربِ، من الشَّمال ومن الجُنوبْ. تَمامًا كَما يَقِفُ مصطفى سعيد في محاكم لندن، تائهًا، حائرًا، ولكنَّه مستسلم لسكرةِ التَّوهانْ، لذاك الشعور الحادّ بالخسارة، بالألمْ. أنَّه وَحيدْ، وأنَّه لا شيء، وأنَّه كلّ شيء، وأنَّ المتنبِّي من ورائه، وقَبله بألفِ عامٍ راح يكتبُ الحَقيقة التي عرفها ولَم يعرفها غيره: “مَن مُبلغُ الأعرابِ أنِّي بعدها/ جالستُ رسطاليسَ والإسكندر”. عن هذه الحَقائقِ كلَّها، وهذه الخسارات كلّها، يتساءلُ دَرويش فِي جداريَّته: “كَيف أَنجُو غداً مِن سُرعة الزَّمن الإلكترونيَّ؟”، وهُو الّذي قالَ أنَّه سَمعَ هُنوداً قُدامى يَقولون لهُ وهو يتساءلُ إن كانت نيويورك سَدوماً أم بابل تعدُّ مرةً أخرى لسدوم: “لا تَثِقْ بالحِصانْ، ولا بالحَداثة..”.
لَيسَت النَّجاةُ سِوى نجاة لغويَّة. وليست لغويَّة فقَط، في النَّطقْ، بَل فِي كلّ شيءْ. لا أرى أحداً يَنجُو من سُرعة الزَّمنِ الإلكترونيّ، سِواهْ، يتكرَّرُ فِي ملامحَ كثيرة، بَين المُغِر والعشب الكثيف وضَوء القمر وسواه، فِي الاختفاء تمامًا، فِي ممارسةِ عُنفٍ مقابلَ آخر، أن تَخرجَ عن الجَماعة، عن القانون، عن الدَّولة، عن المَنطق، عَن الخسارة والرّبح، عن الاستثمار والمعادلات الرياضيَّة، عن أن تَكونَ أو لا تَكون، عن التَّساؤلُ حَولَ إذا ما كان “إسماعيل أم إسحق شاةً للإله..”، حول كلّ هذا، وتَهيمْ. أن تَخرجْ. الخُروجْ، عنْ كلّ هذا، لغة ومعنى. أن لا تُرى، أن لا تقلقْ بالرَّؤية. هُوَ، يخرجُ عن هذا كلّه، ولا نراهُ بعدَ الآنْ. لَيست اللَّغة إذا كان لها أن تكون نجاةً، سِوى خُروجًا عن النصّ المعدّ. كَيف ترى إن كانَت الصَّورة معدَّة مسبقًا لَكْ؟
مَكانٌ بِلا جَدوى، بلا غاية، هُو مكانٌ ضائع، غائبْ، عن اللغة. مكانٌ يُشبهُ هذه البلاد، في هذه اللحظاتْ. بِلادْ، كَما يَكتبْ حسين البرغوثي في وصفِ مكانٍ ما: “فبحثتُ في هذا المكان عن اللاموجود فِيهْ، بلا جدوى، فهو بلا ذاكرة، ولا خارطة، ولا بدّ من “التعرَّف علَيه”، وهُو مكانٌ يعرفهْ، وهي بلدٌ نعرفها، ولكنَّه يعودُ ويقول، أنَّ هُناك الإدراكُ الجَديد، أيْ معرفة المكانِ لأوّل مرة، وهُناك المعرفة المتكررة. أي أن تعرفَ مرةً أخرى ما كنت تعرفهُ مرةً سابقة. وفِي كلّ صباح، أعرفُ البلَدَ مرةً أخرى، لأنَّ ما بَينَ البِلادِ لغَوياً ومَا بَين البلاد واقعاً، مَسافةٌ هِي التي يقولُ عنها درويش: “الزَّمَنُ والتَّاريخْ/ يتحالفانِ حيناً/ ويتخاصمانِ حيناً/ على الحُدودِ بَينهما”، وتَبقى، العَلَامَةُ الأبديَّة فِي وصفهِ، وفي وَصفِ الأرض، العَلامَةُ التي تقودُنا إلى اللغةِ الأمّ، إلى الأرضِ مرةً أخرى، حينما يَقول:” الصَّفصافةُ العالية/لا تأبه ولا تكترث/ فهي واقفةٌ على قارعة الطّريق”. البِلادْ، غارقة في لغة إلكترونيَّة، وفِي أسطورةٍ، هي الأخرى لا تأبه ولا تكترثْ. ولا أحدَ يُدركَ من ذا الذي يعبثُ بالقَدَر، من ذا الذي يعبثُ بالإضاءة مراتٍ ومراتْ. هَوَسٌ كَونيَّ، ومحليَّ، فِي أن تَكونْ، رغبةٌ في الوُجودْ، رغبةٌ في كلّ شيء. في فيلمٍ أجنبيَّ، تقولُ إحدى الشخصيَّات في ردٍّ على سؤالها حَول “ألحَمقى الأمريكيين”:  “أوه يا إلهي.. أنا متعب من كل هذه الأكاذيب”. أكاذيبْ. ربَّما لَا شَيء كان ممتعًا بالنّسبة لفوكو، أكثر من أن يُعمِّقَ بَحثهُ في علاقَة القوَّة بالمعرفة، والسّلطة بالمعرفة، كَي يكتشف في نهاية الأمر أنَّ الأمر كلّه لا يَعدو سِوى أن يكون طبقات من الكذب تتحالفُ مع طبقات أخرى من كذبٍ آخرْ. ولا شَيءَ أدعَى من وَصفهِ بالكذِبِ الجَماعيَّ، غيرُ هذه الرَّغبة العارمة بالحَياةِ والوُجودِ، والهَوَسُ الكَونيّ فِي أن نَكونْ، والرَّغبةُ العارمة في الإختلافْ حتَّى صارَ الاختلافُ نَفسهُ مبتذلاً ولا يُميَّز عن النَّمطيّة.
اللغة مرة أخرى. يكتبُ أحدُ جنرالات حَربِ الإبادة الأمريكيَّة، وهُو معلِّمٌ في إحدى المَدارس – المعسكرات التي خصِّصت للأطفال الهُنود المختطفين من أهاليهم، لكَي يَقتلوا الهنديّ فِيهم: “أنَّ ما يَجِبُ أن يتمَّ فعلهُ هُو استبدالُ الضَّمائر في لغتهم، يَجِبُ أن تُنسبُ الأشياءُ إلى الأنا، يَجِبُ أن تَكونَ الأنا، مِحوَرَ اللغةِ فِي لغتهم، بدَلاً من النَّحنُ، بدلاً من أرضِنا، فلتكنْ أرضي، بدلاً من طعامنا، فليكن طعامي، وبدلاً من نحنُ، فليكُن أنا”. فوكو يقولُ في وَصفِ فعلِ الكينونة: “يَقومُ جوهرُ اللغة برمَّته في هذه الكلمة الفريدة. لولاها لبقي كلّ شيء صامتًا، ولكان البشر قد استخدموا أصواتهم، مثل بعض الحيوانات.. فليس هناك غير فعل الكون”. الكلماتْ، هي ما تؤلَّفنا، اللغة هي تؤلّف الفعل، تؤلِّف القَول، تؤلِّف المكان والزّمان، تؤلِّف كلّ شيء. الكَينونة، والأنا، الضَّميرُ نَحنُ صَريعُ الضَّمير أنا. “كنَّا نقصُّ علَيهم، قصص داوود وغوليات، وكَيف فَلقَ الله البَحرَ للإسرائيليّين، ولِماذا أمرَ بذبح الفلسطينيّين، ونأمرهُم باحتِرام السَّبت”. هذا ما كُتبَ في تقرير إحدى مفوضيَّات الشّؤون الهنديَّة في المستعمرات الأمريكيَّة، عن القصص التي تُروى لأطفالِ الهُنودِ المختطفينْ. إذاً البِدايةُ، باستبدالِ الضَّميرِ نحنُ، نحنُ العائد إلى شُعوب لا تفرِّقُ بَين ذاتِها والأرضِ والطَّيرِ، ولكنْ، لَيسَ لأنَّها قَطيعٌ من البهائم سيَهِبهُ “يَهوه” لبَني إسرائيل فَوقَ قمّة الجَبل، بَل لأنَّهم كانوا كَما كَانوا: “سَليقة كلّ شعبٍ لا يُفتِّشُ عن ثَباتٍ/ يَجرون في الدَّنيا/ لعلَّ الدّرب يأخذهم/ إلى دربِ النّجاة من الشتات”. وبعد استبدالِ الضَّميرِ بآخر، يُؤتى بهذا الضَّمير، كَما يُؤتى بديكٍ ليُخصى، ويُصبغُ بلغةٍ دينيَّة.
لِماذا لَم نَعرِفْ حَينَ وُلدنا، لَغة الذين كُنعِنوا وهُم لَم يَعرفُوا “يَهوه”، ولا “المَسيحُ”، وبقيت لُغتهم حرّة “مِن لعنة الأسماء”، والسَّماء على حدّ السواء؟ لغة لم تتشرَّب الكذبْ، لَم تُبنى طيَّاتها من ورقِ تين منهوبٍ، أو مِن أرضٍ غطَّتها الدَّماء، أو مِن بلَدٍ “خطفتهُ الأساطير”. كَيف كنَّا نتكلَّم قَبل عشرينَ عامًا من الآن؟ ثلاثون؟ مئة عامْ؟ أكانَ على كَلامنا، أن يَكون طيَّاتٍ من الكذب، من التَّساؤل الفظَّ؟ أكان علَينا أن نثقَ بالحصان وأن نثقَ بالحَداثة؟
عن “أنا لُغَتي أنا/ أنا أمّ أمِّي في الرَّؤى/ وأبُو أبِي وابنِي أنا”، عَن الشَّرقيّ يَحملُ فَوقَ ظهرهِ عبء الرَّجل الأبيضِ، ويَحارُ فِي التَّعاملِ مع عُقدة ذنبهِ البَيضاء، عن الأسطورة الفظَّة، عن البِلاد التي ضيَّعت أهلها لأنَّها أتت فِي طَريقِ الهندِ والشَّام بَحرًا، وعن التعساء المقهورين الذين مَشوا مئات الكيلومترات في حرِّ الصَّحراء في المَسيرِ الطَّويل، عن “الأكاذيب”، عن تَشابه الكنعانيين فِي أسطورةٍ نخرَت عِظامَ شعوبٍ هلكتْ وأخرى ستهلك، عن لغةٍ مَطرودةٍ، منهكة، متعبة، وأخرى مطاردة ويتمَّ اغتِيالُها بزمَنٍ إلكترونيَّ وآخر صَليبيَّ، عن هذا كلّه، يقولُ المعلّم:”وعبثاً حاولتُ  أن أقنع الموظّف أنّني لستُ أجنبياً، عن إرثي، وإرثه.. هذ الصَّخرُ الملوَّنُ في بتراء ظلِّي، أنا الذي قدرهُ فقط، أن يراقب، ويرى، ويمرّ، ولا يتدخَّل، ولا ينحت، ولا حتى يحتجّ، ويحملُ ورمًا ملتهبًا، سيلًا من خلايا حَمراء في فلقته اليُسرى..”، وكأنَّه دَرويش يقولهُ لهُ: “ولا مَعنى هُنا لِدُخولِكَ العبثيِّ في أسطورةٍ/ تركَت جُيوشاً للرَّماد..”،  ونحنُ، مَواليد “خارج الزّمن”، كَما يَقولُ البرغوثي، لم يبقى لَنا سوى بقايا، بقايا لغويَّة لا نستطيع قراءتها ولا حتَّى الدَّخول إلى أعماقها، كَأنَّنا نحنُ الآخرين، لَسنا سِوى “أغنية جسد شلحَ تاريخ أو شلَّحوه إياه، ويشعرُ تحتَ هذه الزيتونة المقمرة، أنَّه “خارجُ الزَّمن”، وعبثاً يُحاولُ النَّجاة من سُرعة الوَقتْ، والزَّمن الإلكترونيّ وصُورة كنعانِ المقدَّسة.