عن نهاية أمريكا ومعجون الأسنان وقصص ستّي ونهايات أخرى

٠٨ تشرين الثاني ٢٠١٧

في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، رنَّ جرس الهاتف. صرخ أبي "له، مش معقول". مسك ريموت التلفزيون –كنّا قد ركبنا الدش مؤخراً تفادياً لملل أحاديث العائلة أثناء الانتفاضة والحشرة - وفتح على قناة الجزيرة – كان رقمها 11 بحسب ترتيبنا للقنوات في حينها، وكانت الأولى في قلوبنا، أمّا اليوم فهي غير موجودة على الدش وضاقت بها قلوبنا - وشاهدنا سويةً الطائرات تصطدمان بأبراج التجارة في الولايات المتحدّة  –علينا- وأذكر حينها مقولة أبي "هذه بداية نهاية أمريكا".

خرجت للحارة ذاك المساء لأخبر أصدقائي أن أمريكا ستنتهي، وما هي إلا مسألة وقت. وتقاتلنا يومها حول ما اللعبة التي سنلعبها في ساعات أمريكا الأخيرة. لم نكن نعلم حينها أن هذه الساعات ستكون طويلةً لهذا الحد.

 

2

اشتريت معجون أسنان قبل شهرين. كانت علبة المعجون مليئة أوّل يومين، ومن ثمَّ أصبحت شبه فارغة، -كان والدي يوصيني باستمرار بألا أنخدع بدعايات المعجون، فهم يضعون في الدعاية كميّة كبيرة من المعجون على الفرشاية، كي نقلّدهم ويخلص المعجون بسرعة ونشتري أكثر، بينما نحن في الحقيقة لسنا بحاجة لكلّ هذه الكمية على الفرشاية: "بس على راسها نتفة وبكفي". أخذني الموضوع 7 سنين وحوالي 120 علبة معجون راحت ع الفاضي لأقتنع برأيه. المهم نرجع للعلبة الأخيرة - عزمت أمري حينها أنّني سأغيّر نوع معجون الأسنان للأبد، وحرام علي إذا بقرب من السيجنال كمان مرة، ونذرت نفسي للكولجيت. 

في اليوم التالي، نسيت أشتري معجون، ولكن العلبة شبه الفارغة سلكتني. 

في اليوم التالي، نسيت أشتري معجون، ولكن العلبة شبه الفارغة –أكثر- سلكتني. 

في اليوم التالي، نسيت أشتري معجون، ولكن العلبة الفارغة تماماً سلكتني. 

في الشهر التالي نسيت أشتري معجون، ولكن العلبة سلكتني، إلى حدّ أني نسيت موضوع النذر أيضاً. 

نسيت ونسيت ونسيت إلى حدِّ أني اقتنعت –بلا وعي، وهذا أخطر بكثير من الاقتناع بوعي- أنَّ هذه العلبة لا تنتهي. 

 

3

علاقتي بالمجلى مثل علاقتي بستّي: "زوروني كل سنة مرة، حرام تنسوني بالمرة".

كنت في كل مرة بفكر أنه ستي خلصوا قصصها، تخرّفني قصة جديدة. 

كنت كل مرة بفكر أنه الجلي خلص، أكتشف كاسة جديدة.

وجنب المجلى كان في ممسحة صغير، أو ما يسمى اصطلاحاً "الفوطة" –في رواية أخرى "شريطة"- والفوط أشكال وأنواع –كل الفوط خير وبركة- بس أنا كنت أشتري الفوطة السحرية – مع أنني لا أؤمن بالسحر، ولكن كان دايماً عندي أمل أطلع غلطان، وتطلع الفوطة فعلاً سحرية، وتريحني من الشغل-. بس أخلص من الجلي اللي ما بيخلص –أنا بخلص والجلي باقٍ ويتمدد- كنت أحاول –قدر الإمكان- أعصر الفوطة لحتى ما تعفن – بحسب الموروث الشعبي- خصوصاً أنه الفوطة السحرية أغلى من ساعتي بالشغل (عاطل عن العمل براتب حالياً). 

والفوطة –للي ما بزوروا ستاتهم والمجلى- عندها استعداد تشرب بحر. وبالمقابل، مش سهل ينعصر البحر! تصبح الفوطة مثل طاقية الساحر، يُخرج منها أرانب وطيوراً وطعاماً وحبالاً وطاولةً وإنساناً ..الخ. وكل ما بنفكر أنه خلصنا، بنطلع لسا بالبداية. 

 

4

صديق العائلة –الفدائي- "علق" سنة ال67 في بيروت وما قدر يعود. انضم لفتح ووعد أهله: "كلها كم سنة وبنعود، وبتخلص هالغربة".

ماتوا الأهل، ولمَّا قسَّموا الإخوة الورثة، خلوله حصته ع جنب، لحد ما يوفي بوعده. 

... (يتبع)

 

5

 

أخيراً:

قد يبدو الوضع القائم أزليَّاً وأبدياً. فلقد كان قائماً قبلنا وسيبقى كذلك بعدنا. وما نحن إلّا عابري سبيل في هذا القائم.

من السهل الافتراض أن العالم كان وسيبقى كما هو. فهنالك من يسعى دائماً لإقناعنا بذلك. هنالك من يجدّ ولا يكلّ لإقناعنا بأن النهايات الطويلة لن تنتهي. وأنَّ أحلامنا ما هي إلّا ضربٌ من السذاجة وترسّباتٌ من أيّام الطفولة القصيرة. وموقعنا في هذا العالم محدَّدٌ مسبقاً، ولا مجال للكتابة وإعادتها. فالتاريخ انتهى قبل أن نبدأ نحن.

ما علينا،، 

معجون الأسنان في النهاية انتهى.

الليفة نشفت بمجرد وضعها في الشمس قليلاً.

والجلي انتهى بفضل جهود الأصدقاء – هم ذات الأصدقاء الذين بفضلهم أيضاً تكدَّس الجلي-

ستي توفّت، وانتهت قصصها.

قد تطول النهايات أحياناً. قد يطول الصراع بين النهاية والبداية (بالمناسبة: النهاية تسبق البداية وليس العكس). قد يطول الصراع بين من يحاول إقناعنا بأن هذا الحال –الخرائي- أبديٌّ، وبين من يصدح صوتُه ليلَ نهارٍ بأنَّ التغيير على بُعدِ شعرة. قد تطول الشعرة قليلاً، وقد يقصر نَفَسُناكثيراً. ولكن علينا ألّا ننسى أبداً حتميّة النهايةِ التي تسبق بدايتنا الجديدة. فنهاية هيمنة الولايات المتحدة مهما طالت وبانت بعيدة ليست أصعب من تنشيف الفوطة –اسأل مجرب ولا تسأل خبير- وعودة اللاجئين ليست بمستحيلة أكثر من إنهاء الجلي. والرأسماليّة ليست خالدة أكثر من معجون الأسنان.

حتى هذا النص انتهى.