غزّة: رسائل الردع والثأر

١٤ تشرين الثاني ٢٠١٨

فجر الأول من آب من العام 2006، نفذّ جنود من وحدتي الكوماندوس الإسرائيلي «سييرت متكال - فرقة هيئة الأركان العامة»، و«شلداغ - وحدة الكوماندوس البريَّة التابعة لسلاح الجو»، عملية إنزالٍ على هدفين في مدينة (بعلبك) اللبنانية، بغاية الحصول على معلوماتٍ استخبارية متعلقة بمصير الجنديين المخطوفين لدى المقاومة اللبنانية آنذاك (إلداد ريجيف) و(أيهود غولدفاسير)، لم تسر الأمور كما كان مخطط لها، تنكشف الوحدات المتسلسلة لمقاتلي المقاومة، لتدور اشتباكات ضارية، أدَّت لوقوع عددٍ من الإصابات في صفوف جنود الوحدتين، ولتنسحب خائبة دون تحقيق أهدافها. بعدها بعامين فقط، كان الشهيد سمير القنطار وأربعة من رفاقه يعودون من سجون الاحتلال إلى الأراضي اللبنانية، بعد نجاح المقاومة، في إبرام صفقة تبادل أسرى، مقابل جثتي الجنديين (ريجيف) و(غولدفاسير).

بمسافةٍ ليست بعيدة عن بعبلك، وبعدها بسنوات، كان المقاتل (علاء فسيفس)، ذو العشرين ربيعًا، يطارد مع رفاقه على تكتكه قوةً صهيونية خاصة في أحد الشوارع القريبة من بلدة خزاعة شرق مدينة خانيونس، بعد قيام قوة أمنية تابعة لكتائب القسام بتثبيت المركبة التي تقل القوة الصهيونية بهدف التحقق منها، وليدور بعدها اشتباك مسلح، ومطاردة للقوة، التي حوصرت قبل تمكنها من الفرار تحت غطاءٍ ناري وفرته طائرات الاحتلال. أوقع الاشتباك وغارات الطيران المُساند سبعةً من الشهداء، من ضمنهم أحد قيادات كتائب القسام في خانيونس (نور الدين بركة). فيما قُتل ضابط صهيوني وأصيب آخرون من القوة، التي يُرجَّح أنها تتبع لوحدة «ماجلان»، إحدى وحدات الكوماندوس في جيش الاحتلال، المكلفة بتنفيذ مهام استخبارية واستطلاعية خلف خطوط العدو.

من غير المعروف حتى الآن ما الذي كانت تخطط القوة الخاصة لإنجازه بعد تسلّلها، تتراوح الترجيحات ما بين محاولتها العثور على معلومات خاصة بجنود جيش الاحتلال المفقودين في غزة منذ العام 2014 إلى محاولتها تنفيذ عملية تجسس للحصول على معلومات استخبارية متعلقة بقدرات المقاومة، وبأي حال فقد نجحت القوة الخاصة في التسلل بعمق بلغ ثلاثة كيلو مترات، وقد كلَّفت عملية التصدي لها سقوط سبعة شهداء من بينهم قائد ميداني، إلا أنَّ ما تركته عملية التسلل من ضرر يظل في أسوأ الأحوال أقل ضررًا مما كان ليحدث لو أتمت القوة الخاصة مهمتها بنجاح، وعلى النقيض من ذلك، خرجت القوة الصهيونية من غزة تحت وطأة اشتباك عنيف تجرّ معها قتيلها ومصابيها.

لم تتأخر المقاومة الفلسطينية في غزة في ردها على عملية الاحتلال الأمنية، ساعات وكانت مواقع جيشه ومستوطناته المحيطة بغزة تحت مرمى قذائف وصواريخ المقاومة. البداية كانت باستهداف المقاومة لحافلة تقل عددًا من جنود الاحتلال في منطقة (أحراش مفلاسيم) شرق جباليا بصاروخٍ موجهٍ من طراز «كورنيت»، ما أدى إلى إصابتها بشكلٍ مباشرٍ واشتعال النيران فيها ومقتل وإصابة من كان بداخلها.  أظهر الفيديو الذي بُث لاحقًا للعملية، أنَّ الهدف منها لم يكن إيقاع الخسائر البشرية بقدر ما هو توجيه رسائل ردع وقوة إلى الاحتلال وقياداته. إضافة إلى ذلك فإن إطلاق صاروخ «الكورنيت» من هذه المسافة، سيعقّد لاحقًا تنقل جنود جيش الاحتلال في مساحة تمتد داخل الأراضي المحتلة بعمق (4) كيلو متر على الأقل.

 

تدفيع الثمن وترسيخ قواعد الاشتباك  

انتهت جولة التصعيد الحالية بين المقاومة في غزة والاحتلال الصهيوني، بعد أن شهدت تطوراتٍ ميدانية غير مسبوقة مقارنة بالجولات التي تلت حرب العام (2014). نجحت المقاومة في فرض معادلتها من خلال قصفٍ صاروخي هو الأول من نوعه من حيث كثافة الإطلاق، سُبق بعملية استهداف الحافلة العسكرية شمال غزة. إنَّ الحديث عن إطلاق ما يقارب من (460) صاروخ خلال ساعاتٍ معدودة، لهو أمرٌ غير مسبوق على صعيد كثافة إطلاق الصواريخ من غزة، وبما يفوق ثلاثة أضعاف كثافة الإطلاق التي بلغت أوجها  خلال حرب العام (2014)، حيث بلغت حينها عدد الصواريخ التي أطلقتها المقاومة ما يقارب (8000) صاروخًا بأمدية مختلفة، خلال (51) يومًا، بمعدل (156) صاروخ يوميًا.

 لم يقتصر السبق في عمليات إطلاق الصواريخ خلال هذه الجولة على الكثافة، بل امتد ليكون سبقًا في دقة الصواريخ وقوة رؤوسها التفجيرية، وهو ما يُظهر بعضًا من عمليات التطوير التي  لم تتوقف المقاومة يومًا عن إدخالها على منظومة صواريخها منذ بدأت بتصنيعها خلال سنوات الانتفاضة الثانية، حينها أصيب الاحتلال بهاجس سببته (4) صواريخ أُطلقت من غزة في العام 2001، ليتلوها طوال العام التالي (34) صاروخًا، كانت جميعها ذات مدىً قصير، وبرؤوسٍ تفجيريةٍ محدودة، وبدقة توجيه متواضعة، لتصل المقاومة اليوم إلى تصنيع هذه الصواريخ المتطورة، على صعيد قدرتها التفجيرية وعلى صعيد مدى وصولها ودقة إصابتها، إضافةً إلى ارتفاع مستويات كثافة عمليات إطلاقها وتأمينها. إضافة إلى ذلك، أظهرت فيه الصواريخ فعالية أكبر في تجاوز منظومة القبة الحديدية حيث امتلكت المقاومة مرونة أكبر في فهم القبة واستراتيجية عملها وتجاوز تفوقها التقني، حيث أرسلت صواريخ المقاومة خلال اليومين الماضيين مئات آلاف المستوطنين إلى الملاجئ، وعطلت الحياة في المستوطنات الجنوبية، وأصابت منازل المستوطنين في عسقلان المحتلة و(سديروت) و(نتيفوت) وتسببت بإشعال حرائق، فيما أصابت إحدى قذائف الهاون خط غاز في منطقة (سدوت نيغف). وبلغ عدد الإصابات في صفوف الجنود والمستوطنين ما يقارب المئة.

جيش الاحتلال الذي عزَّز قواته على حدود غزة، ودفع بمزيد من الدبابات وناقلات الجنود، شنت طائراته عشرات من الغارات الموسعة، استهدفت مواقع تتبع للمقاومة، وبناياتٍ سكنية وكليةٍ جامعية ومبنىً يعود للأمن الداخلي وحاجزٍ للشرطة البحرية، إضافةً لاستهداف مقر فضائية الأقصى. وهو ما جوبه من قبل المقاومة بالحفاظ على كثافة إطلاق الصواريخ مع توسيع مدى إطلاقها لتطال عسقلان المحتلة بعد مرور عدة ساعات على بدأ التصعيد مع التهديد بتجاوز عسقلان إذا استمر الجانب الصهيوني بعدوانه، وهو ما يظهر قدرة المقاومة على اللعب بأوراق الضغط التي تملكها بكل حنكة وذكاء. وهو ذات السياق الذي استخدمت فيه المقاومة الحرب الإعلامية، فبعد أن نشرت شريطًا مصورًا لعملية استهداف الحافلة الصهيونية شرق جباليا، نشرت كذلك تسجيلًا مصورًا لعملية «كمين العلم»، الذي استهدف مجموعة من الجنود عبر تفخيخ سارية علم وتفجيره بهم في شباط من العام الحالي شرق خانيونس.

انتهت جولة التصعيد بعد تدخل مصري ودولي لتثبيت التهدئة وفقًا لتفاهمات 2014، وقد أظهرت خلالها المقاومة إدارة ميدانية وعماليتية قديرة، دفّعت من خلالها الاحتلال ثمناً على جريمته في خانيونس، وثأرت لمقاتليها الشهداء، وأعادت تثبيت قواعد اشتباك رادعة، محققةً حالةً من الردع النسبي دون دخولٍ في مواجهةٍ مفتوحة، وبنجاحٍ ملحوظ في الميدانين العسكري والإعلامي.