غياب التحرّر عن “الخطاب التحرّري”: النساء والوطن

١٨ تشرين الثاني ٢٠١٦

تعيشُ النساء في مجتمعنا حالة من التهميش لحقوقهنّ، والإقصاء الذي يحصرهنَّ في مواقع ضيِّقة تحرمهنَّ المشاركة في تشكيل الحيّز العام، ويرافق ذلك خطاب لتبريره، يتحدَّث حينًا عن ضرورة هذا التضييق للحفاظ على العائلة ومُثُل مجتمعنا العليا وأخلاقه، وحينًا آخر عن حتميّة هذا التضييق، على أنَّه تقسيم طبيعيّ ويحدث تلقائيَّاً، كون تلك “المواقع” هي ما سمحت به طبيعتهنَّ وأنوثتهنَّ، فهنَّ لا يستطعن إلّا أن ينتمين إلى الحيِّز الذي حُصرن فيه، ويأتي معه أيضًا نظام من العقوبات تنال من اللواتي لا يمتثلن لما يُفرض عليهنَّ؛ مثل جرائم الشرف، العنف المنزليّ، وغيرهما.

إنَّ مظاهر هذا القمع والإقصاء ملموسة؛ فبلغ معدَّل البطالة بين الذكور 20.6% بينما بلغ 35.0% بين الإناث في عام 12013، وملموسة أيضًا من خلال إحصاءات توزيع المهن، حيث تغيب النساء عن بعض المهن تمامًا، ومن خلال غياب النساء عن الشوارع في ساعات اللّيل، وغيابهنَّ عن عضويَّة النقابات ومجالس الطلبة، وعن المظاهرات.

هذه ليست محاولة لإبراز أنَّ النساء هنَّ الضحيَّة الأكثر اضطهادًا أو أنَّ قضاياهنَّ هي الأكثر إلحاحًا وأولويَّة؛ فإنَّ بطش الاحتلال والنيوليبراليَّة يطالنا جميعًا ولكنَّ الأبويَّة- المضطَهِدة للنساء بشكلٍ أساسيّ- حقيقة كما الاحتلال واضطهاد العمَّال حقائق أيضاً؛ هي حقيقة تصطدم بها المرأة أحيانًا حتّى قبل أن تصلَ إلى سوق العمل ليقع عليها اضطهاد ربّ العمل، أو يعيقها أحيانًا من الوصول إلى حواجز الاحتلال من الأساس؛ إذًا فإنَّ الأبويَّة هي واحدة من قوى الهيمنة، وليست الوحيدة.

بحسب الماديَّة التاريخيَّة؛ فإنَّ اضطهاد المرأة يقع ضمن شبكة من اضطهادات تشكَّلت تكيُّفًا مع التحوُّل في النظام الاقتصاديّ (أدوات الإنتاج وعلاقات الملكيّة)، والأبويَّة ما هي إلا خيط في هذه الشبكة.

أخذت الأبويّة تسير في الاتّجاه نفسه منذ ذلك العصر وتتأقلم مع التغيُّرات الاقتصاديَّة، إلى أن وصلت إلى الشكل الذي نعرفها به اليوم.

تلك التغيُّرات رافقتها ولازمتها على الدوام تغيُّراتٌ في عالم الأفكار، البنية الفوقيَّة؛ أفكار تأصَّلت في عقول الناس وتوارثوها من جيلٍ إلى آخر، حتّى أنَّها على مستوى الفرد يمكن أن تأخذ استقلالاً نسبيَّاً عن  وضعه/ها الماديّ؛ فخروج اللّاجئات السوريّات إلى العمل في دول اللّجوء وبقاء أزواجهنَّ في البيت- بسبب صعوبة إيجاد الرجل اللاجئ للعمل مقارنة بالمرأة اللاجئة-لم يمنع الأزواج من تعنيفهنَّ عند عودتهنَّ إلى المنزل.
فإضافة إلى ضرورة تغيير الوضع الاقتصاديّ المجحف، هناك عقليّة ذكوريَّة يجب التعامل معها، فما تمليه هذه العقليَّة من ممارسات، أدَّت إلى إشعار النساء بأنَّهنَّ “المغاير”، ووضعهنَّ له إعدادات مخصَّصة؛ تختلف عن وضع الرِّجال “default”.

إنَّ الدور الاجتماعيّ المطلوب والمتوقَّع من المرأة حتى ولو كانت عاملة أو طالبة على سبيل المثال، يبقيها في حالة معزولة عن حالة العامل أو الطالب؛ فهي عاملة أو طالبة فقط في الوقت الذي تتواجد فيه في مكان العمل أو الجامعة، وعندما تخرج من هذا الحيّز تهرع مسرعة إلى دورها “الأصليّ” كأمّ أو ابنة أو زوجة؛ على اختلاف متطلَّبات كلّ دور.

ونستطيع ملاحظة نمطيْن مختلفيْن في تعليقات الطلبةعلى منشورات مجلس الطلبة بخصوص الإضراب الطلابيّ الأخير في جامعة بيرزيت، حيث كتبت بعض الطالبات تعليقات اشتكين فيها طول فترة الإضراب وأنَّهنَّ يردن العودة بأسرع وقت حتى يهربن من عبء أعمال التنظيف والترتيب والطبخ، والتي أصبحت توكل إليهنَّ أكثر من السابق.

وفي المقابل نرى تعليقات تناقش جدوى الإضراب وما سيلحقه بالفصل الدراسيّ إذا طال أكثر؛ وبالطبع لم يقتصر النمط الثاني على الطلّاب وإنَّما شاركت في النقاش طالباتٌ أيضًا.

كما كانت مشاركة الطالبات في الاعتصام داخل حرم الجامعة محدودة إلى درجة كبيرة، سواء بعدد المتواجدات،حيث كان عددهن قليل، أو بأوقات تواجدهنَّ؛ فقد منع مجلس الطلبة، طالبةً من الدخول إلى الجامعة للمشاركة بالاعتصام بعد وصولها إلى بوابة الجامعة بحجَّة أنَّها وصلت في ساعة “متأخّرة”، التاسعة مساء؛ قالت الطالبة (ه.ع) إنَّها توجَّهت إلى الجامعة برفقة زملائها بعد أن أنهوا تدريبات المسرح، ولم يخطر ببالها أن تُمنع من الدخول لكونها فتاة، مضيفة:”إنَّ هناك قانونًا غير مُعلن اجتمعت عليه كلُّ الكتل الطلابيَّة دون استثناء، وهو أن تكون الطالبة”المغايرة” مجبرةً على أن تتَّخذ تدابير خاصّة لكي تشارك، وأن تحرص على اختيار ساعات معيَّنة تأتي بها إلى حرم الجامعة ليُسمح لها بالمشاركة”.

هناك تباعدٌ بين المثاليْن السابقيْن؛ ولكنَّ المشترك أنَّ الطالبات في كلا الحالتيْن حرمن من المشاركة في الإضراب؛ إمّا منعهنَّ دورهنَّ الاجتماعيّ من الدخول في النقاش أصلاً، أو حرمهنَّ مجلس الطلبة من التواجد فعليَّاً لكونها “طالبة” وليست “طالباً”؛ وبين الحالة الأولى والثانية تدرُّجات من الانخراط في هذا الإضراب، لكن أقصى درجات الانخراط لم تصل إلى مستوى المشاركة الطبيعيَّة الكاملة، والتي كانت متاحة أمام الطلَّاب.

إذًا لدينا أغلبيَّة نسائيَّة في الجامعات، ولكن لدينا مشكلة في نوعيَّة هذا التواجد، فعندما تغيب الطالبات عن نشاطات مثل الإضراب أو عن حيِّز مثل حيز مجلس الطلبة3، فإنهنَّ يفوّتن تجربة العمل النقابيّ وخوض الإضرابات، ويمارسن حياتهنَّ الجامعيَّة بسلبيَّة تجاه كلّ ما هو غير أكاديميّ، فهنَّ غالبًا ناخبات ولسن مُنتَخبات، موضوع ولسنَ مصدرًا للحركة الموجبة.
قد يجادل البعض، وهم على حق، أنَّ مجلس الطلبة  بعيد عن الجميع، وأنَّ أقليَّة هم من يتخذون القرارات، وغالبيَّة الطلبة- إناثًا وذكورًا- يكتفون بالمراقبة؛ ويذهب البعض أبعد من ذلك بالقول إنَّ مجتمع بيرزيت يمثِّل صورة مصغَّرة عن الوضع الفلسطينيّ بشكلٍ عام، فالنساء يشكِّلن الأقلية في كلّ مؤسَّسات “صنع القرار” (الحقائب الوزاريّة، رئاسة البلديّات والمحافظات، قيادة الأحزاب، القضاة، إدارة الشركات…الخ)، ولكنَّ معظم أفراد الشعب يشعرون بغربة عن الحكومة وأنَّها لا تمثّلهم؛ رجالاً ونساء.

لا أدعو إلى دخول النساء إلى المنظومة الحاليَّة وأن ينصهرن فيها، وزيادة عدد النساء ذوات المناصب لن يحلَّ مشاكل النساء،ولا المشاكل الأخرى؛ فزيادة عدد النساء في مجلس إدارة شركة لا تُنصف موظَّفيها في أجورهم ولا زبائنها بخدمات وسلع مكافئة للسعر الذي يدفعونه،لن يشكِّل فرقًا، ونحن لا نسعى لحركة نسويَّة حصريَّة على النساء ومطالبهنّ.

إنَّ الأماكن التي من المهم أن تتواجد فيها النساء هي تلك المواقع التي يمكن أن نغيَّر من خلالها؛ كالحركة الطلّابيَّة أو المبادرات التطوعيَّة وحملات المقاطعة ونحوها؛ أي تلك التي في نيَّة أفرادها أن يغيِّروا ويُحسّنوا من وضع البلاد، والتي لا تشكِّل جزءًا منتفعًا من المنظومة التي نقاومها، بل هي ثغرات في هذه المنظومة ويأتي التغيير عبرها.
علينا في هذه الأماكن أن نوسِّع مفهوم التحرُّر؛ ليشمل التحرُّر من أشكال الهيمنة والظلم الواقع على أيٍّ كان من قبل أيٍّ كان، وأن تكون التعبئة ضدَّ الاحتلال والأبويَّة والتفاوت الطبقيّ والعنصريَّة بأشكالها كافّة.
ومن الضروريّ أن يشمل خطابنا التحرريّ خطابًا مضادّاً لذلك الخطاب الذي يقصي النساء حتى عن الميادين النضاليَّة؛ كالخطاب الذي يستنكر مشاركة النساء بالمظاهرات أو المواجهات مع الاحتلال، والذي منع بنفس المنطق الطالبات من المشاركة الحقيقيَّة في الإضراب الطلابيّ الأخير.
إنَّ توسيع مفهوم نضالنا ليكون نضالًا واحدًا ضدَّ الظلم، لن يمنعنا من خوض معارك ضدَّ جهات قمعيَّة بعينها، ولن يضمن لنا أن تسير مسارات النضال ضدَّ كلِّ جهة بشكل موازٍ وجنباً إلىجنب؛ وإنَّ هذه المسارات ستتقاطع أحيانًا وتشتبك أحيانًاأخرى.

وسنكون في موقع يجبرنا على أن نساوم، وربَّما على التخلّي عن مطالب معيَّنة مقابل مطالب أخرى أهمّ، وتواجد النساء كأحدأطراف المساومين،سيعطي شرعيَّةًلقرار التخلّي عن مطلب نسويّ مقابل عقد تحالف ما على سبيل المثال، يزيد الحركة النضاليَّة قوَّة، ويضمن- إلى حدّ ما- أن تكون هذه التسوية ضروريَّة وتحقّق الخير الأعمّ.

إنَّ كثرة مشاكلنا يجب ألّا تثنينا عن تعدادها وتفصليها وتبيان خصوصيَّتها كلّ واحدة على حِدة، وعلى الملتزمين/ات بالعدالة والحريَّة أن يخلقوا بيئة صحيَّة ينمو فيها الفكر النسويّ كمكمّلٍ للتحرُّر من الاستعمار والطبقيَّة، وأن يحولوا دون ارتماء النساء في أحضان النسويَّة الليبراليّة.
___________________
بحسب جهاز الاحصاء المركزي الفلسطينيّ.
73.22%من أعضاء مجالس الطلبة في الجامعات ذكور مقابل 26.8%إناث،2011 حسب مركز الاحصاء الفلسطينيّ.

كُتِبَ هذا المقال ضمن نشاطات مبادرة معمل الأفكار في جامعة بيرزيت.