فضاء جامعة بيرزيت في أيام الإضراب

٢٥ أيلول ٢٠١٦

خضنا في جامعة بيرزيت إضراباً طلابياً جاء على شكل اعتصام داخل حرم الجامعة، احتجاجاً على قرار رفع الأقساط الدراسية.  وأخذ النِّضال المطلبي هذا أشكالاً تصعيديةً متعددة طيلة شهر تقريباً، ولكن لن يكون موضوع هذا المقال عن نتائج هذا النّضال، نجاحاته وإخفاقاته. وإنَّما سنحاول وصف التغيّر الذي طرأ على الحياة اليوميّة الجامعيّة أثناء الاعتصام الذي تطلَّب تواجداً طلّابياً دائماً، دون موعد نهاية محدد سلفاً. هنا سنتحدث عن تجربة خاضها مجموعة قليلة من الطَّلبة في مسيرتهم الجامعيّة لتحقيق أهداف نقابية، ولم تكن هذه التجربة من أجل التجربة بل كانت وسيلة نضالية.

يختلف إيقاع الحركة داخل حرم الجامعة أثناء الاعتصام، عنه أثناء الدوام. فهناك تفاعل طلابي مختلف مع هندسة الجامعة خلق مفاهيم، وأماكن تواجد، وطبيعة علاقات جديدة. حيث عبَّرت الهندسة منذ الليلة الأولى عن فراغ ما يقلب كلَّ المفاهيم. وكأنَّ المكان يقول إنَّه مخصص لعدد هائل من السيارات والطَّلبة والموظفين، وليس لعشرات الطُّلاب المعتصمين ومجموعة من أمن الجامعة. وهذا الفراغ أخذ يقلب أماكن التَّواجد؛ فأصبح هناك مراكز قريبة من بعضها البعض نتواجد بها ونضع فراشنا وخيمنا وملابسنا، وكلُّ ما ليس في هذه المراكز مهمش، وليس له أيّ أهمية وكأنَّه غير موجود. فقدت مباني الكليات معانيها وأصبحت الثَّلاجة التي بجانب مجلس الطلبة تسد مسد الكافتيريات، أما الإعلانات التّجارية والمقاعد، فبدت فائضة عن الحاجة ودون معنى، كون عددها يزيد عن عددنا، وأخذت القطط التي تمثل العبث في إيقاع الحياة أثناء الدوام، أهمية كبيرة وأصبح تواصلنا معها أكثر إثارة وجدوى من الصَّرافات الآلية. أما بوابات الجامعة ففقدت سلطتها السابقة، فالمواعيد لم تعد مقدسة، وفتحها في أيّ وقت ممكن، ولكنَّ القفز عنها أسرع.

خلق هذا التفاعل مع الهندسة من جهة، ومع هدف التَّواجد من جهة أخرى، بنية جديدة نتفاعل من خلالها مع بعضنا البعض، فكل الطَّلبة المعتصمين متواجدين لنفس الهدف، ولن يتحقق هذا الهدف الا بتواجدهم مجتمعين، مما أدى لخلق طبيعة علاقات تشاركية، لم نستطع من خلالها أن نتجاوز التَّأطير السَّابق لهذه العلاقة الجديدة، كانت تشاركية بخجل والتباس نوعاً ما، ولكنها حيوية وسهلة التَّواصل، والمحافظة عليها وتعزيزها يعني نجاح الاعتصام. كنا نأكل سوياً، وندخن، ونتناقش، ونعزف، ونحضر الأفلام، وننسق للمحاضرات والحواريات، ونلعب الكرة، وننتظر انتهاء جلسات الحوار سوياً. وأيضاً تحطَّمت قيود اجتماعية سابقة، فلم يعد هناك معيار للمظهر الخارجي؛ فالجامعة بيتنا الآن ومكاننا الخاص. ولم يعد هناك معيار للحديث وما هي الكلمات المسموح استخدامها، وخصوصاً مع عدم تواجد دائم للمدرسين، كما تطورت علاقة مختلفة مع أمن الجامعة، فمثلاً أصبح سؤال الحارس المعتاد “انت وين بتنام؟” وهذا إن تمَّ التواصل بعيداً عن مراكز التجمع، أمّا في المراكز التي نتواجد بها فيكون تواصل حول تطورات الأزمة أو مواضيع عامة مضحكة بالضرورة، أي أنَّ التَّواصل متاح وعلني ومريح، وهذا بعكس العلاقة التي تتكون بين الطَّلبة والأمن أثناء الدوام الطبيعي والتي تكون محدودة وحذرة نوعاً ما. وهنا يمكننا القول إنَّ الفراغ الذي تعبر عنه الهندسة هنا بالنسبة لنا كطلبة، هي بالمقابل امتلاء، أو فوضى لأمن الجامعة الليلي المعتاد على الفراغ المطلق للمشهد.

لا تخلو الحياة اليومية مهما كان شكلها من السلطة التي تشكلها، وهي بالضرورة تشكلنا ونشكلها. ومن البديهي أن تختلف الحياة أثناء الإضراب عنه اثناء الدوام، وأن تختلف رؤية الطالب/ة عن رؤية المدرس والحارس وموظف الكافتيريا لفضاء الجامعة، ولكن كيف بإمكاننا تكشيف أدوات فرض السلطة، والبنى التي تشكّل اليوميات والعلاقات والتواصل، ومنبت هذه البنى، وهذا الفهم لن يأتي بمعزل عن الفهم التغييري لها، من أجل القفز لخلق نمط حياة وتعليم يخدم عملية النضال والتحرر.