فلسطين بين الحجب والتجلّي

٢٣ أيلول ٢٠١٨

مقدمة: تُكمن فرادة فلسطين في سياقها الاستعماري، في استمراريّة الحالة الاستعماريّة الاستيطانيّة التي استهدفت عبر تكثيف حالة تشظّي مكوّنات الهويّة الفلسطينيّة عبر ممارسة سياسات استعمارية طالت أرضها وناسها وحكايتها، والتي بدأت مع بواكير المشروع الاستيطاني تحت مظلّة الانتداب البريطاني، وبلغت ذروتها عام 1948. كما اصطلح على تسميتها: "النكبة"، كفرادة في القاموس الفلسطيني، دشنت حالة من تواصل النكبات بأشكالٍ متعددة وظروف متغيّرة، لكن ضمن استمرارية لسياسات الحجب والطمس والمحو التي طالت أصلانية المشهد بأكمله.

في الحجب والمحو:

 

   في إحدى أهم الصور التي تعلق بالذاكرة في العالم العجائبي للطفولة عبر متابعة الرسوم المتحركة، أو "رسوم الكرتون" كانت إحدى الساحرات القبيحات التي تحلّق عالياً على مكنسة تلقي تعويذاتها على أعدائها لتحيلهم إلى حطام، ثم تكنّسهم وتراكم محوهم لتحيلهم إلى فراغ، انتهى عالمنا العجائبي ولكن ما زال فعل المكنسة يحاول مراكمة طمسنا ومحو هويّتنا.

  إحدى التعويذات القديمة في اللغة العبرية التي كانت تُطلق على ألدّ أعداء الشعب اليهودي من "الأغيار"، وتعني حرفيا "ليُمح اسمه وذكره" تكمن شدّة هذه اللعنة أنها تحيل إلى فعلٍ مزدوج عبر تكثيف تعويذة الطمس، فالمحو هنا يتبعه نسيان الذكر، أي يحيله إلى فراغ[1]، لم تبق هذه التعويذة حبيسة اللغة العبرية بل أطلقها المشروع الاستعماري الاستيطاني  في سياق النشوء القيامي لدولته من قمقم التراث اليهودي، وأعاد السطو عليها ليزيدها توحّشاً عبر مأسسة المحو  والطمس والسيطرة على المكان والزمان، وإعادة استعمار الأسماء الفلسطينيّة عبر سياسات العبرنة والأسرلة التي ترافقت مبكراً مع المشروع الاستيطاني لتغيّر سحنة المكان الفلسطيني.

كشفت هذه التعويذة الاستعمارية فلسطين، وراكمت تشظّيها وأحالت الفلسطينين إلى تجمّعات معزولة عن بعضها البعض مابين فلسطينيو الأراضي المستعمرة عام 1948 وفلسطينيو الضفة الغربية الذين اتبعوا للمملكة الأردنية، وفلسطينيو غزّة الذين بدورهم اتبعوا للإدارة المصرية، والشتات الفلسطيني بسياقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة، لتتمزّق الهويّة الفلسطينية بين سياقات متعدّدة، حيث دشنت النكبة التقسيم الجغرافي والتشتيت السياسي ليتحوّل التشتيت الذي طال كافة المشهد الفلسطيني  إلى سمة من سماته.[2]

المشروع الوطني الفلسطيني بين البزوغ والكسوف:

في أواسط الستينيات، في ظلّ ظروفٍ عربيةٍ ودوليةٍ معقّدة، تشكّلت منظّمة التحرير التي انبثقت من هزيمة المشروع القومي العربي الذي نظر طويلاً إلى تحرير فلسطين، فأعادت منظّمة التحرير الأولويّة لسرد الحكاية الفلسطينية عبر سياسات الذاكرة التي أعادت الاعتبار لفلسطين التاريخية، ومن خلالها استطاعت منظّمة التحرير تمثيل الإرادة الوطنية  لشعب مشرّد ومشتّت يتوق إلى الحرية والخلاص، وبدا جلياً في خطابها الميثاقي عام 1968 الذي ركّز على تحرير كامل التراب الفلسطيني، وانتهاج الكفاح المسلّح وإقامة دولة ديمقراطية علمانية على أرض فلسطين التاريخية.

مرّت منظّمة التحرير بسياقاتٍ تاريخيّة معقّدة تحوّل فيها الخطاب الميثاقي ليمرّ بالنقاط العشرة عام 1974، ثمّ خطا ياسر عرفات الشهير عام 1985 وإعلان الاستقلال عام 1988. عكست هذه التحوّلات ترهّل خطاب منظّمة التحرير وانكماشه، ليبلغ الانزلاق ذروته عبر توقيع منظّمة التحرير اتّفاقية أوسلو مع "إسرائيل"، وتعترف بحقّها في الوجود، وتتنازل عن أكثر من ثلثيّ أراضي فلسطين التاريخيّة وتُعيد تعريف المكان والزمان والحكاية الفلسطينيّة تماشياً مع سياسيات القوّة والهيمنة الاستعماريّة التي خضعت لها منظّمة التحرير.

   في نفس السياق، شكّلت اتّفاقية أوسلو منعطفاً في تاريخ السرديّة الفلسطينيّة عبر تشظّيها وحجبها، لتتحوّل الاتّفاقية إلى صنافية فرز تعيد تعريف الفلسطيني وهويّته عبر سياسات تدوير الوهم التي ترافقت مع بناء مؤسّسات الدولة المنشودة لتخلق حالة من الحجب وتزييف الواقع عبر بيروقراطية يتزاوج فيها رأس المال المُعولم داخل المعازل الفلسطينية، ويتم تدوير الوهم اليومي  وإبرازه عبر تكريس مظاهر السيادة داخل تلك المعازل، وفي الوقت ذاته يحجب الاستعمار ويطمسه من المشهد الفلسطيني عبر سياسات تتوافق ومقاييس الحكم الذاتي، أو الإدارة التشغيليّة التي تستمدّ سيادتها من سيادة الاستعمار وحضورها من حضوره.

 

 

في المأزق الحالي:

تبدو الإمكانيّات الفلسطينيّة وفق السياسة المطروحة وسياسات الانقسام الذي بلغ ذروته عام 2007، ليستمر حتى الآن، لتصل المشاريع السياسية إلى أدنى حالاتها من التردي والانقسام، فوصلت تلك الإمكانيات السياسية إلى طريقٍ مسدود، مما أدخل الشرعيّة السياسيّة بكل أشكالها بعد أوسلو في أزمة المشروعيّة، لتتوزّعها سلطة منقسمة على ذاتها ومأزومة، ترى في انسداد الأفق معطى طبيعي لترضى بأقل القليل عبر انغماسها في ابتلاع الوهم وإخراجه لبناء مشروعها الدولاني الذي أقل ما يقال عنه أنه دولة بلا دولة، يتزاوج فيه القمع والبيرقرواطية ورأس المال وشرعية التسوية على حساب شرعية التحرّر والخلاص.

يتوالد الأمل

 شكّل فشل المشروع السياسي الفلسطيني الممثّل بمنظّمة التحرير في الحفاظ على فلسطين وأصلانيتّها، -من عمليات الحجب الاستعمارية وعمليات الطمس-، على النقيض تماماً حالة من التعافي على صعيد الهوية الفلسطينية عبر مراكمة الوعي في مواجهة هذه الصنافيات وتعقيداتها[3]، إذ تبزغ فلسطين من هذا الوعي الذي همّش وأسقط عبر سياسات العمى والصحو، والتهميش هنا يحيل إلى فعلِ متراكم على صعيد الرواية الاستعمارية للأصلاني وعلى صعيد الفشل الذي واكب "السيادة" السياسية الرسمية الفلسطينية المتشكّلة وفق اتفاقيات أوسلو.

  شكل الفشل على صعيد التجربة والخطاب الرسمي الفلسطيني وانسداد الأفق ووصول مشاريع التسوية، إنشاء دولة على حدود الخامس من حزيران وسقوط هذه الدولة المشتتة قبل تكوّنها وفقدان الثقة بالنخب السياسية على كل صعيد، حالة من الحراك بعيداً عن ثقل المؤسّسة الرسمية قوامه تجمّعات شبابية خرجت من عنق الأزمة لتشكّل خطابها على جميع الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية التي لم يكن آخرها الحراك الشبابي لرفع الحصار عن عزة  لتشي كل هذه التحرّكات على صعيد الهوية والوطنية الفلسطينية بالتعافي وإعادة الاعتبار للسردية الفلسطينية وتجاوز حالة التشظّي والانقسام، مما قد يحمل في المستقبل القادم ولادة مشروع وطني برؤية تُعيد الاعتبار للمشهد الأصلاني بكليته بعيداً عن ما خلقه السياق الاستعماري وما هشّمته السياسية الرسمية الفلسطينية.

 

 

[1] . هنيدة غانم: " المحو والإنشاء في المشروع الاستعماري الصهيوني " مجلة الدراسات الفلسطينية ، عدد 96 ( خريف 2013) .

[2] . جميل هلال " تفكك الحقل السياسي الفلسطيني " مجلة الدراسات الفلسطينية، عدد  107 (صيف 2016 ) .

[3] . نديم روحانا."الهوية الوطنية والحلول السياسية " مجلة الدراسات الفلسطينية ,عدد 89 ( شتاء 2012)