فلسطين في فن أوريجيت سي

٣١ كانون الأول ٢٠١٥

كمراهق يعيش في مدينة “حيدرأباد” في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، كنت قد التقيت بمجموعة طلاب فلسطينيين يدرسون في جامعة أوسمانيا ويعيشون في شقة في حينا. لا أتذكر أسماءهم أو الكثير عنهم، لكنني أتذكر بوضوح المرة الأولى التي تذوقت فيها الحمص عندما قدموه للجميع بعد أن لعبنا كريكيت معاً.

كانت زلة لسان رئيسنا “براناب مخرجي” خلال زيارته لإسرائيل حينها مسلية، – بدل أن يقول “حمص” قال “حماس” – ولكن بالتأكيد يسامح عليها. لكن الأمر الذي كان امكانية مسامحته عليه أقل هو رفضه التطرق إلى موضوع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.  كان ذلك مؤشراً على درجة التحول في الموقف الرسمي للهند منذ أيام الدفاع الهندي الشديد عن نضال وتطلعات الشعب الفلسطيني.  فاستبدلت الصفحات الأولى صور مهاتما غاندي يعانق ياسر عرفات وفيدل كاسترو وأمثالهما بصور مودي مع نتنياهو والأمراء العرب بوضعيات مشابهة لكن أقل صدقاً.

وافقت بسعادة على طلب سودانبا نيشباندي بالنيابة عن مسرح جانا ناتيا مانش في ديلهي ومسرح الحرية في جنين، للقيام بمجموعة أعمال لجولتهما المشتركة هذا الشتاء. على الرغم من عدم مواكبتي للسياسة في الشرق الأوسط إلا أنني، ولدرجة ما، كنت أود ذلك، وأدركت أن هذه كانت مبادرة تاريخية.   

وبقبولي هذه المهمة، بدأت بالتعمق في قصص الحركة الفلسطينية، وفهمت على الفور أهمية هذه الجولة – لأنها ستتجاوز الحكومات وأولوياتها المتقلبة. – وفي الحقيقة كانت هذه من المحاولات الأولى في ايجاد تواصل بين الشعبين على مقياس واسع، وتأسيس صداقة على مستويات إنسانية حقيقية، واستخدام لغة الفن وليس السياسة، لتبادل الأفكار المبدعة، وللتعلم والاحتفال بنضالات بعضنا البعض.

بالرغم من أننا في الهند بدأنا بالتجمع للدفاع عن حقوقنا العلمانية والديموقراطية في بلادنا، إلا أننا أيضا بحاجة للاتحاد مع المقاتلين الشجعان في سبيل الحرية، والسلام، والعدالة في البلاد الأخرى. اليوم من المهم جدا أن نفعل ما بوسعنا لإنجاح هذه الجولة في الهند من خلال التضامن، والدعم، والمساعدة المالية. لدينا الكثير لنتعلمه من تجربة أصدقائنا الفلسطينيين، والطرق المبدعة التي ابتكروها على مدى فترة نضالهم. وعلاوة على ذلك، هذه فرصة لنا لنثبت للعالم أن الشعب الهندي، وبالرغم من مواقف وأعمال ما تسمى قيادتنا، هو شعب يمتلك رؤية عالمية للسلام.

كيف يمكن لأي شخص أن لايرغب المشاركة في ذلك؟

كثيراً ما أسأل: كيف أجد أفكار أعمالي الفنية؟ هل أجد الكلمات أولاً أم الصور؟ بالتأكيد ليس هناك معادلة واضحة. لكنني في الماضي، كنت أتفاعل مع المكان والناس الموجودين فيه بشكل مكثف قبل البدء بالمهمة الموكلة إلي. كانت روايتي الصورية الأولي “نهر من قصص”، عن نضال النارمادا في التسعينيات من القرن الماضي. في الحقيقة أنني في البداية عندما سافرت في الإقليم لعدة أشهر، والتقيت مع العديد من الأشخاص، ورسمت بعض الاسكتشات لم أكن أعلم أنني كنت سأنتج كتاباً. أتذكر ذات مساء، رأيت رجلاً يقود دراجته بالقرب من الميناء والنهر خلفه، كان شعره الأبيض مضيئاً تحت أشعة الشمس قبل غيابها، تتبعه سحابة من الغبار المتصاعد خلفه. أسموها لحظة تجلي، ولكنني أدركت حينها أنني أريد أن أكتب قصته.  

في النهاية، لم يجسد هذا الرجل في الكتاب على الإطلاق. ولكنني أعلم بوضوح أنه أهداني قصة كان ولم يكن هو جزءاً منها. عندما أعمل على مشروع ما، أعتبر هذا النوع من محفزات العواطف أمراً بالغ الأهمية. فلا أستطيع إنتاج أي عمل حتى يحث شيئاً من هذا القبيل.

في هذه المرة، واجهت مشكلة غريبة. كنت أعرف القليل عن الوضع الفلسطيني، لكنني لم أسافر إلى ذلك الجزء من العالم. لم أشعر بالتراب، ولم أتنفس الهواء. كنت بالتأكيد أرى بعض الأشياء عبر الانترنت – صور من غزة، صراع المقاومة، وحشية إسرائيل، الحواجز والجدار. لكنني لم أجد فعلا إلهامي.

عندها، بعث لي “سودانبا” مذكراته من زيارته إلى الضفة الغربية هذا العام. كان قد أخذ بعض الصور أيضاً. قرأت النص كله، العشرة آلاف كلمة مرة واحدة. كنت وكأنني أعيش تجربة فلسطين من خلاله. وبدأت الأفكار بالتدفق. رسمت أسلحة تتحول إلى أشجار زيتون. كنت معجباً دائماً بالشال الهندي التقليدي، وبالتالي جذبت إلى الكوفية، الرمز الفلسطيني. فرسمت العديد من الاسكتشات التي تحتوي على الكوفية.

عندما بدأت بالرسم، اتضحت لي بعض الأمور. أولاً، أنني لم أرد على الأقل كخطوة أولى أن استخدم صوراً للعنف. ليس أنني أدين المقاومة المسلحة كفعل. فأي شعب محتل، حتى وفقا للقوانين الدولية، لديه الحق بالدفاع عن نفسه بالأسلحة إذا وجد ذلك ضرورياً. لكنني شعرت أن فلسطين تمثل بالنسبة لي أفقاً من الأمل، من الشجاعة الهائلة والصمود، من الرقة والجمال. أردت أن أضمن هذه الأفكار في أعمالي.  

رسمت كوفية حول وجه امرأة كانت إحدى عيناها الشمس والأخرى القمر. بدت الكوفية كعش، مساحة آمنة لشيء رقيق وهش. من كل هذه الأفكار نتجت صورتي النهائية، العش والبيض.

 

 أردت أن أغير بعض التداعيات السلبية والعنيفة التي ارتبطت مع الحجاب وغطاء الرأس في الآونة الأخيرة –  وأردت تقديم الكوفية الفلسطينية باعتبارها الحامي والمربي للقيم الهشة التي ما تزال مهددة في أجزاء كثيرة من العالم – ومن ضمنها بلادنا.

تبنى الفلسطينيون الكوفية (نسبة إلى مدينة الكوفة) كرمز قوي لنضالهم نحو حقهم في تقرير المصير.  ربما تكون أشكالها المنسوجة قد نشأت في بلاد ما بين النهرين قديما كتمثيل لشباك الصيد أو لسنابل القمح رموز الخصوبة والوفرة. كان ياسر عرفات أحد الأنصار الواضحين للكوفية كرمز فلسطيني فكان دائما يلف نهاية الوشاح على كتفه الأيمن في ليترك النهاية الأخرى كمثلث يشبه شكل خريطة فلسطين التاريخية. ومن الشخصيات الفلسطينية التي ارتبطت ايضا بالكوفية ليلى خالد العضوة في الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

تسلط هذه الصورة الضوء على تضاؤل الأراضي الفلسطينية عبر السنين، كما تقدم أملًا بديلاً للمستقبل –  كوقت لعودة شقائق النعمان الفلسطينية الحمراء كلون الدم.

وقررت أيضاً أن تكون هناك كلمات مصاحبة للرسومات، لكنني لم أرد شعارات. أردت كلمات ذات وحي، كلمات قد تثير الفضول والمشاعر. كأجزاء من قصائد.

بالنسبة للشعب الفلسطيني، يمثل المفتاح رمزاً لمفهوم “حق العودة” – الذي يؤكد أن للاجئين الفلسطينيين وأبنائهم الحق في العودة إلى ممتلكاتهم وأراضيهم التي أجبروا على تركها في فلسطين المنتدبة من بريطانيا – فكان نزوح الفلسطينيين عام 1948 والصراعات العديدة اللاحقة كلها نتيجةً لتأسيس دولة اسرائيل.

أنتج الفنان الفلسطيني ناجي العلي بين العام 1975 والعام 1987 عدداً كبيراً من الرسومات المؤثرة والتي تظهر فيها شخصية حنظلة. قال ناجي العلي بخصوصها “الطفل حنظلة هو توقيعي، الجميع يسألني عنه أينما أذهب. ولد هذا الطفل في الخليج وقدمته للناس. وهو وعدهم أنه سيبقى صادقاً مع نفسه. هو ليس جميلاً؛ شعره كشعر قنفذ يستخدم أشواكه كسلاح. حنظلة ليس طفلًا سميناً سعيداً أو مدللاً. حنظلة حافي كأطفال مخيمات اللاجئين، هو رمز يمنعني من ارتكاب الأخطاء. بالرغم قسوته تفوح منه رائحة العنبر. يداه مكتفتان خلف ظهره كإشارة رفض في زمن تعرض لنا الحلول على الطريقة الأمريكية. قدمته للفقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة. في البداية قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي ثم أفق كونيّ وإنساني. ولد حنظلة في العاشرة من عمره ، و سيظل دائماً في العاشرة ، ففي تلك السن غادرتُ أنا وطني، وحين يعود، حنظلة سيكون بعد في العاشرة ، ثم سيكبر بعد ذلك. وستصبح الأمور طبيعيةً حين يعود للوطن”.

للأسف، لم يستطع ناجي العودة إلى وطنه. فقد اغتيل في لندن عام 1987. في هذه الصورة التي رسمتها تكريماً لزميلي الرسام العظيم، وجد حنظلة صديقة جديدة – فتاة هندية تقف معه يداً بيد. أسمها “مادهوبالا”.

“أوريجيت سين”، واحد من أهم الفنانين والمصممين الهنديين. يعتبر كتابه “نهر من قصص” أول رواية هندية مصورة. من مؤسسي مجموعة باو لرسامي الكتب المصورة. يعمل استاذاً زائراً في جامعة جاو. قميص النمر المختفي الذي صممه “سين” يعرض الآن في معرض أقمشة الهند في متحف فيكتوريا وآلبرت في لندن. عرضت أعماله المتنوعة في العديد من البلدان منها: الهند، وروسيا، وانجلترا، وفرنسا.

 

المقال الأصلي: http://raiot.in/palestine-in-my-heart/