فلنترك الأوقات الجميلة تغمرنا"، عن فاطمة بدار"

٢٥ آذار ٢٠١٧

"ماذا كنتم تأملون عندما انتزعتم الكمَّامة التي كانت تسد هذه الأفواه السود؟ أن تنشد قصائد المديح بكم؟ هذه الرؤوس التي أحناها أباؤها بالقوة حتى الأرض، هل كنتم تظنون أنَّكم ستقرأون الإعجاب في عيونها، عندما ترتفع مجددًا؟"

***

في الوقت الذي كان فيه المستعمر الفرنسيّ يلقم الرصاص في أفواه من قرَّروا أن يخلعوا مسامير الاستعمار المدقوقة في لحم بلادهم قبل أن تصدأ، كان على الجزائريّ الذي يعيش في أحياء باريس المهمَّشة أن يكسر الجليد كل صباح ليغسل وجهه، لا مياه تجري في حنفياتهم، كان عليه أن يتناول وجبة يوميَّة سامة من المضايقات والملاحقات، لم تنكفئ أنياب كلاب الشرطة الفرنسيَّة أن تنهش في اللحم الحيّ، في ذلك الوقت جاء شارل ديغول بموريس ببابون وعيَّنه محافظاً لشرطة باريس، لقد قرَّروا أن يكسروا الرأس الجزائريّ.

أتى بابون بعناصر «الحركي»، كانوا يريدون أن يقولوا انظروا: جزائريون ويقتلون بعضهم. كانت عناصر «الحركي» تتسم بالعنف وبتنفيذ عمليَّات إعدام ضدَّ الجزائريّين. كان الصيف على الأبواب حينما بدأ الجزائريون يعثرون على جثث أبنائهم معلَّقة في غابات "السين" وغابات "بولوني".

حرب التصفية كانت قد بدأت، وعلى جبهة التحرير أن تفعل شيئاً. لم تتأخر كثيراً عمليات الاغتيال ضدَّ رجال الشرطة وعناصر «الحركي» المتورِّطين في إعدام الجزائريّين. موريس بابون وفي محاولة منه لكبح جماح أنشطة جبهة التحرير، أعلن في الخامس من تشرين الأول للعام 1961 حظر التجوُّل على كلِّ الجزائريّين من الساعة الثامنة والنصف مساءً إلى الساعة الخامسة والنصف صباحاً في باريس وضواحيها.

دعت جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّ كل الجزائريّين في باريس وضواحيها للخروج في مظاهرات يوم السابع عشر من تشرين الأول للعام 1961 تجوب شوارع وميادين باريس الرئيسة احتجاجاً على قرار حظر التجوُّل.

***

الساعة الثامنة من صباح السابع عشر من تشرين الأول للعام 1961، فاطمة بدار والتي لم تتجاوز السادسة عشرة، ترتدي زيَّها المدرسي، تقف أمام المرآة، توزع ضفائر شعرها بين جديلتين. تستقل الحافلة المتجهة نحو "سان دوني" حيث تدرس هناك في المعهد التجاريّ والصناعيّ. الحصص الدراسيَّة تمضي كأيِّ يوم عاديّ، لكنَّ فاطمة لم تكن عاديَّة يومها، ويشغل بالها خروجها بعد الدوام المدرسيّ للمشاركة في المظاهرة، وما قد يسببه ذلك من غضب لأهلها الذين رفضوا السماح لها بالذهاب للتظاهرة.

ثلاثون ألف جزائري نبتوا يومها في ميادين وشوارع باريس الرئيسة. على الجانب الآخر شرعت عناصر الشرطة الفرنسيَّة بالانتشار في كل مكان، بدأوا بتفريق المتظاهرين وضربهم بالهراوات على رؤوسهم، ومن ثم شرعوا بإطلاق النار عليهم. لتسقط جثث الشهداء في الشوارع. كانت مهمة مجموعات "سي آر إس" التابعة للشرطة أن تسحب الجثث الملقاة على الأسفلت وتكويمها فوق بعضها، جثث الجزائريّين كانت منظراً غير لائق في وسط الشارع.

تعقَّبوا المتظاهرين الذين تفرقوا في الشوارع الجانبية، وفي الردهات المظلمة، قتلوهم. أوقفوا عدداً كبيراً من المشاركين في التظاهرة، وبدأوا بسؤالهم فرداً فرداً إذا ما كانوا يحسنون السباحة أم لا، الجزائريّ الذي لا يحسن ألف باء السباحة يومها ألقوه مباشرة في النهر، والذي يحسن السباحة قيَّدوا يديه وألقوه. رجل يحاول الخروج من الماء، تسحق يديه مؤخرة بندقية شرطيّ فرنسيّ لتدفع به مرَّة أخرى إلى النهر. ليلتها كانت عشرات من جثث الجزائريين تطفو على الماء بين باريس و"رُوُون".

لم تكفِ سيارات الأمن والشرطة لوضع المعتقلين من المتظاهرين، فاستعانوا يومها بشركات النقل العموميّ، بلغ عدد الموقوفين في تلك الليلة إثنا عشر ألف جزائريّ. وضعوهم في قاعات الرياضة والجمباز، فلم تكفِ أماكن تجمُّع وحجز الموقوفين في مديريات الشرطة، فتحولت هذه المجمَّعات الرياضيَّة في الأيام التالية لقاعات تعذيب وتنكيل وساحة إعدامات.

***

في اليوم التالي كان والد فاطمة بدار يقف أمام مديريَّة الشرطة في "سان دوني" ليقدم بلاغاً باختفاء ابنته، وفور دخوله للمكان انهال عليه رجال الشرطة بالضرب والشتائم. مضت خمسة عشر يوماً وعائلة فاطمة كآلاف العائلات الجزائريَّة، لا تعرف شيئاً عن مصير أبنائها، كان انتظاراً مسمماً بالأمل.

***

ليلة الواحد والعشرين من تشرين الأول للعام 1961، افتتح "راي تشارلز" حفله الموسيقي والمقام على أرض قصر الرياضة بالعاصمة الفرنسيَّة، بأغنية «فلنترك الأوقات الجميلة تغمرنا»، وفي مكان غير بعيد عن قصر الرياضة كانت المئات من الحناجر المبلَّلة بالألم والغاصَّة بالغضب تلتصق ببعضها لتصدح هتافاً وأغاني ثوريَّة منقطَّة بالدم، شاقةً صوت "راي تشارلز" وكل الفرنسيّين الحاضرين ليلتها في قصر الرياضة. كانت سكين مقصلة الشرطة الفرنسيَّة تشحذ على رقابهم ليلتها، والثلاث ليالي التي سبقتها في قصر الرياضة قبل أن يتقرر نقلهم إلى مكان آخر مفسحين المجال لراي تشارلز أن يغمر الفرنسيين بالأوقات الجميلة، وبلا أي إزعاج من أحد.

***

في اليوم الأخير من شهر تشرين الأول للعام 1961 عثر أحد عمال قناة "سان دوني"، في المصبِّ الأخير للمياه الجارية للنهر، على جثَّة تعود لفتاة، كانت قدميها عالقتين بالقضبان المشبَّكة بالقرب من "توربينة" المصب، هذا كان حال من رُمي في النهر ليلة السابع عشر من تشرين الأول، كانوا مئتي غريق، قاوموا الغرق والمجزرة وحيدين وماتوا وحيدين. لا أحد يمكنه أن يجزم إن ماتوا غرقى من الماء أو من لعناتهم، لعناتهم واضحة، سيردِّدها النهر الذي يخاف من كل أولئك الذين لا يجيدون السباحة إلى الأبد.