في حديث خاص، قطامش: أوسلو ثانية لن تتكرّر، وأمريكا تردّ هزيمتها

٠٦ آذار ٢٠١٨

أجرى المقابلة باسل رزق الله

يكثر في الآونة الأخيرة الحديث عن عملية "تسوية" للقضيّة الفلسطينيّة ضمن مشروع إقليميّ تروّج له أمريكا ودول عربيّة، ووُصف ما يجري باسم "صفقة القرن" وسُلّط الضوء عليها بعد تولّي دونالد ترامب منصب الرئاسة الأمريكيّة. تتسارع الأحداث ما بين تسريب وثائق من السعودية حول "الصفقة" وصولًا لإعلان ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. في ضوءِ ذلك، أجرينا حوارًا مع دكتور العلوم السياسيّة والكاتب والأسير المحرّر أحمد قطامش.

كتب قطامش عن تجربته كأسيرٍ في أقبية التحقيق في "لن ألبس طربوشكم"، وروى تجربته في العمل الوطنيّ في كتاب "في التنظيم الثوري السريّ: الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين نموذجًا حزيران 1967- أوسلو 1993" ، وله العديد المؤلفات الأخرى.

ما هي العوامل والمتغيّرات التي أدت إلى إعادة عملية التسوية إلى الواجهة متمثّلة بما أُطلق عليه اسم "صفقة القرن"؟

صفقة القرن هي صفقة مبهمة إلى حدٍّ ما- باستثناء تسريبات إعلاميّة عنها- واليوم هناك متغيّرات تدفع باتجاه الاستراتيجيّة الأمريكيّة التي تبحث عن تسوية للقضية، أو دعينا نقول إدارة للأزمة، فالرهان على داعش وتمكّنها من السيطرة على سوريا فشل، وداعش انهارت والأمريكان استسلموا لهذه الحقيقة. كما كان هناك رهان على مسعود البارزاني في محاولة سلخ الإقليم الكردستانيّ، وبالتالي تحويله لمركز استقطاب للمسألة الكرديّة، فهناك ملايين الأكراد في إيران وتركيا والعراق وسوريا، ولولا دفن هذا المشروع وهو في المهد لاشتعلت حرب، دون أن يكون لها نهاية في الإقليم. المسألة الكرديّة هي قضيّة عادلة ولكن حلّها لا يكون بتحوّلها لمخلب قطّ في أيدي الأمريكان وتلّ أبيب.

بعد فشل الرهان على داعش وبارزاني، اتّجهت أمريكا للبحث عن خطّة أخرى، فالإقليم بالنسبة لها مهمّ بسبب وجود الكيان الصهيونيّ الذي يعتبر كنزاً لأمريكا، ووجود النفط والغاز، وهو سوق استهلاكيّة ضخمة. كما تنامى وتعاظم الدور الروسيّ في الإقليم، ومن غير الخفيّ أنّ هناك صراعاً استراتيجيّاً بين السياسة الأمريكيّة والروسيّة، والآن تتحوّل إيران إلى قوّة إقليمية وحضورها متنامٍ في جمهوريّات وسط آسيا، وأصبحت دولة وازنة عسكريّة، ولها تحالفات فاعلة في سوريا والعراق واليمن ولبنان والبحرين، واقتصادها غير مرتبط بأمريكا بقدر كبير.

سقط مشروع أمريكا لتقسيم المنطقة مذهبيًا، وهذا الفشل أنتج محورًا من سوريا وحزب الله وقوى أخرى وبدعم روسيّ وايرانيّ، محوراً قاتل داعش والإرهاب ويجتمع ضدّ الهيمنة الأمريكيّة. وهناك تغيّرات أكبر وهي دول البريكس التي تواجه صندوق النقد الدوليّ والسيطرة الاقتصادية اليابانية والأوروبية والأمريكية.

الصفقة إذاً هي استراتيجيّة أمريكيّة جديدة بعد فشل المشروع الأمريكيّ في الشرق الأوسط والتغيّرات العالميّة، وهي تتّجه للهجوم ردًا على الفشل، وهي ليست تكتيكًا سريعًا بل ستكون لها تجليّات.

رأس الحربة الآن هي السعوديّة التي تعتبر إيران عدوّها الاول، وهذا يرضي الأمريكان والإسرائيليين، ولذلك فالسعودية هي عرّاب "صفقة القرن". الصفقة في جوهرها صفقة إقليميّة تنتج تسوية ما، تجمع السعودية ودولة الاحتلال مع دول عربيّة برعاية وسيطرة من أمريكا ضدّ محور المقاومة وروسيا، وهذا الأمر من الصعب أن يمرّ دون تخدير القضية الفلسطينية. التفكير السعودي أصبحت لديه القضية الفلسطينية قضية ثانويّة، و"الصفقة" حسب التحليلات تبدأ إقليميّة ثم تذهب لمعالجة القضية الفلسطينّية، سواء كان ذلك بتصفية أو حلّ أو إدارة أزمة، ولكن النتيجة بكلّ الأحوال معادية للشعب والمقاومة الفلسطينيّة والحقوق الوطنيّة، لأنّها لن تشمل دولة مستقلّة ولا حقّ عودة وهي معادية للتحرير، وتقوم على الاعتراف بإسرائيل والتعاون معها.

العلاقة السعوديّة الأمريكيّة تمرّ ببعض التموّجات، لكنّ المملكة وكيل السياسة الأمريكيّة ونظامها تابع، والسبب يعود للتعامل الأمريكيّ مع الملف النووي الإيرانيّ، فكانت سياسة أوباما تقوم على احتواء إيران لا مجابهتها؛ أمّا ترامب وإسرائيل والسعودية فيرفضون هذا الاحتواء ويحاولون تطويق الدور الإيرانيّ.

إنّ المملكة تمتلك أوراق ضغط ولكنّها محدودة، فالأدوات التي تمتلكها السعودية هي نخب نافذة ولها حضور ولكنها لا تملك القدرة على إحداث خرق كبير، والكلمة ستبقى لرئيس السلطة الفلسطينيّة واللّجنة المركزية لفتح، فالقوى الأخرى كلّها تطالب بالتحرير والعودة وتقرير المصير ولكنّها تنتقد المفاوضات. عندما يكون هناك مشروع سياسيّ يتمّ تفعيل الأدوات التي تحمل ذلك المشروع، والتسوية لن تحصل على زخمٍ كبير إلا في حال تساوق قيادة السلطة معها.

ما هي ملامح "صفقة التسوية" القادمة؟

حتى الآن لا يوجد وثائق معلنة وفي اعتقادي لم تتبلور وثيقة حتى اللحظة، وبرأيي ما يجري هو جسّ نبض وبلورة أفكار أوليّة حول ما سيحصل، وهذا ما يتحرك على أساسه الوفد الأمريكي وهو مجموعة من الصهاينة وعلى رأسهم صهر ترامب "كوشنر".

أمّا الملمح الآخر فهو عدم وجود دولة فلسطينيّة مستقلة ولا على شبر واحد من الأرض، وحقّ العودة خارج كلّ إطار المفاوضات، وكونه لا يوجد حديث عن انسحاب الاحتلال فهذا يفتح بابًا لتخمينات حول مستقبل الضفّة الفلسطينيّة وغزّة. كما من أهداف الصفقة، تجريد محور المقاومة من القضية الفلسطينيّة وسحب ورقتها منه، بل واستخدامها لمواجهته.

ما يحصل ليس حلّاً وسطاً بل هو حلّ بالقوة. ومن جانبي أرجّح أن يكون التصوّر هو كونفدرالية فلسطينيّة إسرائيليّة أردنيّة، وهذه صيغة متخيّلة دون دولة فلسطينية ودون انسحاب وبقاء تمظهرات الاحتلال الاستيطانية والاقتصادية. لكن الأهمّ أنّ هذه الصفقة ليس من الضروري أن تمرّ، فاتفاقية أوسلو بعد 25 عامًا لم تصل لنهايتها لأنّ هناك إرادة فلسطينية ترفضها.

في حال حصلت "صفقة تسوية" ما هي إمكانيات النجاح والفشل؟

قراءتي أنّ الانخراط في هذه الصفقة محصور ببعض النخب فقط، هي نخب لها وزنها ولكنها ليست نافذة في داخل المجتمع، أي أنّها قد تكون مهمةً سياسيًا دون أثر على الناس، وفي حال رفضت قيادة السلطة الصفقة فلن يكون هناك أحد قادر على القبول بها. حتى الأردن دورها مؤجل، وقد لا تتحمس المملكة للصفقة خشية التعامل مع الأردن كوطن بديل، ومن المتوقع أن تولّد الصفقة تحركاً ميدانيّاً فلسطينيّاً مناهضاً لها.

وفي الواقع لا يوجد أي مبرّر لانصياع السلطة، فالدعم الماليّ الغربيّ للسلطة يتقهقر، فمن 2.3 مليار دولار عام 2013 أصبح أقلّ من 700 مليون عام 2016. النجاح يعتمد على وجود تربة تحتضن المشروع، وحتى إن وُجدَت تلك التربة، الحديث عن حجم من يحتضن المشروع، وهذا الحجم والانحيازات وعوامل النجاح والفشل ستكون واضحة أكثر عندما يصبح المشروع على الطاولة.

ما هي أبعاد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية للقدس من تل أبيب والاعتراف بها كعاصمة لإسرائيل؟

إنّ التحليلات التي تتحدّث عن رعونة ترامب وتهوّره أو أنّه أخطأ بالحسابات كلّها ليست بالأمر المهمّ. يعبّر القرار عن سياسة الإدارة اليمينيّة الحاكمة في الولايات المتّحدة، التي تمثّل المجتمع الصناعيّ العسكريّ واليمين الأنجليكاني الذي منح لترامب ملايين الأصوات، إضافةً إلى العنصر الصهيونيّ، فأكثر من نصف الصهاينة صوتوا لترامب خلافًا للتقليد الصهيونيّ الذي يصوّت غالباً لمرشّحي الحزب الديمقراطيّ. ناهيكم عن المساهمة اليهوديّة الفاعلة في تمويل حملة ترامب.

كلّ ذلك يعكس النفوذ الصهيونيّ في أمريكا والتناغم بين السياسة الأمريكيّة والسياسة الإسرائيليّة. هناك انزياح نحو اليمين في كلتا أمريكا ودولة الاحتلال، سواء في الخارطة السياسيّة أو في الشارع أو في المحكمة العليا وقوانينها والإعلام وسطوته على الثقافة العامة.

ولم يرِد قرار ترامب بالطبع سوى نتنياهو، فأمريكا تلقّت معارضة على قرارها حتى من أقرب المقرّبين إليها: أوروبا، ومن السّلطات العربيّة بما فيها الفلسطينيّة- بلهجةٍ متفاوتةِ القوّة.

صحيح أنّ قرار اعتبار القدس بشطريْها عاصمةً لدولةِ الاحتلال قد صدر عن الكونغرس الأمريكيّ منذ عام 1995، غير أنّ هذا القرار بقي غير نافذ، وما شجع عليه هو ما أصاب العرب من دمار في الأعوام الأخيرة، لكن أهم عامل محرّك لهذا القرار هو انتقال الرؤية الأمريكيّة لمرحلة الهجوم بعد هزيمتها في العراق وسوريا. إنّ القرار حلقة أولى في سليلة صفقة القرن، شأن إعادة النظر في اتفاقية 5+1 للملف النووي الإيراني.

رأت أمريكا بعد زيارة ترامب للرياض في أيار الماضي أنّ الطريق معبّد أمامها، نظراً للحفاوة التي استُقبل فيها ترامب بحضور 56 رئيس عربيّ وغير عربيّ، فجاء قرار السلخ النهائيّ للقدس الشرقيّة، بحيث تلحق بالقدس الغربيّة التي تبلغ مساحتها ثلاثة أضعاف القدس الشرقيّة.

وكان العرب والمفاوض الفلسطينيّ قد سكتوا عن القدس الغربيّة، وبالتالي اعتبارها عاصمة لإسرائيل. وهذا القرار معناه ضمّ 17% من مساحة الضفة الغربيّة، فالقدس الشرقيّة تم توسيعها من 3% حسب التقسيم الإداري الأردنيّ إلى 17% بعد احتلالها. كما يمكننا تصوّر أنّ هذا القرار يمهّد لترحيل أكثر من نصف أهالي القدس الشرقيّة.

سقط المسار التفاوضيّ وأوسلو وأوهام السلطة الفلسطينيّة ورهانها على الوسيط الأمريكيّ على امتداد ربع قرن، سقط كلّ ذلك وباتت السلطة أمام حقيقة واحدة ردّدها الشعب على امتداد السنين؛ أنّ اتفاقيّة أوسلو لا تُفضي إلى دولة، بل هي غطاء لتوسّع الاحتلال، وأنّ الرّهان على أمريكا خاسر.

لكن يُخيّل لي أنّ مواجهة هذا القرار ستفتح الطريق لنهوض وطنيّ فلسطينيّ وحراكٍ في الشارع العربيّ وعدّة عواصم في الإقليم والعالم، ولا أستبعد أن تتقاطع فصائل المقاومة بناءً على اقتراح حزب الله، وصولًا إلى السير خطوات باتجاه تجديد الثورة الفلسطينية التي شاخت في الكثير من مفاصلها وأركانها، وأن تتلاقى حركات شعبيّة عربيّة على قاعدة فلسطين، ففلسطين عنصر جامع لأصحاب المبادىء وأصحاب المصالح على حدٍ سواء.

ما هي سبل رفض الصفقة؟

هناك حاجة لتقديم موقف سياسيّ معنويّ، يرفض الصفقة والهزيمة ويسلّح الناس بموقف صلب، وتقديم خطاب سياسيّ جديد "ليس خطاب الدولة" بل خطاب الحل الجذريّ للصراع. العامل الأهمّ هو التحرّك الشعبيّ في فلسطين والعالم. مشروع التسوية ليس كلاماً معلّقاً بالهواء بل ستدور عجلة عمله، وهذا بحدّ ذاته قنبلة موقوتة ستشعل الأمور وحدها. كما أنّ الجديد أنّ جبهة الشمال لم تعد لحزب الله وحده، بل ولسوريا أيضًا، وفي حال التوجّه للحرب ستكون حرباً شاملة. يمرّ الإقليم بتغيّرات وهو غير مستقرّ، لكنّ المشروع الأمريكي لحد الآن مهزوم، ويحاول ردّ الهزيمة، ما ينعكس حتماً على فلسطين.