في ذكرى رحيل الحكيم: الدكتور جورج حبش

٢٥ كانون الثاني ٢٠١٦

(علينا أن نرقى إلى نماذج عيسى ومحمد وعمر وعلي) هكذا كتب في بداية الثمانينات. وفي نفس النص أنشأ (ينبغي قراءة آدم سميث وكينز وميلتون فريدمان، جنباً إلى جنب مع قراءة ماركس وسمير أمين والتجارب الاشتراكية…).

وفي مطلع السبعينات اطلق تصريحاً “لقد انتقلنا الى مواقع الماركسية- اللينينية) وعرّف نفسه لاحقا بالقول(انا ماركسي، يساري الثقافة. التراث الاسلامي اصيل في بنيتي الفكرية والنفسية. معني بالاسلام بقدر اي حركة سياسية اسلامية وثمة فارق بين اسلام السعودية واسلام المقاومة. كما ان القومية العربية مكون اصيل من مكوناتي. لقد نشأت القومية في تضاد مع الدين في اوروبا بخلافها في التاريخ العربي… انا في حال انسجام مع قوميتي العربية ومسيحيتي وثقافتي الاسلامية وماركسيتي التقدمية). وفي انطلاقه من الخصوصية قال (علينا الباس النظرية كوفية وعقال) و(الذي يريد ان يفهمنا عليه ان يفهم اننا نفكر).

وتجربته الشخصية في بدايات شبابه تركت بصماتها الدامغة (لقد هزني طرد الفلسطينيين. فتحت تهديد السلاح وباعقاب البنادق اقتلعونا، وقتل ابن جيراننا) قبل ان يقرأ مقولة لينين (الشعوب تتعلم من تجربتها الخاصة). وفي زمن مبكر أثناء فترة الاستخفاء وكان في السنة الخامسة من دراسة الطب في الجامعة الامريكية قال (ادركت ان الاغتيالات بعد النكبة لا تحرر فلسطين، وانما يجب اطلاق حركة سياسية، يجب بناء تنظيم حديدي يتولاه شباب شجعان ينذرون انفسهم للقضية… وبدأ تفكيري يتجه نحو الجماهير) و (كنت قد درست انا ووديع القرآن وقرأنا كتابات للينين وعن الثورة الفرنسية وعن الوحدة الايطالية والوحدة الالمانية ودار نقاش حول الاشتراكية… وكانت اولويتنا فلسطين).

وكرر مقولة كاسترو (اخلاقياتنا غير اخلاقيات راس المال)… ولا أخشى الموت، فالموت في سبيل الوطن والحرية حياة).

وبذلك كان في الخط الأمامي على الدوام، وأثناء حصار بيروت 1982 تدخلت أكثر من جهة لانتشاله من براثن الموت (عليك دور كبير) قال السفير السوفيتي. (انت عنوان خط سيرنا واملنا فلا ترحل عنا) قالت الراحلة ام العبد البرغوثي، فرد ممازحا (لو شاء الموت أن يأتيني لأتاني تحت زخات الرصاص وقذائف المدفعية، عندما امتنع الاهالي عن قبول تعويضا لهم على الجحش الذي دهسته سيارتنا)… ومنذ تلكم الحادثة، وكلما مر الحكيم ورفاقه تلك البراري لا يستطيع الافلات من وليمة فيها من الكرم ما يفوق امكانات اهل الكرم.

سوف اشرح واعلل هذه المقتطفات في سياق هذه العجالة، فهي مفتاح للامساك بقسط من نسيج شخصية الحكيم، البراكسيس الذي وحّد النظرية والممارسة في جدليتهما، الممارسة التي أنتجت نظرية، والنظرية التي أنتجت ممارسة فتوحدتا في ذات ثورية فاعلة.

في 28/1/2008 رحل الحكيم. وقد اعتذرت عن اجراء مقابلة فورية مع فضائية الجزيرة بعد ما رشح لها الخبر النازف. وما أن لملمت شتات نفسي هممت بكتابة (هل رحل الرجل الجليل الكرزماتي الذي كان يرى ابعد من السطح، ام رحل المشروع الذي يمثل؟) ومقالة أخرى في ذكرى الاربعين وثالثة… فلم يكن رحيله مجرد خبر وهو الذي جعلني اعيش حالة انخطاف على امتداد زمني الواعي، متماهياً مع احلام كبرى من الرأس الى الكعب.

“فأي عقل قد انطفأ وأي قلب توقف عن الخفقان “كان العبقري ونحن الموهوبون” انجلز في رثاء صديقه ماركس.

وصف الرئيس البوليفي موراليس، القائد التاريخي الكبير فيديل كاسترو “انه رجل حكيم” اما الدكتور جورج حبش فكان اسمه السري في حركة القوميين العرب “الحكيم” ومسيرته اسبغت عليه لقب “حكيم الثورة” تماشيا مع منظور لينين “ليس المهم ارتداء لقب الطليعة، بل ان تعترف الجماهير بذلك”. وكانت هافانا قد جمعت فيديل والحكيم عدة مرات الى درجة ان يفاجئ الرئيس الكوبي، الحكيم في زيارة بعد منتصف الليل في مكان اقامته دون حراسة وشكلانيات، تضفرهما اهداف مشتركة وقيم اخلاقية سامية.

ثوري حقيقي غير مثلوم النصل لثوري حقيقي غير مثلوم النصل، قائدان لا يحوزان من متاع الدنيا سوى ملابسهما، وهي على اية حال اكثر طراوة من ملابس تشي غيفارا التي لم تكن سوى لباس الخاكي واخر بديل معلق على مسمار. وكلهم ساروا على درب ماركس (اياكم والمساومة على المبادئ، اياكم والتنازل النظري) فغادر ماركس وغادر ابنه من قبله دون قدره على دفع تكاليف العلاج. وكاسترو ترجم مقولة ماركس “نغرق الجزيرة في البحر ولا نسلمها للرأسماليين.. علينا أن نبدع، علينا أن نكون ديالكتيكيين) اما الحكيم فأعلن “لا ينبغي ان ينتهك التاكتيك الستراتيجية، ولا أن تنتهك السياسة الأيديولوجيا) دون ان تخدشهما اغراءات الزمن ومؤامرات الزمن ومحاولات التصفية والاغتيال.

اما زيارة غوربا تشوف الاولى والاخيرة لكوبا فلم تثمر، الى ان قطع زيارته منزعجا، فلم يُطب له المقام، خلافا لزيارته لالمانيا الديموقراطية التي كانت ايذانا بانهيار نظامها الاشتراكي، اما اشتراكية كوبا فلم تتزعزع رغم الحصار الامبريالي واغلاق بوابة التبادل التجاري مع الاتحاد السوفييتي بمقدار 5 مليار دولار سنويا وتوقف النفط الروسي الذي انقطع عن كوبا بما جعل نظام هافانا يشتري ½ مليون دراجة هوائية من الصين.

وكاسترو قال “لنا تجربتنا وهذا خيارنا” اما الحكيم فكان تعليقه على البرويسترويكا الغوربا تشوفيه التي كانت عاملا من عوامل تدمير النظام وتفكيك سبيكة الدولة (الصراع وليس توازن المصالح هو قانون العلاقة مع الرأسمالية الامبريالية).

والحكيم وان كان يقود تنظيماً فلسطينيا محدوداً فهو “لا يرفع المظلة كلما أمطرت في موسكو” وكانت له ملاحظاته ونقاطه الخلافية مع السياسة السوفيتية سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

وهذا كان يلهمنا ويبث فينا الفخر، نحن الجيل الشبابي.

من هنا فهمت ما جاء في رأس مقالتي (ينبغي أن نرقى…) بالاندفاع لقراءة تاريخ العرب وتتبع العقائد الأمورية والاشورية والكلدانية منذ اربعة الاف سنة ويزيد في العراق ومن بعدها الكنعانية والفينقية في بلاد الشام وفلسطين، عرجا على الفرعونية والتوراة والانجيل والقرآن وصولا الى العهد العربي الى عام النكبة 48 والتطهير العرقي والمسيرة التحررية الفلسطينية.

واستنتجت ان نصيحة الحكيم لم تكن صدفة، فمن أرض فلسطين انبثقت المسيحية بإيمانها وتسامحها كدعوة اخلاقية لا تسعى ان تكون دولة سياسية كما فعل الرومان في عهد قسطنطين وما نتج عن ذلك، ومن ارض شبه الجزيرة العربية انبثقت الدعوة الاسلامية التي انتشرت وكانت حاملاً ومحمولا للقومية العربية فأنشات دولة في عهد عمر بن الخطاب تجاوزا للقبائلية المتناحرة بما تمايز به من عدالة احدى تمظهراتها “العهدة العمرية” في القدس، اما علي فهو مجتهد كبير وفارس جسور وقد ذهب وولديه وعشرات من عائلته متمسكا بنقاوة انحيازه لفقراء عصره… وعندما قرأت كتاب خالد محمد خالد (أهل البيت) بهرتني شخصية علي اكثر وهزني حتى النخاع ظلم التاريخ، ولكنني تفاخرت ايضا بما قرأت عن “ابو ذر الغفاري” الذي رفض ان يكون واليا وغادر دون ان يترك سوى “جحشته”. ففي تاريخنا تقشف غيفارا ايضا…وهذا ترك بصماته.

والحكيم عندما اعلن عام 78 (ان لسياسة كامب ديفيد جذوراً اقتصادية) قلت ان وضعنا الفلسطيني مغاير وكلنا في المعركة الوطنية سواء ونكابد معاً في سجون الاحتلال. وكان على امثالي ان يتعمقوا اكثر في درس الحقبة النفطية واسقاطاتها على المجتمعات العربية سيما على النخب النافذة.

وجاءت حرب 82 وحصار بيروت والقتال الاسطوري للمقاومة والذي وثقه لاحقا اللواء عز الدين في (العسكرية الفلسطينية)، وما صاحب ذلك من وحدة قتالية ولوجستية واجتراح بطولات جماعية، وانقسمت فتح ونشب اقتتال مرير تلاها حرب المخيمات المدمرة “والوحدة الميدانية”…

وجيلي الذي تربى على شعارات الوحدة الوطنية يرتبك أشد ارتباك، ويكاد لا يقتنع بمسوغات اية نزعات معاكسة. اذ كنا مشبعين بالرومانسية الفلسطينية واللغة الافلاطونية عن “المدينة الفاضلة” وشدتنا تجربة الفيتكونغ في فيتنام وما كتبه ديمتروف عن الجبهة الوطنية ضد الفاشية.

غير ان “مشروع ريغن” وكذا “مشروع فهد” وما نشأ حولهما من خلافات دقت ناقوس الخطر الى ان اتاحت الفرصة لي الاطلاع على الاستخلاص الذي توصل اليه الحكيم (ان اهدافنا الوطنية غير قابلة للانتصار بقيادة اليمين البرجوزاي) والذي صاغه لاحقا في خطاب لاتحاد الصحفيين الفلسطينيين في 1/1984 بالقول (لقد تصدرت البرجوازية الكفاح المسلح وكانت صادقة… لكن امام صعوبات المسيرة بدأت بالتراجع البرنامجي، مرحلة بعد مرحلة،… ان العناصر المتنفذة توصلت لقناعة: لقد بذلنا كل شيء ولنأخذ ما يمكن أخذه… ان لديها استعدادات حقيقية للتعاطي مع الحلول الامريكية في الوقت المناسب) وفي مكان اخر استخرج (ان هؤلاء تركيبة معقدة ولا ينبغي التسرع في القول انهم ذهبوا في طريق الارتداد).

وجاء زمن الانتفاض الشعبي في اواخر 87 الذي استمر خمسة اعوام ونيف، وتوحدت الارادة الفلسطينية في صنع انتفاض شعبي حقيقي، كمبادرة هجومية تاريخية، واحرزت ما احرزت من نجاحات ودفعت ما دفعت من استحقاقات واثمان، وكانت قفزة نوعية في الوطن فدخلت مفردة “انتفاضة” في كل اللغات الى ان حل مسار مدريد – اوسلو والذي اصبح مرحلة لها تراكيبها والتزاماتها ونخبها… واقتتال غزة وانقسام السلطة الى سلطتين والكيان الى كيانين.

كان ابو عمار والحكيم يختلفان، ولكنهما بمسؤولية يتقنان مهارة اعادة توحيد الساحة، اما اليوم فالاتهامية التي تصل حد التخوين والشعاراتية التي تبث الكراهية هي الصوت الاعلى الذي يعطل امكانية الوصول لقواسم مشتركة مشحونة بعقل نمطي لم يعد صالحا اليوم.

“اقرأوا هيجل قبل ماركس” كتب والمنطق الارسطوري سبق المنطق الديالكتيكي. (وما فعلناه اننا اقعدنا الديالكتيك على قدميه بعد ان كان على راسه) انجلز. و(النظرية مرشد للعمل وليست عقيدة جامدة) لينين. ورحنا نقرأ ارسطو ومنطقة الميكانيكي الذي كان قفزه في التفكير الانساني، ولم يعد تفسير الظواهر والاحداث طلاسماً. وبعد ألفي عام اكتشف هيجل قوانين الديالكتيك، وماركس كشف حضورها في الحركة التاريخية واكتشف تعاقب التشكيلات الاقتصادية- الاجتماعية والتناقضات التي تفضي للثورة الاشتراكية، ولينين حلّل المرحلة الامبريالية واثبت كفاءة عالية في بناء حزب ثوري قادر وظافر اطاح بالنظام ودشن بداية مرحلة تاريخية جديدة في بلاد مساحتها سدس الكرة الأرضية، رافعاً شعار (يا عمال العالم وشعوبه المضطهدة اتحدي)… وروزا ركزت على الديموقراطية وغرامشي على دور الثقافة والهيمنة والمجتمع المدني. ونشبت أزمة اقتصادية رأسمالية (الركود العظيم) في اواخر العشرينات وبعدها ظهرت الكينزية والحرب العالمية الثانية وموجة التحرر الوطني والثورتين الهندية والصينية في اواخر الاربعينات تلتهما الفيتنامية وحرب الشعب والكوبية ونظرية البؤرة وحرب العصابات، واضافات د. سمير امين عن “التراكم البدائي” وثنائية “مركز ومحيط”.

كانت كلمات الحكيم محفزاً لإلتهام المزيد من الدراسات والمؤلفات، وصولا الى الامساك المنهجي بقانون الوعي الاجتماعي المرتبط بالوجود الاجتماعي وتوافق البنية الفوقية مع البنية التحتية والتوافق بين علاقات الانتاج والقوى المنتجة بما ازال الكثير من الاستغلاق، والسذاجة في فهم الأشياء والظاهر.

والحكيم لم يكتفِ باستهلاك المعرفة وما تتطلبه الممارسة من فكر وعلم، بل وله اسهاماته النظرية ايضاً، سيما ما يتعلق بالمسالة القومية، ليس كمنظر فقط وانما كمؤسس لحركة سياسية قومية قادت النضال لتحرير اليمن الجنوبي من المستعمر البريطاني وكان لها صولات وجولات في عمان، ودور في سوريا، وغير قطر عربي، وشريكا في المسيرة الوطنية الفلسطينية، في محاولة لاكساب المسيرة بعداً طبقيا وفكريا يتجاوز المجتمع التقليدي البطريركي ويربط الوطني بالقومي بالأممي.

وقد انتقد باتساق “نظرية التطور اللارأسمالي” السوفيتية وكانت له ملاحظاته على البقرطة واحلال الحزب محل الطبقة والجماهير، واعجبته مقولات غرامشي عن “الكتلة التاريخية” (والمثقف العضوي) “والمجتمع المدني” كما مقولة لينين عن (االثبات على المبدأ كعامل لتغيير ميزان القوى” وذكر قصة صن يأت صن (ابو الصين الحديثة) عندما عاد من حملته الفاشلة الثانية عشر في ثورة 1912 مثخناً بالجراح مهزوما هو وجيشه قائلا لمساعده “لا بأس أنها مجرد الحملة الثانية عشر) ولكنه في الحملة التالية اجتاح مدينة كانتون. هذا درس كبير لنا.

اما اسهامه الذي لا ينبغي اغفاله، فهو، مثابرته دون كلل في زرع قيم الديموقراطية من حق تفكير ومواطنة متساوية دون تمييز ديني او جنسوي وتعددية وحق الاختلاف والتنظيم وانحيازه الصريح للطبقات الشعبية وهو المنحدر من عائلة ميسورة وتعليم اكاديمي في الجامعة الامريكية…

وهذه المفردات لم تكن واضحة في الفكر السياسي العربي في حقبة الخمسينات من القرن الماضي، بل ورفض حل حركة القوميين العرب بعد ان صعد نجم عبد الناصر قائلا “عبد الناصر الدولة يحمل القومية العربية اما نحن فحركة شعبية”.

لقد تميز الحكيم بثقافة واسعة، فهو سياسي مثقف وتربطه وشائج واسعة مع المثقفين العرب، وخطيب مفوّه، تنزلق عباراته بوضوح تأسر مستمعيه على امتداد ساعات بما يذكرنا بخطابات فيديل كاسترو ولينين… اما الخاصية التي يشترك فيها مع هوتشي مين فهي شفافيته الاخلاقية، فهو يتمتع بأخلاقية شفيفة، وكأنه متصوف في معبد، حيث لا تجتمع السياسة والاخلاق الا لدى حالات نادرة بما يعرف عن السياسيين من تلاعبات وكذب.

ولسنا هنا بصدد الاشارة لاخلاقيات التفاني لاقصى الحدود والجمعية التي تأبى الانانية والحسابات الذاتية والصدق الذي لا يعرف المراوغة وقوة المثال التي تشحن وتوّلد الآمال على قاعدة (اتبعوني لا تقدموا) متجاوزا غيره في طاقته الانتاجية وصفاء بصيرته كاستراتيجي، في مسيرة طويلة محاطة بالاعداء من كل جانب لا تتوقف فيها مؤامرات الذبح السياسي والعسكري وتخفيف الموارد، حتى من بعض الرفقاء، (عندما أعود بذاكرتي للوراء الحظ الاستنزاف الذي سببه بعض الرفاق).

ومعروف عن الحكيم نظافة اللسان والقلب، والابتعاد عن المشهدية وحب الظهور، فهو يتفادى الجلوس على رأس الطاولة في الاجتماعات الوطنية، ويتحدث بعد غيره في الاجتماعات المركزية، ولكن رأيه ينفذ أكثر من سواه، وكما لينين يعرب عن رأيه في اللحظة المناسبة بعيداً عن الجعجات الاكاديمية التي تحرث الهواء، وعلى الدوام يتدفق لطاقة وقوة وتواضع مرهف دون ان تعرف هّمته الفتور في اقسى الظروف والمحطات. ولم يغمض عينه عن مصر (علينا ان نحافظ على الاشتباك اما التحرير فلا يتم دون مصر والعمق العربي).

ومذ كان لقاؤه بعبد الناصر فصليا عام 63 وانقطاع علاقته بالنظام في عهد السادات وتحليلاته لكامب ديفيد 78 (لاعادة تشكيل المنطقة سياسا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا) بقي يردد (تابعوا ما يدور في مصر فهي مفتاح رسم المستقبل العربي).

وكل من يجالس الحكيم يلمس قلق الفيلسوف لديه، فهو يستولد أسئلة جديدة باستمرار، ومن خلال حواره مع الواقع ومحاورته مع الآخرين يبني اجابته. فالاجابات ليست جاهزة لديه ومصدرها ليس الكتب. وبلغة باولو فريري (الثورة عملية حوارية) متحرراً من الأوامرية العجفاء كما ويتمتع بخاصية الاصغاء. وعلى رأي شاعرنا الراحل الكبير درويش (كنا نذهب للاستماع اليه فيستمع الينا)، دقيق المواعيد ويؤمن ما يلزم من وقت للمناسبات الاجتماعية (منذ يومين ذهبت مع ام جهاد زوجة الشهيد الكبير لزيارة ضريحه، وفي الايام الاخيرة استقبلت عائلة شقيقتي وفي الامس غادرت اخر اجتماع مع بزوغ الفجر. اما زيارتنا الأخيرة لكوبا فهي اكثر من رائعة. هناك لم تنفك الدولة ثورة والثورة دولة… ولا تتصور مقدار حبي لعائلتي… وهذا حفيدي المعجب بنصر الله أكثر مني…)

وأخيراً لا أحد يجادل في كاريزما الحكيم التي تزداد تألقاً بتواضعه الجم ورقة طباعه الممزوحة بفولاذية مواقفه…

تتحد حميميته الأبوية بروح قتالية شبابية غير هيابة ولا تعرف الوهن.

انها معادلة كيميائية ينظمها منطق لا يحضر الا في شخصه.

لن ننساك، فأنت باقٍ في قلوب محبيك وصفحات التاريخ.