في نقض مفهوم التخلف

٠١ تموز ٢٠١٦

لنرجع قليلاً إلى بحث الدكتور مصطفى محمود. يقول أنَّ للتخلف أسبابه التاريخيَّة، وهو محق في قوله هذا، مخطئ – في رأينا – في تحديد هذه الأسباب. وأساس الخطأ يكمن – كما سبق القول – في تلك النظرة الهيجلية لحركة التاريخ التي تذوب فيها تقطعات التاريخ وقفزاته البنيوية في حركة من تماثل الذات بالذات في تنافيها وتواصلها. ولقد قلنا في مطلع هذا البحث أنَّ القفزات البنيوية للتاريخ، من حيث هو تاريخ البنية الاجتماعية، ترسمها في أساسها، أي في قاعدتها المادية، حركة أنماط الإنتاج. لذا، من الضروري البدء، في تحليل الواقع العربي الحاضر، بتحديد نمط الإنتاج المسيطرة فيه، أي بتحديد بنية علاقات الإنتاج الخاصة ببنية هذا الواقع الحاضر. فكلمة “التخلف” ليست مفهوماً علمياً، ولا يمكن على الإطلاق أن نحدد بها السمة الخاصة ببنية هذا الواقع. فالقول، مثلاً، أنَّ المجتمع العربي “متخلف”، لا يعني من العلم شيئاً، مع أنَّ المؤتمرين جميعهم بلا أي استثناء اتفقوا على هذا القول وعدُّوه تحديداً علمياً لواقع اجتماعي كلما قاربوه فرَّ من بين كلمات قد تكون مفاهيم وصفيَّة، لكنها ليست مفاهيم علمية. ربما يكون “التخلف” في أحسن حالاته، وصفاً أولياً لواقع معين هو، مثلاً، واقع القوى المنتجة في العالم العربي، بالنسبة لواقع القوى المنتجة في البلدان الإمبريالية. لكنَّه، في أي حال، ليس طابعاً خاصاً ببنية اجتماعية معينة، فالطابع الخاص بهذه البنية هو الذي يحدده نمط الإنتاج المسيطر فيها، كقولنا مثلاً الطالبع الرأسمالي أو الإقطاعي أو الإشتراكي الخاص بهذه البنية أو تلك. و”التخلف” – على حد علمنا – ليس نمطاً من الإنتاج أو بنية لعلاقات إنتاج، إنما هو مفهوم أيديولوجي برجوازي له دور محدد بضرورة إخفاء علاقة السيطرة الإمبريالية، أو علاقة التبعية البنيوية للإمبريالية، ونقل الصراع الرئيسي من صراع طبقي ضد الإمبريالية إلى صراع غير طبقي هو في أحسن حالاته مباراة رياضية بين “عالم التقدم وعالم التخلّف”، هدفها لحاق هذا بذاك. “عالم التخلف” معروف: إنه ما يسمى أيضاً “بالعالم الثالث”، الذي نحنُ منه. أمّا ” عالم التقدم”، أو “عالم العصر”، فهو ذلك العالم الذي حدده لنا الدكتور محمود بأنه “عالم تقني بتنامي”. ولئن أردتم أن تعرفوا إلى أي العالمين ينتمي المعسكر الإشتراكي، فاعلموا أنّ منه – حسب منطق هذا التقسيم – ما ينتمي إلى “عالم التقدم”، ومنه ما ينتمي إلى العالم الآخر، ومنه ما هو بين بين.

بهذه العملية من التحويل الثوري تقطع البنية الاجتماعية، في تكوّنها الجديد، مع شكلها الطبقي السابق الذي تم تحويله، أي هدمه، وتنطلق حينئذ في حركتها التاريخيَّة، من أساس جديد، بمعنى أن تحركها قائم على أساس آخر، أو قل على قاعدة ماديَّة أخرى هي بنية مختلفة من علاقات الإنتاج.


إنَّ مفهوم ” التخلف ” يستند في أساسه النظري إلى منطق ضمني من التقسيم هو منطق كمي يأخذ القوى المنتجة مقياساً له، بمعنى أن تقسيم العالم يقاس على تطور القوى المنتجة. وهو يفترض أيضاً أن تطور هذه القوى ليس محدداً إلَّا بذاته. أي أن حركته ليس لها حد، فهي تسير في خط واحد مستمر هو خط صاعد دوماً. في ضوء هذا المنطق وحده يمكن التكلم على تقدم أو تخلف. لكن هذا المنطق، هو منطق طبقي، وهو منطق الأيديولوجيَّة البرجوازية بالذات. فالبرجوازية هي التي تنظر إلى الحركة في تطور القوى المنتجة على أنها حركة تقدم مستمر لا يحدها عائق ولا تحددها بنية. ولقد وجدت النظرة الطبقية هذه تعبيرها الأيديولوجي في الوضعية التي أسسها أوغست كونت. وليس غريباً عن منطق الوضعية منطق تلك الحركة الهيجلية التي تذوب فيها القفزات البنيوية الفعلية لصيرورة البنية الاجتماعية بلعبة ذهنية مثالية –هي لعبة التنافي– تحافظ فيها البنية على ذاتها بنفيها لذاتها وانتقالها إلى صورة جديدة منها، كانت فيها أصلاً قبل أن تصير إليها، فتظهر حينئذ حركة البنية كأنها حركة استمرار لها بنفي هو منها حمل لها وحفاظ عليها. هنا بالضبط، في لعبة التنافي هذه، تذوب القفزات أو الفجاءات البنيوية في الحركة التاريخيَّة للبنية الإجتماعية، لأنَّ القفزات هذه ليست، في حقيقتها الاجتماعية الفعلية، نفياً أو تنافياً في إطار وحدة الاستمرار والتماثل، بل هي تحويل ثوري للبنية الاجتماعية بحركة فيها ليست حركة الذات بل حركة الصراعات الطبقية. بهذه العملية من التحويل الثوري تقطع البنية الاجتماعية، في تكوّنها الجديد، مع شكلها الطبقي السابق الذي تم تحويله، أي هدمه، وتنطلق حينئذ في حركتها التاريخيَّة، من أساس جديد، بمعنى أن تحركها قائم على أساس آخر، أو قل على قاعدة ماديَّة أخرى هي بنية مختلفة من علاقات الإنتاج. وهذا التحرك يجري في إطار هذه البنية ويتحدد بها.


إنَّ النظرة البرجوازية لا تأخذ القوى المنتجة في علاقتها ببنية علاقات الإنتاج مقياساً للتقدم، بل تأخذها في انفلاتها من هذه البنية التي تحددها وتحدُّها، فتجعل، بهذا، من طموحها الطبقي إلى تأبد سيطرتها، مقياساً للتقدم نفسه، لأن وضع القوى المنتجة في علاقتها الفعلية ببنية علاقات الإنتاج يكشف الآلية الاجتماعية لتطور تلك القوى، في وصولها، في شروط تاريخية محددة، إلى أزمة تطورها، بكشفه السبب البنيوي لهذه الأزمة، والذي هو بنية علاقات الإنتاج نفسها. فحين تصير بنية العلاقات هذه عائقاً لتطور القوى المنتجة، تدخل البنية الاجتماعية في مرحلة تاريخية ثورية تظهر فيها ضرورة تحويل بنية علاقات الإنتاج كشرط أساسي لتحرير تطور القوى المنتجة. هذه الصورة التاريخيَّة هي التي تختفي في تلك النظرة البرجوازية، وهنا يكمن الدور التضليلي لأيديولوجية هذه الطبقة المسيطرة. فبغض النظر إذن عن صفاء النية عند المؤتمرين، فإنَّ تحليلاتهم للواقع العربي الحاضر، في اعتمادها مفهوم “التخلف” أو “التقدم” أداة لها، هي تحليلات لهذا الواقع من زاوية نظر البرجوازيات العربية المسيطرة. لا شك في أن الكثيرين من هؤلاء المفكرين العرب يقفون، في سلوكهم السياسي أو في فكرهم، من هذه البرجوازيات ومن سلطتها الطبقية موقف النقد، بل موقف الرفض. إنَّما، في حقل النشاط العلمي، كل نقد للطبقة المسيطرة ينطلق من الموقع الأيديولوجي لهذه الطبقة، هو نقد باطل، إذ ليس بمفاهيم الأيديولوجية البرجوازية يكون نقد الأيديولوجية البرجوازية، بل بمفاهيم علمية، أنتجتها، وما تزال تنتجها، ممارسة نقض هذه الأيديولوجية، من موقع الطبقة الثورية النقيض، أي من موقع الطبقة العاملة.

مهدي عامل / أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية.
1985، الفارابي.
ص 51 – 55.
في نقض مفهوم “التخلَّف”: لَيس تطور القوى المنتجة منفلتاً من بنية علاقات الإنتاج التي تحدده.