قادة ثوريّون شباب اغتالهم الاستعمار في أفريقيا

٠٣ شباط ٢٠١٨

ترجمة: هند بطة

نتذكر  اليوم ناشطين وقادة سياسيّين أفارقة كانوا أعداءً للخوف، وثوريّين وعلى درجة عالية من الذكاء. كانوا قادة اغتيلوا في سبيل حصول بلدانهم على الاستقلال. بدءاً من الاضطرابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي قادت لاغتيال باتريس لومومبا، وصولاً لروح العدالة في بوركينا فاسو، والتي يقول الكثيرون أنَّ روح سانكارا تحوم فوقها، فإنّ معظم القوى الاستعماريَّة كانت المسؤولة عن هذه الاغتيالات. نُعرِّج ونفكر معًا في هذا المقال في قصص هؤلاء القادة الثوريّين الشباب الأفارقة الذين قضوا نحبهم في سبيل قضيتهم: أنْ يروا أفريقيا حرّة محرّرة من كلّ القيود.

توم مبويا   Tom Mboya 

توماس جوزيف أدهيامبو مبويا، سبق وشغل منصب وزير العدل والشؤون الدستوريّة، وهو نقابيّ وقوميّ أفريقيّ وواحد من الآباء المؤسسين لكينيا، عمل كمفتش صحيّ لمجلس مدينة نيروبي، وقد واجه أثناء عمله ممارسات عنصرية عدّة مرّات. يَذكر في كتابه الحرية وما بعد "Freedom and after":

"طرحوني الأوروبيون عدة مرات خارج مباني - كنت قد كُلّفت بتفتيشها- إذ كانوا يصرّون على أنّهم يريدون أوروبيّ، وليس أفريقي، للقيام بهذه المهمة. وكان على مجلس المدينة حينها أن يحاكم  عدداً منهم لعرقلة عمل المفتشين الأفارقة أثناء أداء واجبهم". عندما بلغ 28 عاماً، أُنتخب مبويا رئيساً لمؤتمر الشعب الأفريقيّ الذي عقده كوامي نكروما " Kwame Nkrumah".

لعب مبويا دوراً مفصلياً في تأسيس اتحاد التجارة في كينيا وتنزانيا و أوغندا، كما أنه ساعد في خلق رافعة ونظام دعم للطلبة  وساعد العديد من منهم على السفر للدراسة في الولايات المتّحدة. بوُصفه واسع الثقافة ومتّقد الذهن، صمم مبويا عَلَمَ كينيا، ونظّم قواعد ومنصات مختلفة لنقابات العمّال في جميع أنحاء القارّة. وأثناء شغله لمنصب وزير التخطيط الاقتصاديّ والتنمية، اغتيل مبويا في الخامس من تموز عام 1969.

أميلكار كابرال  Amilcar Cabral

أميلكار لوبيس دا كوستا كابرال، يعتبر واحداً من أعظم الثوريّين والمعارضين للاستعمار في القارة الأفريقيّة. ولد فى غينيا بيساو، من والدين يعود أصلهما لدولة الرأس الاخضر. قاد كابرال حرب عصابات ضد الحكومة الاستعماريّة البرتغاليّة. وبدعم من كوامي نكروما أقام معسكرات تدريب في غانا، وكمهندس زراعيّ، نقل خبرته لعساكره لتعليم المزارعين المحليّين تقنيات زراعيّة أفضل من أجل زيادة إنتاجية الغذاء لسدّ حاجات الأعداد المتزايدة من السكان والعساكر.

قال كابرال في إحدى خطاباته:" دائماً ضعوا في اعتباركم أنَّ الناس لا يقاتلون من أجل أفكار، أو أمور في رأس أيّ شخص. هم يقاتلون في سبيل الحصول على فوائد ماديَّة، للعيش بشكل أفضل وبسلام، ليروا تحسّناً في حيواتهم، ولضمان مستقبل أبنائهم".

وعلى الرغم من أنَّه لم يكن ماركسيّاً، إلا أنَّه تأثّر بشدة بالأيديولوجيات الماركسيّة. وقد أسس الحزب البرتغاليّ من أجل استقلال غينيا والرأس الأخضر في عام 1956، ولكنه شنّ أول هجوم عسكريّ له في عام 1963، مطالباً بأراضي من البرتغاليّين وحاظياً على دعم الجماهير.

وقال فيدل كاسترو إنَّه "أحد أكثر القادة ألمعيَّةً وذكاءً في إفريقيا، فلقد غرس فينا ثقة هائلة في المستقبل وفي نجاح كفاحه في سبيل التحرر".

باتريك شابال، أستاذ الدراسات الناطقة بالبرتغاليّة، ذكر في كتابه "أميلكار كابرال: القيادة الثورية والحرب الشعبية": "في أقل من عشرين عاماً من الحياة السياسيّة النشطة، قاد كابرال القوميّين في غينيا - بيساو إلى النجاح السياسيّ والعسكريّ الأكثر اكتمالاً على الإطلاق من بين إنجازات الحركة السياسيَّة الإفريقيَّة ضدّ سلطة استعماريَّة.

تُوفي في عام 1973، أي قبل شهور من استقلال غينيا - بيساو، حينها كان قد امتد نفوذه إلى ما هو أبعد من العالم الناطق بالبرتغاليَّة وإفريقيا. أعجب الأصدقاء والأعداء - على حد سواء-  بفطنته ومهاراته السياسيَّة ورأوا فيه زعيماً محتملاً لحركة عدم الانحياز. وقد كشفت كتاباته عن محللٍ متطور  ومتمرسٍ للعوامل الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة التي أثّرت وما زالت تؤثر على العالم النامي".

في 20 يناير 1973 اغتيل أميلكار كابرال. اقتباسه الشهير "لا تروي الأكاذيب، لا تطلب انتصارات سهلة، اروِ الحكاية للشعب كما هي"، وكثيراً ما كرر قادة اتحاد الطلاب هذا الاقتباس.

باتريس لومومبا Patrice Lumumba

وَصَف لودو دي ويت Luddo De Witte اغتيال باتريس لومومبا بأنه: "الاغتيال الأكثر أهمية في القرن العشرين". ووفقاً لمقال نُشر في صحيفة "الغارديان": "في الكونغو، اعتُبِر اغتيال لومومبا الخطيئة الأصليَّة للبلاد، و بعد مرور سبعة شهور على استقلال البلاد (30 يونيو 1960) شَكَّل هذا الاغتيال حجر عثرة أمام أهداف الوحدة الوطنيَّة، والاستقلال الاقتصاديّ، والتضامن الإفريقيّ، الذي أمضى لومومبا حياته في الدفاع عنها، كما كانت ضربة مُحطِّمة لآمال الملايين من الكونغوليّين في الحرية والازدهار المالي".

اغتيل لومومبا في وقت كانت فيه البلاد تقع تحت سيطرة أربع حكومات منفصلة: الحكومة المركزية في كينشاسا (ثم ليوبولدفيل). وحكومة مركزية مُنافِسة يقودها أتباع لومومبا في كيسانغاني (ثم ستانليفيل)؛ والأنظمة الانفصالية في مقاطعة كاتانغا الغنية بالمعادن، ومقاطعة جنوب كاساي. وبما أنَّ القضاء الفعليّ على لومومبا أزال ما يعتبره الغرب تهديداً رئيسياً لمصالحها في الكونغو، فقد بُذِلت العديد من الجهود على المستوى الدوليّ لاستعادة سلطة النظام المعتدل والمؤيد للغرب في كينشاسا على كامل البلاد. وأسفر ذلك عن إنهاء نظام لومومبا في كيسانغاني في أغسطس 1961، وانفصال جنوب كاساي في سبتمبر 1962، وانفصال كاتانغا في يناير 1963.

باعتباره رجلاً ذكياً مقداماً لا يعرف الخوف، قيل أنَّ بلجيكا وأمريكا تورطتا في اغتياله بعد تورطه مع روسيا. وعندما سُئِل في مقابلة معه إن كان شيوعيا، أجاب: "قام المستعمرون بحملة ضدي على طول البلاد لأنني ثوري أطالب بإلغاء النظام الاستعماري، الذي أهمل وتجاهل كرامتنا الانسانية. يعتبروني شيوعيًا لأنني رفضت أن أكون مرتشيًا وخاضعًا للإمبرياليّين".

رُوي عن لومومبا أنَّه امتلك قدرة استثنائيَّة في الكشف السريع عن المؤامرات المحاكة من أعداء وحدة الكونغو. خطابه في يوم الاستقلال كان مضاداً للخطاب المتسامح المهادن الذي ألقاه الرئيس جوزيف كاسا-فوبو. خطاب لومومبا ألقى الضوء وفضح الأعمال الوحشية التي ارتكبتها بلجيكا. نقرأ جزءاً من الخطاب:

"على الرغم من أنَّ استقلال الكونغو قد أُعلن اليوم باتفاق مع بلجيكا، لن ينسى أيّ كونغوليّ إطلاقاً أنَّ هذا الاستقلال حُقِّقَ بالكفاح العنيد الذي خضناه وعايشناه يوماً بعد يوم، كفاحٌ خضناه غير خائفين من حبسٍ أو معاناة، ولم نبخل فيه لا بقوتنا ولا بدمنا. كان مليئاً بالدموع والنار  والدماء. نحن فخورون حقّاً بنضالنا، لأنّه نضالٌ عادلٌ وشريف، ولا بديل عنه لوضع حدٍّ للعبودية المهينة التي فُرضت علينا.

توماس سانكارا Thomas Sankara

بوركينا فاسو، أرضٌ للرجل العادل الذي تدين له باسمها توماس إيزيدور سانكارا، نقيب جيش ثوريّ، تولى الحكم من خلال انقلاب قاده عام 1983. اتخذ سانكارا خطوات جذرية لتغيير  رؤية البلاد واستشرافها، على صعيد السياسات الخارجيّة والمحليّة.

ضجّت سياساته الدوليّة بمواقفه المناهضة للإمبريالية، حيث اجتنب المساعدات الأجنبيَّة، وعمل على تأميم الأراضي والثروة المعدنية. على الجبهة المحليّة، قاد برامج لمحو الأمية على المستوى الوطنيّ، وعزَّز اللقاحات الصحية العامة ضدّ السحايا والحصبة والحمّى الصفراء، حظر تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، وعيَّن النساء في المناصب العليا في الحكومة. نموذجه كان إلهاماً للكثيرين. في 15 أكتوبر 1987، وعن عمرٍ يناهز 37، اغتيل من أعز أصدقائه بليز كومباوري Blaise Compaore. قبل أسبوع من وفاته كان له تصريح، قال فيه: "على الرغم من أنَّ الثوريّين كأفراد يمكن قتلهم، إلّا أنَّك لا تستطيع أن تقتل الأفكار".

ستيف بيكو Steve Biko

كان ستيفن بانتو بيكو واحداً من أعظم القادة الشباب في جنوب إفريقيا، ممن قاتلوا ضدَّ نظام الفصل العنصريّ هناك. في يوليو 1969، انتخب بيكو كأول رئيس لجمعية طلاب جنوب إفريقيا، وفي عام 1970 تم انتخابه رئيساً لمجلة جمعية طلاب جنوب إفريقيا، حيث بدأ بنشر مقالات تحت اسم مستعار "حديث فرانك" تحت عنوان "أكتب ما أحب "، الذي أصبح في نهاية المطاف كتاباً. ترك بيكو في وقت لاحق دراسة الطب لينخرط بشكل كامل في برامج المجتمع الأسود، الذي كان ذراعاً لحركة الوعي الأسود. تم حظر بيكو في عام 1973 ولكن ذلك لم يحدّ من تأثير حركة الوعي الأسود في المجال السياسيّ في جنوب إفريقيا.

في  27 أغسطس 1976، أثناء انتفاضة سويتو "Soweto"، تم اعتقال بيكو  ووُضع في الحبس الانفرادي لمدة 101 يوم. في عام 1977 اعتُقِل بيكو. تعرّض حينها للضرب المبرح مما سبَّب له نزيفاً في الدماغ. على الرغم من تدهور حالته استمرت الشرطة باحتجازه، وقادته عارياً على ظهر شاحنة لمدة 12 ساعة، ولمسافة 700 كم لبريتوريا. توفي بيكو في 12 سبتمبر 1977. دونالد وودز Donald Woods، صديقٌ مقرّب لستيف قال: "وفي السنوات الثلاث التي ازدادت خلالها معرفتي به، لم تتزحزح قناعتي أنَّ بيكو هو أهم قائد سياسيّ عرفته البلاد، وبكل بساطة هو أعظم رجلٍ كان لي شرف معرفته". توفي بيكو في الثلاثين من عمره.

المقال الأصلي: https://thisisafrica.me/young-african-revolutionary-leaders-assassinated/