قراءة في مفهوم "عودة الشهيد"

٣١ تموز ٢٠١٨

إلى أين يذهب الشهداء؟ سؤال يفتح على كمّ هائلٍ من الاحتمالية ليعود السائِل بلا جواب فمجهولية الجواب تخلق الرمز والأزمة في نفس الوقت ما بين رمزية المجرَّد المجهول وأزمة المشخَّص المنبوذ، رمزية المجرَّد القابل للأسطرة والتوظيف والمرحَب بها، وأزمة المشخَّص العبء الثقيل غير المرحَّب به.(١)

يعود الشهيد في أعمال محمد الماغوط المسرحية مرتين: فيعود الشهيد عبر مشخص الصوت عندما يهاتف ابنه من الجنة، ويعود أيضاً من الأسر(٢) بعد غيابه الطويل. يخلق المشخص العائد أزمته عندما تعري عودة الشهيد آليات إنتاج السلطة التي كانت تتقن توظيف الشهيد واستغلاله عبر ترميزه فيتحول الشهيد العائد إلى كابوس يعرّي حلم السلطة فعودة الشهيد هي فعل أخصائي لآليات ترميز الشهيد حيث تفترض مشروطيَّة الترميز غياب المشخّص وحضور المجرَّد عبر علاقة جدلية حميميّة لا انفكاك بينهما وعبر تتبّع العمل المسرحيّ للماغوط تبدأ الأزمة في عودة الشهيد من أكثر الناس حميميَّة للشهيد أي ابنه في مسرحية «كاسك يا وطن» وأخيه في مسرحية «شقائق النعمان» إذ يشكِّل العود الأول أزمة في خطاب ما بعد الاستقلال والذي تمأسس مع نشوء الدول العربية المستقله حديثًا حيث تعرّي بداهة أسئلة الشهيد أبجديات الخطابة التحرريَّة التي رفعت زمن الناصريَّة العربيَّة أو زمن الثورة الفلسطينية المتشكّلة والنظر لها طويلًا كفعل مغاير حيث يتهرّب الابن من أسئلة الشهيد عبر آلية الوعي المقلوب واللجوء إلى السخرية السوداء لتسكين الوعي والقدرة على الاستمراريَّة إلا أن هشاشة هذا الوعي تتفكَّك أمام حضور صوت الشهيد وتتأزم به حيث تكون حالة الأزمة بشكل مزدوج لكل من الابن والشهيد حيث لا يتقن الشهيد هنا العودة ولايتقن الابن الاستقبال والترحاب. 

أما العودة الثانية فتكون من الأسر بعد طول غياب في مرحلة ما قبل الاستقلال حيث يعود الشهيد من أسره في مرحلة «البناء» وهنا تتناقض العودة مع خطاب البناء والذي مرَّ بتحولات ما قبل الاستقلال وما بعد الاستقلال فالعودة هنا تمثل التصادم بشكل مباشر مع الأخ الذي استثمر في دم أخيه عبر توظيف هذا الدم في تحقيق مصالحه أي مصالح «البناء» حيث تنحرف البوصلة من مشروع تحرّري كان يُقصد به الخلاص والتحرّر إلى مشروع سلطوي يكرِّس نفسه عبر آليات بناء المؤسَّسات وتكريس الدولة وتحقيق المكاسب والمصالح الذاتية وتشكل عودة المشخص التناقض التام مع مأسسة الشهيد عبر توظيفه واستغلاله حيث يرحب بالشهيد الصفقة ويتنكَّر للشهيد كفعل تحريضي.

نستنتج مما سبق أن ترميز الشهيد هو فعل سلطوي يقصد به تصنيم الشهيد كأيقونة ترفض إعادة القراءة والاقتراب من فكرته لأنَّ إعادة القراءة والاقتراب تناقض آليات إنتاج الشهيد الملصق أي تناقض مع الفعل المزدوج الذي تقوم به السلطة عبر تدجين فكرة الشهيد وإعادة تحويرها حيث تناقض عمليات التدجين المتخيل للشهداء وتتأزم به كما يتأزم بها فإذا كان لابد من ترميز الشهيد فلابد بالقبول بفكرة توظيفه عبر عمليات إعادة الترميز التي تقوم بها المؤسسة كحاضنة ومستغلة لهذا الرمز فمن يرمزون الشهيد يقبلون بإعادة إنتاجه وتوظيفه. أما في المقابل من أراد تخليص الشهيد فعليه إعادة نقد وقراءة تلك الرمزية لكشف آليات التلاعب والمخاتلة والتي تسمح بالاستغلال والتلاعب فالذين يرمزون الشهيد هم الذين يتناقضون معه في حالة عودته حيث تناقض هذه العودة الأسطرة وتأزمها وتعريها.

 

(١) درّاج، فيصل. بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية. دار الاداب، بيروت. ١٩٩٦. ص7

(٢) انظر مسرحية كاسك يا وطن ومسرحية شقائق النعمان، حيث يعود الشهيد في هذه الأعمال بشكلين مختلفين؛ الشكل الأول من خلال مهاتفة بين الابن وأبيه الشهيد والثاني يعود فيه الشهيد من سجون الاحتلال الصهيوني بعد غياب دام عشرين عامًا.