قراءة نقديّة للفصل السابع من كتاب حكم الخبراء لتيموثي ميتشيل

١٦ آذار ٢٠١٦

يقدّم تيموثي ميتشل في الفصل السابع من كتاب حكم الخبراء(مصر، التكنو- سياسة، الحداثة) نقداً تشكيكيّاً للإصلاحات التنمويّة التي حصلت في مصر فترة السبعينيّات والثمانينيّات، وللأسلوب الذي صيغت به هذه الإصلاحات؛ وذلك من خلال إعادة النظر والتدقيق فيما ورد من أرقام وإحصائيّات متعلّقة بمصر في الفترة الزمنيّة المذكورة والتي صدرت على شكل تقارير عن كلٍّ من البنك الدوليّ والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة وصندوق النقد الدوليّ، بالإضافة الى رفضه النظر إلى الاقتصاد على أنّه “مجموعة من الخرائط المسطّحة يتم استصلاحه بكلّ سهولة عبر الأرقام والإحصائيّات”، كما أنّه يؤكّد على أنّ هذه الرؤية قامت على اثرها مشاريع حققت هدفها من الخارج، أمّا من الداخل؛ فهي محض اختلاق لا أكثر.

ومن خلال النّصوص التي قدّمها ميتشل اتّضح لنا أنّ الخطاب التنمويّ في مصر لم يستطع أن يلبّي حاجة مصر؛ بل عمل على العكس تماماً عن طريق خلق الحاجة عند المصريين، وهذا ما ساهم في تحويل الخطاب التنمويّ من أداة تسعى الى إحداث إصلاحات اقتصاديّة وتنمويّة الى وسيلة لتثبيط الاقتصاد المصري ونهب خيراته وجعله سوقاً استهلاكياً للبضائع والمنتجات الأمريكيّة، بصرف النظر عن نوع هذه المنتجات وقيمتها، والتي تتراوح من حبوب ومعدّات زراعيّة إلى أسلحة حربيّة ومعدّات ثقيلة، وبصرف النظر أيضاً عمّا إذا كانت مصر بحاجة إلى هذه المنتجات من أجل إحداث التنمية أم لا، وإذا كانت قادرة على إنتاجها أو إنتاج بعضها داخلياً، كما أنّ المؤسّسات التنمويّة تسعى -عبر خطابها التنمويّ الأدائيّ- إلى خلق الحقيقة بواسطة السّلطة والمكانة التي تشغلها والتي تؤثّر بشكل كبير جداً في تشكيل مفاهيم وسياقات اجتماعيّة، وهذا ما يؤدّي على المستوى البعيد إلى تشويه الواقع عبر طرق تقنيّة منهجيّة ومبرمجة بشكل معدّ مسبقاً.

ويوضح ميتشل أنّ خطاب التنميّة الدولي يؤلّف نفسه بوصفه خبرة ومعرفة منفصلتين تماماً عن البلد التي يصفها، مع العلم أنّ هذه الخبرة تنشأ داخل منظمّات ومؤسّسات مثل البنك الدوليّ والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة اللتين تلعبان دوراً اقتصاديّاً وسياسيّاً داخل مصر؛ ومن خلال هذه العلاقة البسيطة تتجسّد الهيمنة بين المركز والمحور، فمثلاً البنك الدوليّ الذي هو أصلاً خاضع للسياسة الأمريكيّة ومقرون بها وبإمرتها يضع على الدول التي يتمّ منحها الأموال شروطاً متعلّقة بشؤون الدولة الداخليّة والخارجيّة ومنها السياسة والاقتصاد، وتعرّف نفسها على أنّها الماكنة الماليّة والسلطة المعرفيّة والقوة العسكريّة، وهذا بحدّ ذاته تجسيد وتوطيد لعلاقة الهيمنة والتبعيّة، بل وأبعد من ذلك حيث ترصيع وتلميع الأشكال الحديثة للاستعمار حتى تبدو شيئا جيداً ومقبولاً، وهذا ما عبّر عنه ميتشل في كثير من الأمثلة والمواضيع التي طرحها خلال الفصل.

كما أنّ الخطاب التنمويّ ينظر الى المسألة الاقتصاديّة والسياسيّة الداخليّة في مصر على أنّها مستقلّة ومنفصلة عن خارج مصر؛ أي يقصد أنّها منفصلة عن سياسة المؤسّسات التنمويّة الدوليّة ومن هنا تبرز الكيفية التي تشرّع وتحيّد بها المؤسّسات أنفسها، فمثلاً الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة تصوّر نفسها كوعي عقلانيّ خارج عن إطار البلد ومستقلّ عنه بنفس الوقت؛ لكن في الواقع هي تعمل على إعادة هيكلة وترتيب السّلطة داخل البلد “مصر” بطرق أكثر عقلانية، وأبرز الأمثلة التي تدحض هذا الادّعاء هي سياسة أمريكا الخارجيّة تجاه مصر عام 1991 “حرب الخليج الثانية”، والتي فرضت على مصر المشاركة في الحرب على العراق مقابل  إلغاء وجدولة ديون على مصر، وكان ذلك عبر أداة البنك الدوليّ والوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة.

1755_1يذكر ميتشل أنّ الخطاب التنمويّ كان ينظر إلى المشكلة الاقتصاديّة في مصر على أنّها مشكلة متعلّقة بالجغرافيا والعوامل الطبيعيّة والديمغرافيّة الأخرى، ولكنه دحض هذا المنظور من خلال الأرقام والإحصائيات نفسها والموجودة في تقارير المؤسّسات التنمويّة، أي اعتبر أنّ قضيّة الأرض والسّكان وحيازة الأرض ليست مشكلة كما تصوّرها التقارير التنمويّة وما هي إلّا محاولة لتضليل الواقع.

وفي السياق ذاته؛ كانت هذه الأرقام مضلّلة لحقيقة يصنعها الخطاب التنمويّ، إلّا أنّها لا تضلّل وقائع مرتبطة بالظروف المحيطة بالاقتصاد المصريّ والتي تتعلّق أيضاً بعوامل جغرافيّة وسكانيّة وديمغرافيّة؛ فمثلاً عندما نتحدث عن 94% من ملّاك الأرض يمتلكون أقلّ من خمسة فدادين للمالك الواحد، بينما 2% من ملّاك الأرض يمتلكون 50 فداناً على الأقلّ للمالك الواحد، ومن المآخذ على هذه الإحصائية أنّها أغفلت الحديث عن 6% من ملّاك الارض والذين يمتلكون مساحة 32% من أراضي مصر الزراعيّة.

من جهة أخرى؛ علينا القول أيضاً إنّ هناك مشكلة أخرى مرتبطة في عملية حيازة الأرض والتوزيع النسبيّ بين ملاّك الأرض؛ إذ إنّ هناك إحصائيّة أخرى تقول إنّ مصر تضمّ 386.000 ميل مربع، إلّا أنّ شريطاً ضيّقاَ هو القابل للاستخدام وهذه المساحة تتألّف من 15.000 ميل مربّع؛ أي ما نسبته 4% من مساحة الأرض.

إذا كان ميتشل يرى أنّ حلّ هذه المشكلة يكمن في تجديد حدّ أقصى لحيازة الأرض قوامه ثلاث أفدنة؛ وهي مساحة تعيد توزيع 2.26  مليون فدّان من الأرض على المعدمين وشبه المعدمين، وهي محاولة لتحقيق حيازة شبه عادلة للأرض، ميتشل يرى أن مصر تستطيع فعل ذلك لكنه يعلم وتحدّث عن أنّ هناك طبقة من المنتفعين ومن الوسطاء “كمبرادور” متورّطة مع المؤسّسات التنمويّة لن تقبل بمثل هذه الحلول لأنها تضرّ بمصالحها الخاصّة، وهنا الحديث لا  يقتصر على بعض رجال الدّولة إنّما على حكومة كاملة تسير على هذا النهج، بالإضافة إلى بعض منتفعي القطاع الخاصّ؛ ومن الجدير ذكره أنّ نسبة كبيرة من مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية قد استخدمها أولئك الذين يتمتّعون بصلاتٍ جيّدة داخل جهاز الدّولة.

ومن زاوية أخرى؛ ينظر الخطاب التنمويّ إلى مشكلة مصر على أنّها مشكلة جغرافيا وديموغرافيا، والأولى تُحلّ عبر التكنولوجيا والثانية تحلّ عبر المجموعات الإدارية، والأولى تحتاج إلى مدخلات ضخمة من الغرب، بينما تحتاج الثانية إلى الخبرة من المؤسّسات التنمويّة، لذلك تمّ اقتراح مشروع الميكنة الزراعيّة من قبل الوكالة الأمريكيّة للتنمية الدوليّة كحل للتغلّب على مشكلة الجغرافيا، وكان الهدف المعلن هو تشجيع الميكنة الزراعيّة المصريّة عن طريق شراء معدّات زراعيّة من أمريكا، أمّا عن الهدف الدفين فهو ايجاد أسواق لبيع معدّات الشركات الأمريكيّة مثل شركة لويس برجر انترناشيونال و كاتربيلر.

ويشير تقرير أعدّه البنك الدوليّ تحت عنوان “اتّجاهات في الاقتصادات النامية” إلى أنّ مصر تتميّز بأكبر تعداد سكانيّ في الشرق الاوسط منوّهاً إلى أنّ الكثافة السكانيّة في مصر أعلى من الكثافة السكانيّة في بنغلادش أو إندونيسيا، ويتساءل ميتشل لماذا بنغلادش أو إندونيسيا؟ ولما لا تكون دولة اخرى مثل بلجيكا أو كوريا الجنوبيّةأ اعتقد هنا أنّ مجرّد التساؤل حول صّحة المقارنات يضفي شرعية ومصداقية على أداة القياس بين البلدين، حتى وإن كانت المقارنة مع بنغلادش أو إندونيسيا غير منصفة من منظور أنّ هكتاراً واحداً في مصر يتنج ثلاث أضعاف هكتار واحد في كلّ من بنغلادش وإندونيسيا.

وفي محاولة ميتشل تفنيد الادعاء القائل إنّ الطعام في مصر غير كافٍ لإطعام أهل البلد، نجده نجح في تفنيد الادعاء ولكنه فشل في قضية أخرى وهي توريط الزمن والانسياق إلى المنظور التنمويّ للزمن؛ فأولاً، كيف فنّد الادّعاء؟

وفقاً لتقرير البنك الدوليّ عام 1965 حتى 1980؛ فإنّ عدد سكّان مصر يزداد بمعدّل سنويّ نسبته2.1% وبمعدّل إنتاج زراعيّ أسرع بنسبة 2.7%، وخلال الثمانينيات ارتفع معدّل النمو إلى نسبة 2.4%، كما أنّ معدّل النموّ الزراعي وأصل تقدّمه وارتفاعه عن معدّل نمو السكان بنسبة 17% للفرد الواحد، لذا ليس صحيحاً أنّ السكّان يتزايدون بمعدّل أسرع من تزايد قدرات البلد على الإنتاج.

ثانياَ، كيف انساق ميتشل للمنظور التنمويّ للزمن وكيف استخدمه؟

بلا شكّ؛ فإنّ للزمن بعداً فيزيائياً “الزمن مفهوم فيزيائي إن صحّ التعبير” مرتبطاً بالنظرية النسبية وهو وسيلة لتحديد ترتيب الأحداث، وكما يوجد للزمن مرتكز فيزيائي نسبيّ، فله أيضاً مرتكز نفسيّ وتخيّليّ. عندما نتحدّث عن الماضي، مثلاً التقرير الذي ذكره ميتشل “من عام 1965-1980″ فهو قابل للتفسير والتحليل بناء على تسلسل المراحل الزمنيّة، لا على أهميّة الأحداث خلال هذه المراحل، أمّا المرتكز النفسيّ وهو التعامل مع الزمن من منظور الحدث؛ وهذا يعني أنّ الفترة الزمنيّة مرهونة بالحدث، أي أنّ التسلسل الزمنيّ يفقد قيمته لصالح الأحداث المهمّة التي حصلت ” التعامل مع  التسلسل الزمني على أنّه قطعة واحدة لم يطرأ عليها أيّ تغيير”. وهذه هي النقطة التي أعتقد أنّ ميتشل لم يعطِها اهتماماً كافياً، فهو لم يقم بتفكيك الزمن، وحتى لم ينتقد التعامل مع الزمن في التقارير التنمويّة مثلما قدّم نقداً للأرقام وللإحصاءات والتوجّه الخرائطي لهذا الخطاب التنمويّ.  

يذكر أنّ هذا الكتاب نشر عام 2002 عن دار كاليفورنيا للنشر، وتُرجم إلى العربية عام 2011، ومن المؤسف ذكر أّنّني لم أجد أي قراءة باللّغة العربية عن هذا الكتاب سوى بعض المقالات والتعقيبات، بالإضافة إلى ندوتين عن الكتاب وحلقة نقاش واحدة على متصفح الإنترنت يوتيوب، بالإضافة إلى خبر على صحيفة اليوم السابع فحواه تقديم شكوى للنيابة العامة ضد “ليلى تكلا” بتهمة فساد تمّ توثيقها في إحدى فصول الكتاب.