"قطع رواتب الأسرى: "سيطال الجميع إن لم نقف الآن

١٧ آب ٢٠١٧

"الأسرى، والأسرى المحرّرون شريحة مناضلة وجزء لا يتجزأ من نسيج المجتمع العربيّ الفلسطينيّ وتكفل أحكام هذا القانون حياةً كريمة لهم ولأسرهم". كان العام 2004، حين من مكتبه، خلف آثار التدمير "الإسرائيليّ" في المقاطعة، صادق ياسر عرفات على هذا القانون، قانون الأسرى والمحررّين رقم 19.

نصّ القانون كان كاشفاً لا مؤسّساً، أي أنّه لم يدخل كسابقةٍ إلى القانون الفلسطينيّ، بل ثبّت ما كان معمولاً به منذ التسعينيّات، والأهمّ، ما كان دوماً جزءاً من الضمير والوعي العام للمجتمع الفلسطينيّ.

يرابط أسرى محرّرون مع أصدقائهم وبعض أفراد عائلاتهم، احتجاجاً على قطع رواتبهم، منذ حزيران الماضي في خيمة الاعتصام اليتيمة وسط رام الله. توحي مساحة الخيمة بأنّ حشداً مرّ منها منذ قليل، لولا أنّ الزائر كان فيها صباحاً، وفي الصباح الذي سبقه، والأسبوع الماضي، وقبل شهر؛ الوجوه هي نفسها.

وسط الخيمة، بوجهٍ نحيلٍ تكسوه لحية مهيبة، واضعاً ساقاً فوق الأخرى، يطالع سليمان أبو سيف جريدة عبر نظارة رفيعة، هو أبٌ لثلاثة أطفال، قضى 23 عاماً في سجون الاحتلال، منذ اعتقاله الأول عام 1989. قبالته، عند مدخل الخيمة، مستنداً بذراعيه الكبيرتيْن على يديْ الكرسي، ونظرته طفوليّة التي تضفي مفارقة لاذعة على جسده العريض، تتدلّى السيجارة من بين أصبعيه بينما يهزّ ركبته بعصبية، ويبتسم هاني جابر للداخلين إلى الخيمة بلطف. هاني أبٌ لطفلين، و قضى 18 عاماً في الأسر منذ اعتقاله الأول عام 1993.

في الزاوية، منشغلاً بمحادثة الحضور وطلب الضيافة من أحد الشباب، يكسو الشيب رأسه، ويملأ صوته الجهور المكان، يجلس منصور شماسنة، والد لثلاثة، وقضى 16 عاماً خلف قضبان الاحتلال منذ عام 1996.

جميعهم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم، آباء لأطفال صغيري السنّ، يُبدون هدوءاً لا يتناسب مع من فقد لتوه مصدر عيشه وقوت أطفاله الوحيد. منذ أكثر من شهر يحاولون فرض قضيّتهم على واقع الحياة اليوميّة السريعة لرام الله، التي اعتادت خيام الاعتصام في ساحاتها العامة.

قال سليمان أبو سيف إنّه من المقصود البدء بقطع رواتب عددٍ قليل من الأسرى، ومن تمّ قطع رواتبهم في الضفّة الغربيّة لا يتجاوز عددهم 23 أسيراً، جميعهم من محرّري صفقة "وفاء الأحرار"، مضيفاً: "لكنّها البداية، وقريباً سيشمل قطع الرواتب الجميع، إن لم يقف الجميع معنا الآن".

حرّك جابر رأسه إيجاباً، وقال: "ما حصل معنا قد يحصل لأيّ أحد، لم يتمّ إعلامنا حتى، تفاجأنا بأنّ الراتب تأخّر، ثم أدركنا أنّه لن يُصرف، فتوجّهنا إلى هيئة الأسرى، ونادي الأسير، لكنّهم لم يكونوا على علم بشيء. لم يستطع أحدٌ أن يعطينا أيّ تفسير".

في الواقع، كانت هيئة شؤون الأسرى والمحرّرين قد أعلنت على لسان رئيسها، عيسى قراقع، عند بدء الأزمة، أنّ الهيئة لا معلومات لديها حول الموضوع، بل إنّ العناية بعائلات الأسرى والشهداء واجب وطنيّ وأخلاقيّ وإنسانيّ. من جانبها، رفضت الحكومة الفلسطينيّة التعقيب على الموضوع، ما وضع الأسرى أمام المجهول.

قال جابر: "ذهبنا بأنفسنا إلى رئاسة الوزراء ولم يستقبلنا أيّ مسؤول، انتهى التعامل معنا لدى مكتب الاستقبال، رغم أنّ خبر قطع الرواتب كان قد نُشر في الإعلام، وطلب منا موظّف أن نترك أرقام هواتفنا للتواصل معنا، ثم طلب منا المغادرة".

أشار أبو سيف إلى أنّ جميع المعتصمين ملتزمين بسداد ديونٍ لبنوكٍ وأفراد، مضيفاً: "البنك لا يرحم، والعائلة قد تتحمّل العبء شهراً أو شهريْن، لكن بعدها، سيتحول الواحد منّا من مناضل، إلى متسوّل؛ تلك هي الرسالة التي يراد تبليغها لكلّ من يفكّر بالنضال اليوم".

غير أنّ تأويلات دوافع القرار تعدّدت، رغم غياب التفسير الرسميّ، فبعد عشرة أيّام على بدء الأزمة، صرّح قراقع أنّ قطع الرواتب له علاقة بالانقسام الفلسطيني، و"بعلاقة قطاع غزة بباقي الوطن" مشدّداً على أنّه قرار يرتبط بالحكومة ووزارة الماليّة ولا علاقة للهيئة به.

ذلك تفسير لا يقيم له أبو سيف وزناً، موضحاً: "كيف سيضغطون على غزة بقطع رواتبنا هنا، في الضفة؟ نحن مناضلون وأسرى من قبل أن تكون هناك حكومة في غزة أو حكومة في رام الله!".

يرجّح الأسرى المحرّرون أنّ الأمر له علاقة بالولايات المتّحدة، وبشروطها لعودة المفاوضات تحت رعايتها،  بقصدِ تجريم النضال الفلسطينيّ ومبدأ المقاومة وشرعيّتها.

الشروط الأمريكيّة التي قدّمتها إدارة دونالد ترامب لإحياء المفاوضات، ومن ضمنها قطع رواتب الأسرى والمحرّرين، أرفقت بقائمة اشتملت على أكثر من 600 اسم ممّن يصفهم الاحتلال بأنّ "أيديهم ملطّخة بدماء إسرائيليّين" كبادرة حسن نية للعودة للمفاوضات.

قال جابر إنّ المعتصمين كانوا محكومين بمؤبّدات لأنّهم قاوموا الاحتلال بالسلاح، مضيفاً: "حين اتّخذنا ذلك القرار لم ننتظر من المجتمع شيئاً، فعلنا ما فعلناه من أجل الفلسطينيّين جميعاً، وإن كنّا وحدنا، وإذا كان علينا أن نقف من جديد وحدنا لحماية مكانة النضال والتضحية الفلسطينية فسنفعل".

سادت ثوانٍ من الصمت، كأنّ تصريح جابر بقي مبتوراً بانتظار تتمة، قبل أن يستدرك أبو سيف: "لكنّنا كنّا ننتظر وقفة أقوى من الناس، من المجتمع المدنيّ، من عائلات الأسرى الآخرين، من الأحزاب، من الجميع. توقّعنا حراكاً أكبر من هذا".

بينما تؤكّد المادة السابعة من قانون الأسرى رقم 19 لعام 2004 أنّ: "على السلطة أن تصرف لكلّ أسير راتباً شهرياً يحدّده النظام ويكون مربوطاً بجدول غلاء المعيشة"؛ يقول شماسنة إنّ الأمر يتجاوز مخالفة نصّ قانوني؛ بل هو تمهيد لإلغاء شريحة المناضلين والأسرى والمحرّرين من المجتمع الفلسطيني، كما لو أنّه ليس هناك احتلال.

وإن بدا في الأمر بعض المبالغة- خاصة بعد شهرين من إضراب الأسرى الذي حرّك الشارع الفلسطينيّ على أعلى المستويات- لكنّ هناك شعوراً ينتاب المغادر لخيمة الاعتصام بأنّ هذه التوقّعات قد لا تكون محض تشاؤم لحظيّ، بل احتمالاً بدأ يلوح فعلاً على أرض الواقع، لا سيما إذا التفت وراءه بعد ابتعاده عن الخيمة، الباقية خلف الخطوات السريعة والعجلات المسرعة وضوضاء الحياة اليومية، لمدينة قلقة لا تتوقف عن الدوران.