قليلٌ من الأجرة٬ كثيرٌ من الأجر

١١ آب ٢٠١٦

كنتُ أنتظر في الطابور كغيري من العمّال لأقبض معاشي الشهريّ، ومثلهم فاجأني جلوس الحاج معتصم في ظلّ شجرةٍ بجانب المحاسب. أخذتُ الظرفَ وأخرجتُ منه النقود أحصيها فيما أفكّر في طريقها؛ سيكون حتمًا أوّلها أن أشتري التمر ومنتجات “السحور” ودجاجتين ولن أنسى القمردين؛ ذاك بأن ساعات الصوم هذا العام ستكون طويلةً وشاقّة فيساعدني على تحمّل العطش لوقتٍ أطول.

ما لبث أن انتهى المحاسب من توزيع المعاشات علينا حتّى تنحنح الحاج ووقف يخطب بنا عن أهمية الصيام في حياتنا وكيف فرض الله أن نشعر بالفقراء ونقدّم المساعدة لهم وانتقل بنا إلى أهمية العبادة فالصوم يستوجب الصلاة والعبادات الأخرى، ولهذا “سوف تعملون نصف نهارٍ لأتفرّغ للعبادة في هذا الشهر الفضيل وكذلك أنتم، أضف إلى ذلك بأن ساعات النهار الطويلة ستكون شاقّةً علينا فلنترك نصفها للعبادة”.

نصف يوم؟ نصف معاشٍ يا الله كيف يفي بمصاريف الشهر، والسوق لا يرحم… إذن سأتنازل عن القمردين ومنتجات السحور فلن تكون لي بهنّ حاجة… لم يزل الحاج يخطب ويخبرنا عن كمّ الحسنات التي نجنيها من مساعدة الفقراء، ولأن الحاج مقاول بارع كان لسانه يخلط بين لسان رأس المال والدين في آن، فقد كان يتحدث عن الحسنات كأنها سوق جديدة يفتتحها بمناسبة هذا الشهر. صرتُ أفكّر بها بجديّة أكثر ولم أجد رأس المال الكافي لأجنيها فذاك أن أسهمها بدأت بالارتفاع مع اقتراب الشهر الفضيل.

الحاج يصوم نصف النّهار ويقضي الشّطر الآخر في النوم ليستيقظ فيجد مائدة طويلة فيها ما تشتهي الأنفس، ولسوء حظّه لم يؤذن المؤذّن بعد، يراقب الشّمس جيّداً، على وشك المغيب، يضع أمامه ثلاث حبات من التمر، وكأس ماء، وعبوة “كوكاكولا”، يتوتر في هذه الدقائق الأخيرة، يشعر بها تطول والمؤذّن لا يؤذّن، يحاول أن يمسك لسانه عن شتمه خوفاً من المعصية، وما أن يبدأ الأذان حتى يتنهّد ويبدأ بالتّمر حسب السّنة، ثم الماء فالمقبلات، ويبدأ بعدها بالوجبة الرئيسية ويأكل بنهمٍ شديد وينتهي بعصائر الخروب والتّمر هندي… قد يكون خيالي شطح كثيراً وربما أكون مخطئاً ولكني دوماً أتصوّره بعد ستّ عشرة ساعةً من الصوم لا بد وأن ينتهي إلى مائدة كهذه “أريدها يا حاج وأمتنع مئة ساعةٍ بل أكثر”.

أنهى خطابه وقال مغادراً “مبارك عليكم الشهر، وصوموا بقلبٍ ورع وليس فقط جوع كلاب”… كانت كتلة لزجة من اللعاب في حلقي قذفتها أرضاً كي لا أتهور وأبصقها في وجهه “جوع كلاب يا ابن الكلب؟؟”

هو يصلي ويصوم ويقوم الليل ويعمل عنده حوالي مئتي عامل يدفع لهم نصف أجرةٍ بنصف يوم؛ نصف صوم، نصف احتراقٍ، في الورشة نصف فطور، نصف صحنٍ من الطعام لكل فردٍ في أسرتي نصف عيد نصف ملابسه نصف لعنةٍ وأضعافٌ من السجائر والمعمول.

ربّما لا يعرف الحاج بأنّنا نحن الذين نكتوي تحت الشمس المتّقدة في قبّة السماء، نحن أكثر من غيرنا نحتاج الماء، وأنّنا نحن العمال الذين نستهلك معاشنا قبل أن يصل نحتاج الطعام، سألتك بالله أيها الحاج المؤمن التقي الصائم الذي فرّغ نفسه للعبادة والصوم، فيمن تريدني أن أشعر؟؟ بالمجاعات في الصومال مثلاً؟ دوماً أتصوّره ينام بعد آخر محادثة يجريها مع المشرف علينا ليطمئن على مسار الورشة، أتصوّره يستغرق طويلاً في النوم دون طعام ولا شراب ليستيقظ إلى فطوره مطمئناً على “مشاعر” الفقير الذي يعطيه نصف أجرةٍ بائسة وزهيدة، نعم يطمئن فقد أحسّ بشعورنا وربما نسي “فذكّره إن نفعت الذكرى” بأننا لا ننام نهاراً ولا نستيقظ عند الغروب على مائدة كالتي يجدها.

في آخر الشهر الفضيل، وعند طابور المعاش وجدناه يقف مجدداً في ظلّ الشجرة الوحيدة الباقية والتي لم يشأ أن يقطعها، وبعد نصف الأجرة، وليستكين أكثر ويريح ضميره ويضاعف رصيده من أسهم الحسنات فيستكمل شروط الصوم، قدّم لأحد العمال ثلاثة وستين شيقلاً كصدقة فطر… عساه يشتري حذاء عيدٍ لأصغر أبنائه ويشتري الحاج بأجرها قصراً في الجنة. شعرتُ بأنه يريد أن يقذف الصدقة في وجهه ولكنه تراجع لا لشيء وإنما خوفاً من أن يطرده من العمل.