كنّا وما زلنا

٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٦

لم أتوقّعْ خلال سني الجامعة في عمان أن تكونَ رسائلي الشخصيَّة لأصدقائي المهجَّرين خلال عطل الأعياد أو بين الفصول الدراسيَّة عند عودتي إلى القدس نواةً لمشروعٍ أصبحَ بمثابة حراسة لذاكرتنا الفلسطينيَّة. فقد اعتدت أن أرسلَ صورًا من هاتفي النقال في كلِّ مرة أزور بها مدينةً في الداخل المحتل أو قريةً مهجَّرةً إلى صديقٍ من الجيل الثالث من اللاجئين الفلسطينيين، وكنت في كلِّ مرة أشعر بمدى التأثر والتَّمَسُّكِ بهذه الصور التي كان يدفعني الفضول أن أدركَ مدى التطهير العرقيِّ للقرية وما حلَّ بما تبقى منها، إلى أن أطلقتُ مبادرتي المتواضعة : “هل تمتلك صورة قديمة لمنزلك قبل النكبة ؟ أرسلها لي وسأبحث عن المنزل وأوثِّق ما أشاهد”.
وصلتني عشرات الصور من الشتات لمنازلَ في القدس ويافا وحيفا وغيرها من المدن العامرة، لتمتدَّ فكرةُ المبادرة لاحقًا لتوثيق الحياة الاجتماعيّة والحضاريّة في فلسطين قبل النكبة؛ دور السينما، الإذاعات، المسارح، الأندية الرياضيَّة، الفنادق وغيرها من المظاهر التي تدحض الرواية الصهيونيَّة بأن فلسطين كانت أرضًا شبه خالية يسكنها بعض الرعاع وكانت أشبه بالمستنقعات التي عمَّرها وطوَّرها مَنْ جاءَ من أوروبا أملاً بأرض ميعاد.
منذ إطلاق مشروع “كنّا وما زلنا” التوثيقي قبل خمس سنوات تقريبًا، تمَّ جمع عشرات القصص من اللاجئين الفلسطينيين حول العالم وتوثيق منازلهم واصطحابهم إليها. كان منها المفرح وآخر مبكي، لكن وبدون شك كان لقصة منزل عائلة الدقّاق الذي بُنيَ عام1890 تقريباً في حيِّ البقعة الفوقا بالقدس المحتلّة الأثرُ الأكبرُ بل صدمةٌ وذهولٌ.
القصة بدأت من الكويت قبل عدّة شهور، فبعد الانتهاء من المحاضرة التي ألقيتها لمجموعة كبيرة من الكويتيّين والفلسطينيّين المقيمين في الكويت، توجه صوبي رجلٌ فلسطينيٌّ أمريكيٌّ..
– كيفك يا ابن البلاد؟أنا اسمي ناصر الدقّاق..
– دقّاق القدس صح؟ المناضل إبراهيم الدقّاق بيقربلك؟

إلك قرايب بوادي الجوز؟
طيب المحلات اللي على باب كنيسة القيامة؟
بعد جولة التعارف أخبرني ناصر أنَّ جدّه شكيب الدقّاق يملك منزلاً في حي البقعة غربيَّ المدينة المحتلة، ولديه صورة قديمة للمنزل لكنه لا يعلم إطلاقاً ما حلَّ به.
أخبرته أنَّ الموضوعَ بسيطٌ، “ابعث لي صورة المنزل، وبما أنك تحمل جنسيةً أمريكيَّةً عليك أن تأتيَ إلى فلسطين وأعدك أن نذهبَ لنبحث عنه”.
بالفعل وبعد شهور قليلة جاء ناصر وأولاده خالد وياسمين إلى القدس. الصورة القديمة كانت بحوزتي بعد لقاء الكويت ولكن لم أرد أن أحسم مكانَ المنزل، أردت أن نبحث سويًا عنه ونبذل بعضًا من الجهد خاصة بوجود الأطفال.
التقينا بمكانٍ قريبٍ من باب العمود وتوجّهنا لغرب المدينة، وصلنا سكة حديد القدس – يافا، مشينا بين البيوت العربية المسروقة لفترة من الزمن حاملين نسخًا من الصور القديمة، نقارنها بفناءٍ هنا وشرفة ونافذةٍ هناك إلى أن وجدنا المنزل!

شارعٌ فرعيٌ مظلَّلٌ بأشجار السرو، مبنى ضخم من ثلاثة طوابق وحديقة جميلة جدًا وفيها أشجار عالية عمرها أكثر من قرن.
سعادة غامرة على وجوه ناصر وأطفاله وبعربية ركيكة أخبروا والدهم: “نيّال سيدي اللي كان عايشبهالبيت، والله في بيوت بالقدس أحلى من أميركا”.
حتى هذه اللحظة سارت الأمور بشكل طبيعي ومألوف بالنسبة لي، العثور على المنزل والتقاط صورة من نفس الزاوية إلى أن حدث التالي..
بعد دقائق ظهرت لنا عائلة كانت في طريقها صوب مدخل البيت حاملين أغراضاً وصناديق وعلى وجوههم ابتسامة عريضة ترحيبية:
– شلوم
– أهلاً أنا اسمي طارق.
– تشرفنا أنا اسمي مايكل.

– حضرتك ساكن بالبيت؟
– يا لهذه الصدفة! أنا اشتريت جزءًا من البيت واليوم سيكون يومنا الأول للسكن والنوم فيه، من حضرتكم؟
– أعرِّفك على ناصر الدقّاق، صاحب البيت الأصلي!

صمتٌ رهيبٌ لمدة نصف دقيقة ومفاجأةٌ من العيار الثقيل. بصراحة شعرت أنَّ الوقتَ قد توقف، أنظر تارةً إلى ناصر وتارةً أخرى في عيني الساكن الجديد الذي أخبرني بتوترٍ شديد أنَّه لا يفهم شيئًا.

– هل ترى هذه الصورة القديمة؟ هنا ولد وتربّى والد ناصر وفي نكبة فلسطين هجّروا من المنزل.

دخلت الزوجة في نوبة بكاءٍ شديدة، فبعد أشهر من البحث عن منزل مناسب في القدس ودفع مبالغ طائلة جدًا مقابله، وفي يومهم الأول خلال دخولهم “منزلهم” الجديد، ظهر أصحابه الشرعيّون ليذكروهم أنَّ حقَّنا الفلسطينيَّ لا يسقط بالتقادم.