كوابيس الحريَّة والتجسسيَّة في الرأسماليَّة التكنولوجيَّة

٠٨ آذار ٢٠١٧

رغم أنَّ التكنولوجيا قدَّمت للكائن الإنسانيّ تسهيلاتٍ جديدةً في الاتصال والوصول إلى المصادر البحثيَّة والأخبار والموادّ المصوَّرة، وحتى أنَّها ساعدته في مهماته اليوميَّة من الطبخ حتى أرشفة مهماته الخاصة، إلا أنَّها -وفي ظل وقوعها تحت سلطة النظام الاقتصاديّ المسيطر (أعني الرأسمالية)- تأخذ طابعاً من نكهة ومن طينة هذا النظام الذي يسيطر عليها والذي أنتج أغلب تطبيقاتها.  

لم يكن سلَّمُ التشكيلات الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة الذي قدمته الأدبيات الماركسية السوفياتيَّة ساذجاً، كما يروِّج أنصار اليسار الليبراليّ أو "التحرريّ"، فعندما فصل هذا السلَّمُ حقبة رأس المال التجاريّ عن حقبة رأس المال الصناعيّ كان قد أسَّس لنا الحديث عن حقبة لاحقة -وهي التي نعيشها الآن- أي حقبة الرأسماليَّة التكنولوجيَّة. وما يهمني هنا هو الحديث عن هذه الحقبة بعيون الاشتراكيّ الذي يريد أن يعرفَ أكثرَ عن الحقبة الجديدة، وعن كوابيسها.

صراع حريَّة الاختيار والمهمات والوقت والوظيفة

كانت حريَّة اختيار العمل واحدة من أكثر أدوات الدعايةِ الرأسماليَّةِ فعاليةً ضدَّ المعسكر الاشتراكي، وكانت تصل هذه الدعاية حدَّ السخرية من احتماليَّة توظيف فنان في مصنع للحليب بموجب قرار مركزيٍّ للدولة. وبما أنَّ هذا المعسكر قد انهار منذ أكثر من عقدين، فلم يبقَ لنا -نحن الكتّاب- إلا الكتابة عن حريَّة اختيار العمل في النظام الرأسماليّ الذي تقوده اليوم الشركات التقنيَّة الكبرى.

تقوم فكرة الاقتصاد الرأسماليّ على اعتبار القوى العاملة جزءاً من أسواق الإنتاج، وبما أنَّها جزء من سوق، فهي بالضرورة جزء من معادلة العرض والطلب فيه. وبما أنَّ العرض والطلب هما اللذان يحدِّدان في النهاية مرتَّبات العاملين، فيبقى الاختيار المهنيّ مرتبطاً بغريزة البقاء للفرد. وهذه الصيغة ليست جديدةً في الرأسماليَّة، وهي مستمرَّة في حقبة الرأسماليَّة التكنولوجيَّة أيضاً، حيث تطرد بروتوكولات وأدوات التكنولوجيا الحديثة نظيراتها السابقة في دورات زمنيَّة متسارعة، وتلقي العاملين عليها على هامش أسواق الإنتاج، مما يحفِّز الخريجين الجدد من الجامعات والكليات للتوجه مباشرةً إلى قطاعات التكنولوجيا الحديثة  مثل: نظام الحوسبة السحابيَّة وتحليل المعلومات التاريخيَّة (Cloud computing and big data analysis) وغيرها.

بعد انتهاء حقبة المهمات الكلاسيكيَّة في كلا النظامين (الرأسماليّ والاشتراكيّ) أصبحت دورةُ حياةِ المهنِ الجديدةِ أقصرَ، وخطُّ النهايةِ أقربَ. صحيح أنَّ حريَّةَ اختيار العمل في إطار الرأسمالية العالميَّة ما زالت على الحال نفسها، إلا أنَّه أضيف إليها بعدٌ آخر وهو تقلُّصُ دورة حياة المهن، مما يعني اللجوء إلى المهن الإداريَّة غير المستقرَّة في مراحل مبكرة، والخضوع لأنماط إقصاء التكنولوجيا القديمة لصالح التكنولوجيا الجديدة، وهي معادلة تماثل إقصاء العاملين القدامى لصالح عاملين جدد.

التكنولوجيا التي أغرتنا في الوصول السريع إلى أصدقائنا وأخوتنا في أماكن بعيدة عنا، هي ذاتها التي أغرت رأس المال في الوصول السريع والفوري للعاملين، بل وأعطتهم إمكانيات التأكد من نجاعة هذا الوصول (لم تعد هناك حاجةٌ لاعتقال العاملين في المصانع، تماماً كما لم تعد هناك حاجة لزيارة مكتب البريد أو السفر للتواصل مع أصدقائنا). وما ينطبق على الأفراد في تواصلهم الاجتماعيّ العاديّ، ينطبق أيضاً على التواصل في علاقات العمل.

يعاد الآن إنتاج فيلم "الأزمنة الحديثة" لشارلي شابلن بشكل أكثر حداثة، فالعامل الذي يتناول الطعام وهو يعمل على ماكينات المصانع، هو اليوم يفقد ذائقته في طعامه خلال نظره لآخر الرسائل الإلكترونية المستلمة. معركة الوقت التي فتحتها التيارات الاشتراكيَّة لتحديد ساعات العمل ما زالت راهنة، فسهولة الوصول تقنياً سهَّلت عمليَّة الوصول وأبدية التواصل في إطار علاقات العمل، فمن يتوهم نهاية عصر الوظيفة بسبب أنماط الإدارة المعتمدة على ساعات العمل المرنة (Flexible working hours)  قد يوجِّه له هاتفه المحمول صفعة في منتصف الليل ليذكره بعكس ذلك تماماً.

التجسُّسيَّة

بما أنَّ أقوى أجهزة الاستخبارات في القرن العشرين قد انهارت، أو على الأقل انهار النظام الذي كان يرعاها، فلم يعد لدينا إلا الحديث عن اختراق خصوصيات الأفراد في النظام المتبقي. فعندما كانت الأنظمة "الشموليَّة" تخطِّط لعمليَّة تسجيل مكالمات الهواتف الأرضيَّة، كانت الأنظمة على غربها تطلق النظام العالميّ للاتصالات الخلويَّة الذي يسجل للجميع بنقرة زرٍّ واحدة، وعندما كانت الأنظمة "الشموليَّة" تزرع المايكروفونات في منازل المعارضين، كانت الأنظمة على غربها تُعِدُّ لما هو أسرع وأدق، أي خوارزميات الذكاء الاصطناعي. والذكاء الاصطناعيّ هذا لا يفكر بالنيابة عنك، إلا أنَّه يفكر بمنطقك بطاقة استيعابيَّة أكبر وبسرعة أعلى، مما يعني وصوله إلى نتائج أسرع تغطي منازل أكثر منك ومن أجهزة الاستخبارات التي انهارت أيضاً.

لم يعدْ الهروبُ من التجسس العالميّ ممكناً إلا من خلال طريقتين؛ إما الصعود فوق عتبته تكنولوجيَّاً، أي التفوق عليه -وهذا ما تحاول منظمات البرمجيَّات مفتوحة المصدر فعله على جبهة السوق وليس على جبهة التجسُّس- أو أن تغادر هذا العالم وتردَّ عليه بالتخلف، وتفقد مع هذا الرد كلَّ مزايا التكنولوجيا نفسها.

من النتائج المهمة لعمليَّات تحليل المعلومات التاريخية (Big data analysis) أنَّنا جميعاً متشابهون إلى حدٍّ كبير، على عكس الرواية التاريخيَّة في تفرِّد كل واحد منا بمطلقيَّة منقطعة النظير، ومن أجواء هذه النتيجة بالذات نحن مطالبون بمراجعة شاملة لكوابيسنا عن الأنظمة "الشموليَّة"، وأكثر لكوابيسنا عن الاشتراكيَّة كفكرة وأيديولوجيا، وهذه المراجعة لا بدَّ لها أن تتزامن مع كوابيسنا القائمة عن التجسُّسية وأوهام الحريَّة في الرأسماليَّة التكنولوجيَّة الجديدة.