كيف تجدِّد غزَّة بدمها وجه القضية

٣١ تموز ٢٠١٨

في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض، الثلاثين من آذار الفائت، فوجئ بضع مئات من جنود الاحتلال على حدود قطاع غزة بعشرات الآلاف من الفلسطينيين من كل الأعمار والفئات يتجهون إليهم، عزّلًا، بلا خوف، في مشهد غاب طويلاً عن فلسطين. كانت هذه انطلاقة "مسيرة العودة الكبرى". لأكثر من شهرين احتلت مسيرات العودة العنوان الأبرز في الساحة الفلسطينيَّة. الإعلام العالميّ، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، راح ينبش في أصل الحكاية الفلسطينيَّة، نكبة 1948 في ذكراها السبعين، وفي الحقائق التي تتغلفها معلومة ككون أكثر من 70 بالمئة من سكّان القطاع يصنفون كلاجئين، حتى يشرح لجمهوره معنى "العودة" التي يتحدث عنها الفلسطينيون. لأسابيع عادت القضيَّة الفلسطينيَّة، بأساسياتها التي دفنتها عقود من محاولات التسوية السياسية، واجتاحت الأجندة السياسيَّة العالميَّة، واحتلت الموقع البارز في الرأي العام العالميّ. أتى هذا الثَوَران للمطلب الفلسطينيّ بعد قرابة عقد من الحرب الداخليَّة في سوريا بكل تناقضاتها المتداخلة، وبعد سنوات من مأساة اللاجئين العابرين مياه المتوسط، وبعد داعش، وبعد النهاية الكارثيَّة للربيع العربي في مصر، وبعد الأزمة الخليجيَّة. مرَّة أخرى يعود العالم ليصطدم بالثابت الوحيد في الشرق الأوسط عبر كل تقلبات أزماته: المظلوميَّة الفلسطينيَّة والحق الذي لم تطفئ جدوته كل التسويات والعمليّات السياسيَّة المتتالية. ومرَّة أخرى، كانت غزة هي محور هذا التجدُّد، ومحور استقطاب موجة جديدة من التضامن العالميّ مع فلسطين وقضيتها.

دور تاريخيّ

لطالما لعبت غزة هذا الدور. فبعد خروج الثورة الفلسطينيَّة من بيروت عام 1982، بعد أشهر من المقاومة التاريخيَّة للاجتياح الصهيونيّ، غاصت القضيَّة الفلسطينيَّة في ظلمات النسيان، حتى قال مستشار الرئيس الأمريكيّ جيمي كارتر للأمن القوميّ، زبيغنيو بريجينسكي، محتفلاً، قولته الشهيرة "وداعاً منظمة التحرير الفلسطينيَّة" وقد قصد فعلاً، توديع القضيَّة الفلسطينيَّة برمتها. لكن بعد ذلك بخمس سنوات فقط، جاء انفجار تاريخيّ من قطاع غزة. الشرارة التي انطلقت من مخيم جباليا لتشعل ناراً اجتاحت الأرض المحتلّة خلال أسابيع، لتفرض مصطلحًا جديدًا على القاموس الدوليّ، سيضطر للتعامل معه منذ ذلك الحين: الانتفاضة. كانت الانتفاضة الشعبيَّة الأولى التي بدأت في غزة شتاء العام 1987 حدثًا استثنائياً، قدَّم القضيَّة الفلسطينية لجيل كامل في عالم كان يشهد الترنح الأخير لنظام الفصل العنصريّ في جنوب إفريقيا، أمام تظافر حركات المقاطعة والمناهضة لذلك النظام. عادت الكوفيّة الفلسطينيَّة إلى الواجهة، وتحوَّلت لرمز ثوريّ عبر العالم، أسوة بالحجر والمقلاع. غير أنَّ هذا الزخم الذي أعطته الانتفاضة للقضيَّة الفلسطينيَّة في العالم دُفن سريعًا، في مهده، حين دخلت المنطقة كلها في عصر التسويات، ابتداءً من مؤتمر مدريد، واتفاقيات وادي عربة، واتفاق أوسلو الذي افتتح حقبة جديدة، تركت الانتفاضة وكل العنفوان الذي أثارته في العالم في غياهب النسيان لعقد آخر. حقبة لم تنته حتى جاءت الانتفاضة الثانية بكل عنفها ودموية أحداثها، وأنهتها. وهنا، تبدأ حكاية غزة مجدداً، ويبدأ مبحث هذا المقال مرة أخرى.

في العام 2008، أي بعد ثلاث سنوات تقريباً من انتهاء الانتفاضة الثانية، أبحرت سفينة صغيرة من ميناء لارنكا في قبرص باتجاه قطاع غزة، محملة بالمساعدات الإنسانية، خاصة بالأجهزة الطبيَّة والأدوية. كان الهدف المعلن للسفينة هو تحدي الحصار الصهيونيّ المفروض على القطاع منذ سنة تقريباً، ورغم ذلك لم تعترض بحرية الاحتلال السفينة، ووصلت إلى ميناء غزة في نهاية الشهر. تلت تلك السفينة سلسلة من القوافل والسفن، اعترض الاحتلال معظمها، فيما بدأ يظهر بين المشاركين على متنها برلمانيون، ورجال دين ذو صيت عالمي، وفنانون، ونشطاء من كافة الخلفيات، حتى أقدمت بحرية الاحتلال على تنفيذ إنزال عسكري على سفينة مافي مرمرة التركية، في المياه الدولية عام 2009، مرتكبةً مجزرة خلفت 9 شهداء أتراك، ليصبغ الدم الوعي السياسيّ بقضية غزة وحركة التضامن مع الشعب الفلسطينيّ، خارج الأرض الفلسطينيَّة، وخارج حدود النضال الفلسطينيّ المباشر.

حرب 2008 نقطة فاصلة

بالنسبة لرانيا ماضي، الناشطة الفلسطينيَّة في مجال اللاجئين والحقوق الفلسطينيَّة في جنيف منذ أكثر من 30 عامًا، فإن "سفن الحرية وقوافل كسر الحصار لم تكن فعالة جداً. فكانت تكاليفها أكبر بكثير من أثرها المباشر. رغم هذا، فهي نتيجة ودليل على تطور الوعي بالقضيَّة الفلسطينيَّة من خلال الحصار المفروض على غزة". وعي بدأ بالتطور من جديد في العالم، خاصة بين أوساط الشباب، مع نمو أثر المأساة الإنسانية المفروضة على قطاع غزة، والتي أتى عدوان "الرصاص المصبوب" في الأيام الأخيرة من ذات العام، ليزيدها مأساوية، ويقدّمها للعالم بدمويَّة غير مسبوقة للكثيرين. "من المؤسف أنه يجب أن يسيل الدم كي يلفت الأنظار لقضية عادلة. لكن حرب 2008 كان لها آثار في المجال القانوني". تؤكد ماضي على أنَّ "إدانة إسرائيل كدولة عرف نموًا غير مسبوق خلال وعقب تلك الحرب، وكان الجدل الذي أثاره تقرير جولدستون في أوساط المجتمع المدني في أوروبا، مثلًا، دليلًا على الوعي المتنامي بالقضية الفلسطينية، قبل أن تقوم السلطة الفلسطينية بسحب طلبها بالتصويت على القرار في الأمم المتحدة". 

غير أن أوروبا، والتي كانت على الدوام مجالًا حكرًا على الخطاب الصهيوني، لم تكن المكان الوحيد الذي وصلت إليه أصداء الصرخة الخارجة من قطاع غزة. ففي أمريكا اللاتينية، تصاعدت الإدانات الرسمية للكيان الصهيونيّ، خاصة من بوليفيا وفنزويلا، اللتان كانتا قد قطعاتا علاقاتهما الدبلوماسية مع دولة الاحتلال إثر عدوانه على لبنان في تموز 2006. لكن التغير الاستراتيجي بدأ يظهر فعلاً على الإنترنت. "القضية الفلسطينيَّة لم تكن تحتاج إلى الإنترنت للوصول إلى المجتمعات في العالم" توضح ماضي"لكن المتضامنين مع فلسطين كانوا تاريخيَّاً من كبار السن، وما بدأ يحصل عام 2008 هو أنَّ النضال الفلسطينيّ بدأ يصل، عبر الشبكة العنكبوتية، إلى جيل من النشطاء الشباب. وليس الإنترنت بحد ذاته ما ميز الجيل الشاب، لكن الأهم هو الأفكار الجديدة لهذا الجيل في العالم، وفي الغرب خاصة، مثل العودة إلى أصول القضية كنكبة 1948، والقرى المهجرة التي ينسب الشباب الفلسطينيون أنفسهم إليها، ونقد أسس الفكر الصهيوني. أفكار أزاح الإنترنت الحاجز بين الشباب الفلسطينيّ الذي يخاطب العالم بها. من ذلك أيضًا، خطاب المقاومة وثقافتها".

إذا لم تكن غرف الدردشة، التي ميَّزت العقد الأول من الألفيَّة، مساحة ظاهرة بما يكفي لاجتياح الوعي بالقضية الفلسطينيَّة في أوساط الشباب في العالم، ولكن تطور وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات التالية، والإعلام الشعبي بأدواته البسيطة، استطاع أن يوصل مشاهد القصف والمذابح الصهيونية في عدوانيّ 2012 و2014 إلى كل بيت، وكل هاتف ذكي، وكل فرد في مجتمعات اعتادت على فهم كل صراع بين إسرائيل والعرب كمسألة معقدة، عسيرة على الفهم. بساطة الدم، وقوة صرخته على بساطتها، كانت الأساس لوصول رسالة المقاومة بنفس البساطة ونفس القوة إلى شوارع باريس، مثلاً، التي شهدت أكثر من عشرين ألف متظاهر خلال عدوان 2014، يرفعون هتافات مؤيدة للمقاومة، ويحمل بعضهم مجسمات لصواريخ فلسطينية. تظاهرات اصطمدت بمسيرات مضادة لمنظمات صهيونية، خرجت تدافع عن شوارع وعن أجواء اعتبرتها لعقود بيتها الآمن، الأمر الذي قاد إلى صدامات عنيفة، تركت عدداً من المصابين في الجانبين. وكأن الحرب الدائرة في القطاع انتقلت إلى شوارع العاصمة الفرنسية.

وعي أكثر نضجًا وتضامن أكثر راديكالية

قضيَّة غزة كان لها الأثر في الكشف عن السياق الفلسطيني بتناقضاته أيضًا. فكما تشرح رانيا ماضي، "لم يكن هناك وعي كامل في الغرب، على مستوى الشارع، حول الانقسام الفلسطيني. جاء حصار غزة ليكشف عن كثير مما يخصّ السياسة الداخلية الفلسطينية، ودفع هذا باتجاه تضامن أكثر وعيًا، لا يأخذ بالضرورة بالخطاب الرسميّ الفلسطينيّ كمرجع". انعكس الأمر على نمو حركة المقاطعة لإسرائيل في العالم، التي باتت تضم في صفوفها منظمات شعبيَّة وطلابيَّة في أوساط المجتمع اليهوديّ في الولايات المتحدة نفسها، وخاصة الشباب.

نواه ملين، طالب أمريكيّ يهودي في جامعة براون في رود أيلاند، إحدى أعرق الجامعات الأمريكيَّة، يعرّف عن نفسه في مقال نشرته صحيفة "جويش دايلي فوروورد" في شباط 2017 "طالب وعضو فخور في حركة جويش فويس فور بيس (الصوت اليهودي لأجل السلام) وهي من أكبر الحركات اليهودية الأمريكية الداعمة للحقوق الفلسطينية. ويكتب نواه ملين حول أسباب رفضه المشاركة في برنامج "بيرث رايت إسرائيل" (الحق بالولادة - إسرائيل)، والذي ينظم رحلات "تعريفية" للشباب اليهود الأمريكيين إلى فلسطين المحتلة، بغية تشجيعهم على الرحيل إلى الكيان الصهيوني وتبني الجنسية الإسرائيلية، شارحاً مآخذه على البرنامج بدرجة مفاجئة من المعرفة والوعي بأسس الصراع: "اللاجئون الفلسطينيون وأبناؤهم، الذين طردوا من ديارهم في نكبة عام 1948، وفي حرب 1967، وفي موجات من الاستيطان الإسرائيلي المتتالية، يجب أن يتمتعوا بحقهم بالعودة، والزيارة، والعيش في الأماكن التي عاشت فيها عائلاتهم لقرون. الأمم المتحدة اعترفت سريعاً عبر قرارها رقم 194 في ديسمبر 1948 بالحق الفلسطيني بالعودة. لكن إسرائيل رفضت هذا الحق منذ البداية، وبالمقابل شرّعت قانونها المعروف بقانون العودة، عام 1950، الذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لأي يهودي في العالم يريد العيش في إسرائيل".

غزة وحركة المقاطعة العالمية لإسرائيل

نواه ليس الوحيد. بل بات أمثاله جزءًا من ظاهرة أوسع، تعبر عن نفسها في كل مناسبة مرتبطة بالقضية الفلسطينية، كالتظاهرات في ذكرى وعد بلفور أمام السفارة الإسرائيلية في نيويورك، العام الماضي، التي شملت مشاركة ملحوظة من شباب يهود رددوا مع غيرهم من المتظاهرين، من أصول عربية وغير عربية، شعارات مثل "فلسطين ستعود حرة من النهر إلى البحر". هذا النقد الجدي لأسس المشروع الصهيوني لم يكن تاريخيًا جزءًا من حركة التضامن مع فلسطين في الغرب، ويرتبط تحديدًا بالجيل الشاب، كما يرتبط بالوعي الذي تبلور حول قضية قطاع غزة. فعلى صفحة حملة رفض برنامج "الحق بالولادة" على الفيسبوك، تقدم الحملة إحدى فعالياتها كالتالي: "في الأسبوعين الماضيين، سار آلاف من اللاجئينن الفلسطينيين في غزة بشجاعة للمطالبة بحقهم بالعودة إلى ديارهم. قابلت إسرائيل هذه الاحتجاجات بالقمع الوحشي، حيث قتلت 30 متظاهرًا وجرحت قرابة الألف. في الوقت نفسه، ينظم برنامج الحق بالولادة – إسرائيل حفلاً ضخمًا في مانهاتان (...) سنكون خارج مكان الحفل لنقول بصوت واضح: قاطعوا "الحق بالولادة"، أوقفوا المجازر في غزة، وأعطوا اللاجئين الفلسطينيين حقهم بالعودة".

حركة المقاطعة التي باتت اليوم عالمية، والتي أدى ضغط الشارع من خلالها بشركات كبيرة ومؤسسات دينية وجامعات وفنانين إلى مقاطعة الكيان الصهيوني وسحب استثماراتهم من الأنشطة المرتبطة به، نمت أيضًا بنمو شعور السخط على الاحتلال، كأثر مباشر لحروبه على غزة. ففي ورقة مقدمة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في تل أبيب، يشير الباحثان الإسرائيليان جلعاد شير وإيناف يوفيف إلى أن "الحرب على غزة قد تحمل ثمنًا أكبر على إسرائيل في الرأي العام العالمي (...) إذ أن حركة المقاطعة لإسرائيل تنمو وتمتد سياسيًا وعلى مستوى الشارع". وبحسب دانيال ليفي، عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، في حديث له مع جريدة النيويورك تايمز حول أثر حروب غزة على نمو حركة المقاطعة، فهناك "ترجمة للتضامن العام إلى شيء ذا معنىً سياسي، على مستويين: المستوى الحكومي الذي يميز بين إسرائيل والأراضي المحتلة (عام 1967) والمستوى المجتمعي، الداعي لمقاطعة (شاملة) لإسرائيل، أكاديميًا، وتجاريًا، وفنيًا". تطور صاعد من الشارع، يؤتي ثماره على المستوى السياسي. تظهر بشكل رمزي حينًا، كمناقشة البرلمان الفرنسي خلال جلسة كاملة موضوع مسيرات العودة، والتي قدم فيها أحد النواب مداخلة قال فيها "لو كنت الآن فلسطينيًا يعيش في قطاع غزة، لذهبت إلى السياج الفاصل للتظاهر مع الآخرين. كرامتي كرجل وكإنسان كانت ستدعوني إلى هناك"، وبشكل عملي حينًا آخر، كتصويت مجلس الشيخ الإيرلندي، في 11 تموز الماضي، على قانون منع بضائع المستعمرات الصهيونية في الضفة الغربية من دخول أسواق إيرلندا، وتبنيه بالأكثرية.

وفي الوقت الذي كان فيه جنود الاحتلال يواجهون موجة المشاركين في مسيرات العودة بالرصاص الحي، عاجزين عن إيقاف تقدمهم، فوق دماء الشهداء والجرحى، والوصول إلى السياج، كان صوت غزة يستمر في عبور المسافات ليلقى صداه في شوارع وجامعات وبرلمانات العالم، ليعيد الحق الفلسطيني بوهجه غير المنطفئ منذ سبعين عامًا، ووعيه الأصيل، إلى واجهة الحراك المجتمعي في عدد متنامي من البلدان. حراك شعبي وقاعدي تلقى، من أيادي قطاع غزة النازفة، رسالة النضال الفلسطيني وتبناها، ليشكل عمقًا عالميًا لهذا النضال، بعد عقود من انحسار هذا العمق على العالم العربي. صوت قطاع غزة الذي يوقظ من جديد ضمير الشعوب في القارات الخمس، كما فعل دومًا، ويجدد الوجه الأصيل للكفاح الفلسطيني ورسالته، كقضية الإنسانية جمعاء، يضعنا اليوم في أمام سؤال أساسي حول الحال التي وصل إليه عجزنا كفلسطينيين عن ترميم ظروفنا الذاتية لمواصلة النضال من أجل التحرر، في ظل نضوج مستمر للظروف الموضوعية المساندة له. خاصة عندما نرى أيادٍ فلسطينية تشارك في خنق غزة، وترتجف خوفًا من علو صدى صرخة غزة في شوارع رام الله، الأقرب إلى القطاع، بكل المقاييس، من جامعات أمريكا وساحات باريس.