كيف يتذكَّر الفلسطينيّون الجنود العرب في النكسة؟

٠٥ حزيران ٢٠١٧
*هذا المقال جزء من ملف مشترك في الذكرى الخمسين لهزيمة حزيران ١٩٦٧، تعده ثماني مؤسسات إعلامية عربية مستقلة هي: اتجاه، دون تردد، الجمهورية، حبر، صوت، مدى مصر، معازف، ومنشور.

 

أواخر عام 1967، نقلتْ قوّات الاحتلال دبّابة أردنيَّة إلى بلدة عقربا جنوب شرق نابلس، كعبرةٍ لأهالي البلدة وتذكيراً بالهزيمة، فما كان من أهل عقربا إلّا أنْ "قصّوا الدبابة حديد وألمنيوم، وباعوها شُقف".

بالطبع هناك الكثير من القصص المؤثّرة والبطوليّة حول المصائب المتوالية على هذه البقعة من الكوكب، لكن علينا أحياناً أن "نفردها"، ونعترف بكلِّ القصص الطريفة التي نتناقلها فيما بيننا حول كلِّ ما لا يُمسّ، مع التحذير بأن لا مهربَ من بعض اللّحظات الدراميَّة.

دجل بدجل

قصّة بيع الدبّابة رواها أسامة ديريَّة من عقربا، من مواليد عام 1955، الذي ما زال يتذكّر صيحات مؤذّن الجامع: "أسقطوا 10 طيّارات إسرائيليّة، الله أكبر، أسقطوا خمسة"، كان الشيخ يستمع للإذاعة آنذاك وينقل الأخبار المتحمّسة بحماسٍ أكبر. سرعان ما أيقن ديريّة أنّ كلّ ذلك دجلٌ بدجل، كما يسمّيه.

كان صبيّاً حين اقتربت مجموعةٌ من الرجال من منزله ليلاً ينادون: "صديق، صديق"، فاستضافت عائلته في منزلها 60 جنديّاً أردنيّاً طلبوا الشاي وأحداً يدلّهم طريق العودة إلى العقبة. وبينما أُعدّ الشاي في طاسةٍ كبيرة، سمعت الكتيبة صوتاً مريباً، فقام الجنود فجأة، كلٌّ يصوّب بارودته نحو الظلام.

- مين هناك؟

-صديق صديق.

كتيبةٌ أخرى تريد الشاي، يكمل ديريّة: "منيح ما خزّقوا بعض، الدار كلّها امتلت كأنها فاضت الدنيا"، وأُعدّت طاسة أخرى، ثمّ قاد شابان من عقربا الكتيبتيْن إلى العقبة.

لم تكن تلك آخر مرّة يصادف فيها أسامة ديرية جنوداً أردنيّين، فيروي قصّة عن شابٍ كان تائهاً في الأغوار، يرتدي ملابس بيضاء، فاتّضح أنّه جنديّ أردنيّ بدّل ملابسه العسكريّة في بيت عائلة فلسطينيّة، ولبس بنطال "خياطة طحين"، أي صُنع من شوال معوناتٍ دوليّة، كُتب على قفاه: "ليس للبيع أو المبادلة، هدية من الشعب الأمريكيّ للشعب الفلسطينيّ".

بعد تناول العشاء، نام ديريّة وبجانبه الأردنيّ على البيدر، ولم يستطع العقرباوي أن يكتم سؤاله: "وين بارودتك؟".

- "بارودتي بتطلق 10 طلقات، وإذا حميِت في المعركة، بدك تشخّ عليها لتبرّدها، معناش ميّ، وعشر طلقات بتولّع نار وبترميها."

قالت فوزيّة الخواجا (61 عاماً) من بلدة نعلين إنّ العسكر في النقاط على حدود المدن المحتلّة عام 1948 "مزّطوا بدلاتهم والبواريد للمخاتير"، فتلقّفها المخاتير وسلّموها للإسرائيليّين.

الوقت حصيدة والدنيا قمر

بدأت الخواجا سردَ حكاياتها من الأعوام التي تسبق عام 1967، وقت كان الفلسطينيّون "تحت الأردن" حسب وصفها، وباعتقادي؛ من الصعب فهم العلاقة بين الجنود الأردنيين والشعب الفلسطينيّ آنذاك، والهدف هنا ليس التعميم، الهدف أن نرويَ قصصنا الشخصيّة مع الأحداث، بتأريخنا الشخصيّ، فتؤرّخ الخواجا مثلاً للخامس من حزيران بأنّه وقت حصاد القمح، وحقبة "تحت الأردن" بالوقتِ الذي كانت فيه جدّتها قويّة وصحّتها عال العال.

عادتْ صبيّة من المدينةِ في الحافلة مساءً إلى نعلين، تحمل مجوهراتٍ لحفل زفافها المقرّر إقامته قريباً، في صرةٍ قماشيّة صغيرة. رآها أحد العساكر الأردنيين و"حطّ عينه على الذهبات"؛ وفي الليلةِ التالية، والدنيا قمر، أي لا نورَ سواه: "نزل العسكري عالدار يحسّس عالكسوة، فخبط البعيد على رِجل العروس، فتّحت وقزعت إمّها"، ودعوني هنا أعزائي القرّاء أن آخذ وقتاً مستقطعاً لضيق الهوامش: يحسّس يعني يتلمّس باحثاً، الكسوة هي مقتنيات العروس، خبط أي داس، البعيد هي شتيمة لطيفة لتجنّب شتائم من العيار الثقيل، وقزعتها أي قرصتْها.

استيقظت الأمّ في الحال، وصرخت ليتجمع أهل البلدة ممسكةً إيّاه "من خنّاقه"، ونادت على ابنتها الأصغر "شتلة العيلة": "هيه يا فريحة، هاتي الحبل"، ثمّ ربطت العسكريّ بالحبل. أتى رجال الحيّ، الذين اعتادوا النوم على السطوح في ذلك الوقت من السنة، وحضر رئيس مركز شرطة دير قدّيس وسألوا العسكريّ عن سبب دخوله للمنزل؛ قال: "ما أنا بحبّ واحدة اسمها فريحة".

نعم؟ خطرت للأمّ فكرة: "بدنا نصفّ كل هالبنات، وإذا بتحزر مين فيهن فريحة، بتبقى صادق، وإذا لا... يا ويلك".

وقفت محبوبة ورحاب وفاطمة وعزيزة وأخريات، وبينهنّ فريحة الصغيرة؛ "يلا إطلِع أني فيهن فريحة أشوف؟ تلجّم وما عرفش"، فاعترفَ أخونا. جرّه الرجال إلى المركز، وجُرّد من وظيفته.

غارات في "المغاير"

عند الحديث عن نكسةِ حزيران، لا بُدّ من ذكر المغارات، أي الكهوف، التي لجأ إليها العديدُ من الفلسطينيين حين "دقّت الحرب"، فحملت حينها سميرة ديريّة، التي تزوّجت أسامة بعد أعوام، مرطبان جبنة وبعض الخبز إلى مغارة قريبة، بناءً على توصيات أقاربها الذين تعلّموا شيئاً مهمّاً من الحروب السابقة على ما يبدو؛ ألّا ينسوا الجبنة.

لكنّ المغارات لم تكن متاحةً للجميع، فجدّي لأمّي، حسين عبد القادر من قرية سردا شمال رام الله، لم تكنْ في أرضه أيّ مغارة. حين سمع أهالي سردا صوت المدافع، التي انتهت الحربُ قبل أن يروْها، سكن كلّ منهم مغارة قرب عين الماء، بينما جلس جدّي حسين مع عائلته تحت شجرة تين "خضاريّة" ثلاثة أيّام، إلى أنْ فُرجت، وذهبت عمّته إلى قريةٍ أخرى "تتحامى عند قرايبها" فسكنوا مغارتها، لا زاد بحوزتهم سوى الشاي والزيتون.

في اليوم السابع؛ سمعوا رجلاً ينادي: "ارفعوا الرّايات البيض، وكلّ واحد عنده بارودة يسلّمها"، ورجعوا إلى بيوتهم. من شدّة شحّ الطعام، كان الواحد فيهم يخشى أن يأكل الزيتونة دفعةً واحدة، بل يتلذّذ بها قضمة قضمة ويذوب في حبّها.

فاروق المصري من الجلزون

ذات يوم، طلّ شابٌ أسمر، عريض الكتفيْن، ودخل الحوش الذي يسكنه جدّي حسين، كان يلهث مرتدياً ملابس عسكريّة. استقبلت عائلة جدّي الجنديّ المصريّ فاروق وأعطوه دماية وحطّة وعقال، ودفن خالي البارودة بالتراب خوفاً من أن يراها أحدٌ ويبلّغ عنه، وأسكنوه في ملجأ آمن... حزّر فزّر فين؟

نعم، تحت شجرة التين الخضاريّة.

يروي خالي كمال عن فاروق بأنّه كان صديقاً طيّباً، لا يُشبع من حكاياته ونكاته، يسهر تحت تينته شبّان الحيّ يتسامرون، ويجلبون له علبة فول مدمّس كلّما سنحت لهم الفرصة بأنْ يستدينوا ثمن واحدة.

في تلك الأيّام، رحل كلّ من استطاع الرحيل، كان الناسُ يحمّلون أغراضهم في السيّارات ويرحلون، أمّا جدّي، فلا يملك سيّارة، ولا حتّى جحشاً، فكُتب عليه البقاء؛ لكنّ فاروق لا يستطيع العيش تحت شجرة التين إلى الأبد، فجاء وقت رحيله بما أنّ الحدود مع الأردنّ مفتوحة.

تمّ تدبّر الأمر، سيرحل مع عائلةٍ فلسطينيّة من الجلزون إلى الأردن، ونبّهه الجميع: "إذا سألوك عالحدود مين انتَ، شو بتقول؟".

- "أنا فاروء خليفة من الچلزون."

وللأمانة، لم يكن اختيار اسمٍ يبدأ بحرف الجيم قراراً حكيماً، فكادت أن تكون فضيحة بچلاچل، لكنّ الله ستر.

الهزيمة

ما يميّز قرية الطيبة، شمال شرق رام الله، خلال الحُكم الأردنيّ في الضفة الغربيّة هو احتواؤها على مخازن التموين والذخيرة ومعسكراً كبيراً للجيش الأردنيّ، إضافةً إلى معسكراتٍ أصغر على أطرافها. فما جذب الأردنيّين إلى الطيبة بالأساس هو توفّر الكهرباء وتمديدات المياه، والشوارع المعبّدة، على عكس الكثير من القرى الأخرى آنذاك.

كان في الطيبة أيضاً، المخفر الرئيسيّ للشرطة، وللمصادفة عددٌ كبير من الشيوعيين، والمنتمين لحزب البعث الاشتراكيّ، حسب وليد معدّي (67 عاماً) من الطيبة، الذي شهد اعتقال الأردنيّين للعديد من الشبّان في القرية وتعذيبهم واحتجازهم لسنوات.

عام 1967، كان معدّي طالباً في السادسة عشر من عمره، ملتحقاً بمدرسةٍ حكوميّة في قرية دير جرير المجاورة للطيبة، ويَذكر أنّ الجيش الأردنيّ قدّم له ولزملائه تدريباً في الدفاع المدنيّ، مضيفاً: "درّبونا على الانسحاب، عشان إذا صارت الحرب نوخذ أهلنا على بيوتهم".

بكلّ الأحوال، لم يكن معدّي ومن حوله يتوقّعون الهزيمة، قالها بغصّة: "كنّا شبعانين خطابات، مفكّرين إنّه الانتصار قريب، ولو أعطونا السلاح لكنّا حملناه"، ولم تكن تلك الفكرة مؤكّدة إلّا من صدى الإذاعات التي كانت تردّد: "يا سمك تجوّع"، منذرةً باقتراب موعد رمي الإسرائيليّين في البحر؛ الاستعارة التي شاعت حينها.

من المواقف التي أكّدتْ له أنّ النصر كان مجرّد سراب، عندما مرّت سيارة جيب عسكريّة من وسط الطيبة، فنزل منها ضبّاط فارّون يطلبون الماء، وقبل أن يرحلوا، صاح واحدٌ منهم: "خربت البلاد، اشردوا".

بعد الليلةِ الثانية أو الثالثة، بات انسحابُ الجيوش ليلاً واضحاً، وبقيت قرية الطيبة دون سلطة لمدّة أربعة أيّام: "ما عرفناش مع مين إحنا، مع الأردن؟ مع "إسرائيل"؟ طيب مع فلسطين؟". لكنّ الإذاعات لم تتوقّف، وأكّدت مراراً أنّ الجيش العراقيّ قادم.

قال معدّي: "المشكلة أن القيادة تركت الجنود وهربت، علّموهم مثل ما علّمونا؛ على الانسحاب مش الهجوم"، ويذكرُ شبّاناً فلسطينيين لا تتجاوز أعمارهم 17 عاماً، أخذهم الجيش الأردنيّ ليدرّبهم قبيل الحرب في الأغوار الشماليّة، وبعد 15 يوماً؛ وقعت الحرب، فتركهم الجيشُ على الخطوط الأماميّة، ومنهم زميله في المدرسة: "ودّوه على الجبهة وما رجعش".

 

قاورما ما بعد الانسحاب

لم يأخذ معظم الفلسطينيين احتياطاتهم من المؤونة، فجاعوا، أكثر من السمكِ الذي جوّعته صيحات الإذاعات، ولكنّ متعهّدي مخازن المؤونة الأردنيّة كانوا بالغالب فلسطينيّين، ولديهم مفتاح مغارة علاء الدين. فتحوا مخازن تموين الجيش الأردنيّ والمخابز والمسالخ، وأخذ أهل القرية ما استطاعوا حمله، هم و"مارقو الطريق"؛ اللاجئون المارّون من القرية إلى الأردنّ.

قال معدّي إنّه تعرّف يومها على كلمة "نهب"، بينما تعرّف أهل القريةِ على المعلّبات، التي لم يعتادوا تناولها بسبب سعرها المرتفع، وأضافت أخته جولييت معدّي (72 عاماً): "لقوا ذبايح ولحمة مجففة، فالناس عملوها قاورما[1] وسيّحوها على النار".

وفي مخزنٍ آخر، وجدوا كنزاً أثمن، غالونات من البنزين حمّلها أهلُ القرية وباعوها لسكان القرى المجاورة: "صاروا يعرفوا كلّ الناس، إنّه في الطيبة بتلاقي بنزين"، ووصل الخبرُ إلى الجيش الإسرائيليّ، ويا فرحة ما تمّت، عمّم جيشُ الاحتلال على الأهالي أن يسلّموا كلّ ما بحوزتهم من السلاح، وغالونات البنزين، والمعلّبات، وإلّا ستُنسف منازلهم.

أمّا الكنز الأكثر فائدة، الذي فلت من يد الاحتلال، فوجدهُ شابٌ من القرية؛ غرفة كبيرة في مخفر الشرطةِ الأردنيّ بعد الانسحاب، احتوت عدداً هائلاً من الملفّات والسجلّات، قرأ الملفّ الأول: "فلان الفلاني بعثيّ سوريّ"، الثاني: "فلان شيوعيّ سوفييتيّ"، فتبيّن له أنّ الملفّات تحوي كلّ شاردة وواردة عن سكّان منطقة شرق رام الله.

فما كان من صديقنا إلّا أنْ أحرقَ الغرفة بما فيها، قبل أن يضع الاحتلالُ الإسرائيليّ يده عليها، ولا مين شاف ولا مين دري.

لا يُهمّ إنْ كانت كلّ تلك القصص حقيقيّة، أو دقيقة تماماً، فلا نتعامل معها هنا كمرجعٍ تاريخيّ، لكنّها حتماً مهمّة بالرغم من كلّ السرديات الكبرى التي تلغيها أو تقلّل من شأنها، فالشعوب تعرفُ كلّ شيء بالتجربة، ولا أحد يستطيع حملها على الاعتقاد بغير ما تراه. هذه القصص هي ما اختارَ الرواة تداوله وتذكّره حين سُئلوا: "كيف بتتذكروا الجنود العرب وقت النكسة؟".

 


[1] لحم مقلي مملّح يصلح للتخزين.