كيف يمكن أن تتجدَّد حركة التحرُّر الفلسطينيَّة؟

٢٥ كانون الأول ٢٠١٦

تعرض الجزء الأول من هذه المقالة "هل يمكن أن تتجدد حركة التحرُّر الفلسطينيَّة؟" للمحاور التي يتعيّن التشبّث بها لتجديد حركة التحرُّر الفلسطينيَّة، فهذا القسم يتطلع للإجابة عن سؤال كيف؟

تشير الكثير من تجارب الثورات الاجتماعيّة والثورات التحرُّرية إلى أنَّ الفكر يمهِّد للسياسة. فسواء كانت الثورة الفرنسيَّة 1789 أو الثورة الروسيَّة 1917 – هاتان أعظم ثورتين اجتماعيّتين في القرن الثامن عشر والقرن العشرين، فالأولى دشَّنت عهد الدولة القومية البرجوازية بينما دشَّنت الثانية عهد التحول الاشتراكيّ- أو الثورة الفيتناميَّة والثورة الجزائريَّة-وهما ثورتان وطنيّتان ضدَّالكولونياليَّة، الأولى بقيادة حركة يساريَّة والثانية بقيادة حركة قوميَّة- أو غيرها من الثورات، في كل هذه الأمثلة نلحظ أنَّ الفكر يمهِّد للسياسة، أي أنَّه كان هناك فكر تنويريٌّ راكم على امتداد قرنين ما قبل اشتعال الثورة الفرنسيَّة، وفكر اشتراكيٌّ راكم على امتداد عقود ما قبل اندلاع الثورة الروسيَّة، وفكر تحرريٌّ استقلاليٌّ مهَّد الأرضيَّة لجبهة التحرير الجزائريَّة وفكر تحرري خليط من فكر قوميٍّ واشتراكيٍّ مهَّد لحزب الشغيلة الفيتناميّ (الحزب الشيوعي لاحقاً).

كان ثمَّة انسجام بين السياسة والايديولوجيا وبين التكتيك والاستراتيجيّة، فلم يكن ثمَّة مقايضة بين المرحليّ والنهائيّ، أو أن يحلَّ الجزء مكان الكلِّ. فالتكتيكات التي عرفتها الثورة الفرنسيَّة والثورة الروسيَّةكثيرة، ولكنها كانت خطواتٍ متَّسقةً مع هدف الإطاحة بالنظام وعلاقات الإنتاج. والثورتان الجزائريَّة والفيتناميَّة أيضاً عرفتا تكتيكات كثيرة ولكنها ارتبطت بنيويَّاً بدحر المستعمِر وأدواته جذرياً.

صاحبت ذلك دائماً ثقافةٌ جديدةٌ سواء أكانت تحرريَّة أو تحريريَّة، ثقافةٌ ارتبطت في النهايات بالفكر الرأسماليّ أو الفكر الاشتراكيّ، فقيادةُ ثورةٍ وقيادةُ مجتمعٍ تستلزمان وجوباً الإجابةَ عن أسئلةٍ كثيرةٍ فلسفيةٍ وتنمويَّةٍ وسياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ وصولاًإلى كيفية بناء المرحلة الجديدة والإنسان الجديد؛ ولذلك كان للمثقفين دورٌ كبيرٌ، سواء قيادات ثقافيَّة أمثال “مونتسيكيو”و”بليخانوف” أو قيادات سياسيَّة مثقفة أمثال”لينين”و”هوتشي مينه”.

أمَّا في الحالة الفلسطينيَّة فالأمر كان مختزلاً ومجتزءاً، فالنكبة استدرجت ردود فعل فوريَّة بنشوء حركات سياسيَّة غلب عليها الطابع السياسيّ، أمَّا ثقافة المجتمع المدنيّ من نقابات ومسارح وغيرها في حيفا ويافا فقد تبدَّدت مع اقتلاع الشعب وتبديد نسيجه الاجتماعيّ.

بداية، ليس ثمَّة نمذجة أو سحباً ميكانيكياً للثورات، فهناك خصائص قوميَّة لكل ثورة، غير أنَّ ذلك أفضى لنتائج جوهريَّة في الحالة الفلسطينيَّة، أهمها عدم فاعلية مقولة غرامشي”هيمنة ثقافية فهيمنة سياسية”المستقاة من الثورتين البرجوازيَّة والاشتراكيَّة، بل من مشروعات العقائد القديمة في جنوب شرق أسيا والشرق الأوسط، وجاء التزام العقل القيادي الفلسطينيّ، رغم الفوارق هشاً بالفكر والبرامج وليس صعباً ملاحظة أن يكون الخطُّ السياسيّ نقيضاً للبرنامج التحرري، وأن يُختزل الوطن في جزءٍ من الوطن، وأن تنتقل الرؤى الفكريَّة مِنْ أقصى العداء للإمبريالية إلى أقصى الارتهان لها. ومن أقصى مقولات الفكر الاشتراكيّ إلى الترويج لمقولات الفكر الليبراليّ البرجوازيّ، ومن ومن..

وهذه النقلات في محصّلتها لم تحصد براغماتيَّة إيجابيَّة إلَّا لبعض النخب، إلى درجة أن فقدت القوى التحرريَّة الرابط الفكريّ والناظم الجماعيّ وصولاً إلى انكفاء غالبية من صنعوا بتضحياتهم مسيرة الكفاح الوطنيّ، وما أفضت إليه الصيرورة من حراك في الخارطة السياسيَّة الفلسطينيَّة حيث اضطربت قوى وتهشمت أخرى وصعدت غيرها جديدة.

عندما تعجز  القوى القديمة عن القيادة وتفشل القوى الجديدة من الحلول محلَّها، يدخل المجتمع في مرحلة مرضيَّة. أما في المشهد العربيّ بما فيه الفلسطينيّ، فقد أنتج فئات تكفيريَّة ودمويَّة لها بعض التأييد في البيئة الفلسطينيَّة، كما نزعات كوزموبولتية، تخضع للإملاءات وتبث اليأس والاستهلاكيَّة ومفردات الليبراليَّة الجديدة في صفوف الشعب وثقافته.

وعليه، فتجديد الحركة الوطنيَّة يبدأ بتجديد فكرها وثقافتها، بما يستجيب للأهداف التحريريَّة، بما تتطلَّبه من رؤى سياسيَّة وتنمويَّة وقيم ديموقراطيَّة ونظرات علميَّة تتجاوز مخلفات القرون الوسطى، وبالتالي ربط الثقافة وفاعلياتها والتعليم ومخرجاته بالعمليَّة التحرريَّة وصهرها جميعاً في مشروع واحد صمدويّ وتحرري في كافة المجلات. والواقع الفلسطينيُّ المجزأ والمنقسِم على نفسه والذي تنخره التناقضات وتتفاقم فيه المعضلات هو بيئةٌملائمةٌ لمشروعٍ ثقافيٍّ تحريريٍّ.

وتأسيساً، فالتجديد يبدأ من هنا.

ولكن هل الحيز الثقافيّ يغرد منفرداً؟ لا، بل لتسليح وتوجيه الحيز السياسيّ وتعزيزه بخلفيات تتقن قراءة التناقضات وطابعها ووسائل حلِّها، فالحقل الثقافيُّ يرشد العقلَ السياسيَّ ويتبادل التأثرَ والتأثيرَ مع الممارسة في إطار براكسيس لا يتوقف، فالثقافة تُوجِه والسياسة تحسم، وهما متواشجتان ووجهان لعملة واحدة.

ولأن السياسة صراع، فهي لا تتحقق دون أدواتها، وصيغها وفي هذه تتجلى الثقافة والسياسة معاً.

ولم يعدْ سراً أنَّ حركة التحرُّر الفلسطينيَّة، بكل أطيافها، شعباً وقوى منظمة، لم تحرِّر وطناً ولم تحقِّق سيادة، رغم مسيرتها الكفاحيَّة وسيل التضحيات، وأن لا تنتصر أمر يمكن الوقوف – بحثياً – على أسبابه، إذ ليس قدراً تاريخياً أن تنتصر في هذهِ المرحلة، أما الذي لا يمكن التساهل حياله فهو أن تعجزَ عن حماية مكتسبات وتراكمات النضال وأن تعجزعن حماية وحدة الشعب على قواسم مشتركة، وبدل تسليح الناس بالأمل يجري تعبئتهم بالإحباط، وبدل أن تكون قوةً جاذبةً لا سيما للأجيال الشابة (70% من الضفة وغزة لديهم استعداد للهجرة حسب أحد الاستطلاعات) تصبح قوة طاردة، وعوضاً عن إنتاج فيض من الإبداعات الثقافيَّة وترويج النظريات العلميَّة التي تروق بالوعي، تصاب بالتحجر و المراوحة في المكان إلى درجة تكريس منهاج مدرسيٍّ خطيرٍ وتلقينيّ تجاوزه الزمن، بل وثمَّة مساحات تفخر بأنَّها تصادر حريَّة العقل والحقِّ في الاختيار والمواطنة المتساويَّة وصولاً إلى تغليب الفئويَّة السياسيَّة على الوطنيَّة الجامعة، وتبرير وتمجيد الفشل والإخلالات وعدم الثقة بالشعب وقدراته.إن الهزيمة الثقافية من أشد الهزائم خطورة.

وكون السياسة صراع، صراع إرادات ومصالح وأهداف متصادمة، بل والثورة هي فعل المستحيل وتحويل اللاممكن إلى ممكن تاريخي، نقضاً للمقولة الليبرالية (السياسة فنُّ الممكن) التي يُقصد بها الخضوع لميزان القوى، لا يمكن ممارسة السياسة (كفعل مجتمعيّ شامل) إلا بتوفير الإرادية المنظمة أي الكتلة التاريخيَّة التحرريَّة.

كيف يمكن تجديد حركة التحرُّر الفلسطينيّة ؟

لا شك أن ثمّة تفاوت بين فصيلة وأخرى، حزباً وحزب آخر، في الساحة الفلسطينيّة، غير أن التجديد يبدأ ولا يتحقق إلا من الشرط القيادي، و الشرط القيادي ليس لعبة أخلاقيّة يتبدل أسماء بأسماءٍ أخرى في المستويات – الألقاب المركزية، إلى درجة أن باتت معظم هذةِ الأسماء غير مستهدفة من الكولونيالية، فيما تحظى بنقد غير قليل من الأوساط القاعديّة  والكادريّة والشعبيّة التي تستهدفها الكولونيالية، وإنّما يقصد بالشرط القيادي تأمين القدرة على إعادة البناء والنهوض والتجديد الفكري والسياسي، أي أن يتوافر لدى هؤلاء الشرط النظري والعملي بإنتاج أدوات ممارسة الفعل التحريري الذي يتجاوز الحالة الراهنة المآزومة، ويكفي إحالة الوعي على بدايات حركة التحرُّر، ومحطّاتها الناجحة كما روايات النجاح لدى تجارب ثوريّة أخرى للإمساك بالمقاربة المطلوبة والممكنة.

فمنذ أفلاطون في (المدينة الفاضلة) الذي دعا أن يكون الحكّام من الفلاسفة، أي من المثقّفين باللغة المعاصرة، مررواً بكل أصحاب الرسالات الكبري من ديانات وعقائد قديمة، وصولاً إلى أعظم ثورات القرون الأخيرة، يتميز القادة بالثقافة والإنتاج الفكري، ومنهم من مهّد للفعل السياسي ومنهم من قاد الفعل السياسي التغيري.

وقد تلازم ذلك على الدوام ببناء الحوامل التتنظيمية لمشاريعهم التغيرية، أي القوّة الاجتماعية، التحالف، الكتلة التاريخية، القادرة على ممارسة السياسة وإنجاز التغير.

أما حينما فقدت الأفكار حواملها، على طريقة الأفكار النهضوية العربية لمحمد عبده و الكواكبي و الأفغاني وشميل، فلم تتحقق العملية التغيرية ولم ينفك المجتمع العربي يواجه أسئلة النهضة، الأمر الذي حصل عكس في فرنسا وروسيا والصين وحتى الهند وأمريكا اللاتينية.

فالقيادة ليست ألقاباً بل دوراً تاريخياً.

ومقارباتي تستبعد أن يقوم النسق الأعلى لحركة التحرر بالدور التجديدي كصيغ جماعيّة، أما كحالات فردية هنا وهناك فيمكن أن يكون لها إسهاماتها، أن تستبعد أن يحصل نفي ارتقائي، بلغة الفلسفة، بأن تقوم هذه الصيغ الجماعية بتركيم عوامل ولادة جديدة، على غرار ما حصل بعد هزيمة حُزيران 1967، مثلما تستبعد ولادة جديدة من خارج القوى المنظمة على غرار حركة 26 تموز في كوبا التي أسسها فيديل كاسترو، أو حركة فتح في بداياتها، فالقوى المنظمة رغم إخلالاتها لم تنفك الفاعل السياسي المتنفذ في الحياة الفلسطينية، فيما تطلبات ولادة جديدة تصطدم بعقبات ثقيلة متنوعه ذاتيه وموضوعيه لم تظهر مؤشرات قادرة على إختراقها.

ولكن مقاربتي لا تغلق الباب أيضاً.

فالأساس الموضوعي للعمليّة الصراعيّة التحريريّة قائم ومستمر، فثمة شعب وقضيّة ووطن وكولونياليّة عنصريّة إحلاليّة لا تخفي راديكاليتها ( دولة واحدة من البحر للنهر) برنامج الليكود، وهذا الأساس هو الذي أستولد إرادة الصراع في العقود السابقة، وأكثر من 60 مشروع سياسي لتسويه ( تصفية ) القضية الفلسطينية لم يكتب لها النجاح، وهناك ما يحاك للشعب الفلسطيني لمرحلة ما بعد أوسلو ( هذا يستحق وقفة منفصلة )

ورغم ضبابيّة المرحلة الانتقاليّة التي يمرّ بها الشعب الفلسطيني ثقافياً وسياسياً، ورغم سلبيّات هذه المرحلة، فثمة محور جوهري ينبغي الأمساك به والرهان عليه.

إنه الشعب الذي تجاوز 12،5 مليون نصفهم في الوطن ونصفهم في الشتات، وإرثه الكفاحيّ الذي تراكم على امتداد العقود السابقة، و الجيل الشبابي الذي يعد بالملايين والأكثر تعليماً وتطلّعاً للحريّة والحياة الكريمة، والمشروع المعادي الذي يستفز الأحياء والأموات، فهذه العوامل وسواها تحرّض على انبثاق إرادة تجديديّة منبعها كلّ من ينخرط فيها تجاوزاً للفئويّة والأيديولوجيات الحفظية، وكل من يساوم على حرية الوطن وحرية المواطن مقابل منفعه هامشية ويعتصم بالتعاسه التي تجعله لا يستوعب المتغيّرات فيصاب بالفشل ويعيد إنتاج الفشل اللحظيّ والمؤجّل.

وللتيّار الشبابي الغاضب أهميّة استثنائيّة، فلا مكان له والبطالة مستشرية في صفوفه من عمّال وجامعيّين ومخيّمات، ويكاد المستقبل يرسم له أنشوطة لا تترك له خياراً سوى أن يحتشق صليبه على ظهره.

ومثلما تلازم ميلاد فصائل المقاومة برموز وقادة جاؤوا تجاوزاً لمن سبقهم، فسوف تحتضن مقبلات السنين رموز وقادة يتخطون الراهن ومفرداته، فبمثل هذه التركيبة الكيميائيّة تتجدّد حركة التحرّر الفلسطينيّة.

والشعب الفلسطيني الذي رفض الحكم الذاتي الذي اقترحته بريطانيا قبل نحو قرن، هو نفسه الذي أسّس أول نقابة وأول صحيفة وأول حزب قبل نكبة فلسطين وهو نفسه الذي صنع الخارطة السياسية بعد النكبة واستولاد فصائل المقاومة المعاصرة.

وواهم من ينفي وجود الشعب الفلسطيني (أي هو الشعب الفلسطيني) غولدا مائير، فذلك (يعكس مأزق) جدعون ليفي، وواهم من يعتقد نفسه أكبر من الشعب الفلسطيني، ويتوقع أن يسكت على حشره في ملزمة تنفي حقائق التاريخ و الجغرافيا ومتطلبات المستقبل، أو تصويره مجرد (قطعان من الرعاة و الشقاة والكسالى و الإرهابيين والجواري) الذي يمكن رشوتهم بفتات.

أما مطلب الحرّيّة، حرّيّة الفرد والجماعة والوطن، فهو محرّك كل الثورات التحرُّرية ومن المتعذّر الاحتيال عليه، إن الشعب الفلسطيني مقبل على انعطافة حاسمة تتزامن مع مواجهة المشروع التصفوي الجديد.