لا بأس... كلّ شيءٍ على ما يرام

٣١ تموز ٢٠١٨

هذا الصباح، فكرت مجددًا بالاحتمالات التي يقودني إليها التغيير، وبينما أنا أفكر.. وأفكر.. ثم أفكر.. نسيت الأمر الذي دفعني إلى التفكير، هل هو صوت المنبه الذي يفزعني كلّ صباح؟ أم طرقات صاحب الشقة التي تسبق المنبه أحيانًا لتذكرني بالديون المتراكمة؟ ربما، فأنا منذ فترة ليست قصيرة أفكر في تغيير نغمة المنبه إلى أخرى يرقّ لها السمع، وأفكر أيضًا بطريقة ما أسدد فيها ديون الشقة التي لا أدري كيف تراكمت. ولكن، أعود في نهاية المطاف وكأنّ شيئًا لم يتغير.

أدركتُ بعد لحظات أنّ هذا الشيء الذي أسميه تغييرًا ليس سوى تكيّف مع الأسباب التي وجدت نفسي عليها، أو الأسباب التي أوجدني عليها النظام الاجتماعيّ، فصرت أتساءل: هل أرفض النظام؟ وهل هو يرفض أم أنا الذي أُرفَض؟ حتمًا ستأتي فاتورة الكهرباء ومعها أخواتها من الشركات الخدماتيّة، لأُصقل مرة أخرى عبدًا للظروف، عبدًا للأشياء التي فكرت مرارًا في تغييرها.

في المساء، أستمع إلى ما تيسّر من كلاسيكيّات الزمن الجميل، وعندما تبدأ أغنية "رقّ الحبيب" لأم كلثوم؛ أجد نفسي حبيسًا مرة أخرى في المقاطع، ومرة أخرى في التفكير: "وشفت بكرة والوقت بدري وإيه يفيد الندم مع اللي عاش في الخيال". 

وبينما يأخُذُني الخيالُ إلى عالمه، فكّرت في شراء منزل. ولكن ما الذي يدفعني لشراء منزل لن يستطيع أبنائي الذين لم يأتوا بعد تسديد أقساطه؟ ما الذي يقودني إلى العمل كلّ صباح في وظيفة عائدُها ما لبث أن يأتي حتى يعود؟ ماذا، وماذا، وكيف، ولماذا.

في ذلك المساء، ومصادفة، بعد أن أكملت أم كلثوم ما في جعبتها من كلمات، قادني المحرك الآلي على موقع يوتيوب إلى قصيدة كلمات سبارتكوس الأخيرة بصوت أمل دنقل: "المجد للشيطان معبود الريح، من قال لا في وجه من قالوا نعم، من علم الإنسان تمزيق العدم، من قال لا فلم يمت، ظل روحًا أبدية الألم".. أوقفت القصيدة، وسمعت حينها صوت شجار آتٍ من الخارج، نظرت من النافذة، كان الشجار بين رجليْن يختصمان حول الحق في أولوية الطريق، الأول يقول للثاني: متى ستتعلمون النظام؟ ليردّ الثاني: عندما يكون هنالك نظام. 

وعلى سيرة التغيير، يقول آرثر شوبنهاور، عندما نستيقظ من حلم خلّف تأثيرًا قويًّا في نفوسنا، ليس زواله هو الذي يقنعنا بعدم واقعيته، وإنّما اكتشاف الواقع الثاني الذي كان يخفيه الأوّل والذي كان يهزّ مشاعرنا، ثم ها هو يمثل أمامنا الآن. وفي الحقيقة نحن جميعًا لدينا شعور ثابت أو حدس بأنّه حتى في الواقع الذي نوجد فيه، وفيه نعيش، هناك دائمًا واقع آخر مخفيّ: الشيء في ذاته، واقع هذا الحلم.

السؤال فرض والجواب واجب

أن تسأل رجلًا فقيرًا: "لمن الله؟"، تمامًا مثلما تسأل رجلًا سياسيًّا: "من يكتب التاريخ؟"، سيقول لك الفقير إنّ الله للضعفاء والغلابة، وسيقول لك السياسيّ إنّ القوي هو من يكتب التاريخ.

أن تسأل بائعة متجولة في سوق الخضار عن حقوق المرأة، تماما مثلما تسأل موظفة استقبال في مؤسسة حقوقية عن حق المرأة في الميراث. ولكن، ربما تكون إجابة البائعة المتجولة شاملة ومختصرة في آن، ستقول لك: "أغرب عن وجهي". بينما موظفة الاستقبال ستصول وتجول في التأطير والتنظير، وقد تشرح لك أول ثلاث موجات نسويّة، وربما أيضًا ستشرح لك كلّ الأسباب التي دفعت فريجينا وولف إلى الانتحار.

هذه الإجابة الدسمة من موظفة الاستقبال، لا تبعد سوى خمسين مترًا عن سوق الخضار، أي عن البائعة، وربما هذه المسافة أكبر أو أقل بين بيت الرجل الفقير والسياسيّ، وهي المسافة ذاتها بين من يكتب النظريّة ويتشدق بها وذاك من يمارسها.

تصبح الأسئلة سخيفة جدًا عندما تكون مبنية على إجابات محتملة، فالله الذي يعرفه الفقير ليس هو الله الذي يعرفه الغني، والتاريخ الذي يعرفه السياسي ليس هو التاريخ الذي يعرفه المواطن العادي، وحقوق المرأة التي تعرفها موظفة الاستقبال ليست هي الحقوق التي تعرفها البائعة.

ولكن مهما كانت الأسئلة سخيفة، من المهم أن تسأل، أن تسألي، أن نسأل... فربما تختبئ أجوبة الحياة الكبرى خلف أسئلتنا العادية أو السخيفة. 

في كتاب "شتات بيروت"، تقول الكاتبة إنّ الناس ظلّوا على مرّ السنين، يسأل أحدهم الآخر: "هل أنت متفائل أم متشائم؟"، هذا السؤال بالغ الأهميّة لأنّ خطط المستقبل تتوقف على الجواب؛ الصمود أم المغادرة. يقول المتفائل: "ستكون الأمور على ما يرام"، ودون توافر أدنى سبب للتفاؤل؛ بينما المتشائم، الغارق أيضًا في جهله، سيقول:" الحالة سيئة، وستصير إلى الأسوأ". 

ليس مهمًّا هنا أن تكون متفائلًا أو متشائمًا، المهمّ أن تسأل، أن تقول أو تصرخ، أن تفعل أو ترفض.. كيف للتغيير أن يحدث وأنت تستقبل الأمور على الدوام ومن ثم تتأقلم معها وكأنّها أشياء عادية، هنالك مثل شعبيّ يقول: "الله ما بيسمع من ساكت"، وكذلك لن يأتي التغيير من فراغ.

ماذا لو...

ماذا لو شاركتُ في حفل تخرّجي الجامعيّ، أو على وجه الدقّة، لماذا لم أشارك في حفل تخرّجي من مرحلة البكالوريوس؟ قبل عاميْن أنهيتُ مرحلة البكالوريوس، وحينها لم أشارك في حفل التخرّج. شيءٌ ما في داخلي أقصاني عن هذا الفرح الجماعيّ، هذا الفرح المعدّ مسبقًا، وتلك القبعات السوداء والزيّ الموحد، الكاميرات والنشيد الجامعيّ، الأكاديميين وأهالي الطلبة... كلّ شيء مبرمج لإنتاج فرحة، منذ تجمّع الوافدين أمام البوابة والحرس حتى خروج الطلبة على هيئة طابور أمام أهاليهم... تلك الفرحة لم تكن مغرية ولا مقنعة بالنسبة لي، حينها كنت أرى هذا الحفل كسيناريو مدّته ثلاثُ ساعات، ربما أكثر أو أقلّ، وحينها أيضًا لم أستطع فصل هذا السيناريو عن سيناريوهات المساقات التي يفرح الطلبة بإنهائها، مساقات ظلّت تطاردني إلى اليوم، وما زلت أسمّيها "مساقات تنابل عبد الحميد". في كلّ مرة يأتي موسم حفلات التخرج، أتذكر مقطعًا من رواية حفلة التفاهة لميلان كونديرا: "أدركنا منذ زمن طويل أنّه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد". بعد ذلك، أتوقف عن التفكير وأبتسم ثم ألزم الصمت.

ولأولئك الفرحين في تخرّجهم من الثانوية العامة، سأُخبِرُكَم بأمرٍ ليس سرًّا؛ لن تبقى الواسطة هي الحلّ الأمثل لكلّ المشاكل التي ستواجهكم لاحقًا، سواء في مرحلة الجامعة أو ما بعدها. ولكن، إنْ فعلتم مثلي وابتسمتم ولزمتم الصمت، "لن يتغير شيء، ولن تتغير أنت، ولن تتغير البلد، سيبقى كل شيء على حاله ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا".

أحدهم يقول: تبدو هذهِ الحياة مزبلة كبيرة، مزبلة تغلي بالنّفاق ويغلبها الجشع. أمّا صمويل بيكيت، فيقول: بداخلي هناك دومًا أحمقان، أحدهما لا يطلب أكثر من أنْ يظلّ حيث هو، والآخر يتصوّر أنّ الحياة ربّما تكون أقلّ بشاعة نسبيًّا لو تحرّك قليلًا.

وعلى سيرة التغيير، ماذا لو... ماذا لو لم يأكل آدم من تلك الشجرة المشؤومة؟ ماذا لو لم تصفع تلك الشرطية الحمقاء وجه البوعزيزي؟ وماذا لو لم يحدث أوسلو، وماذا لو لم يحدث الانقسام... هل تختبئ تحوّلات التاريخ الكبرى خلف أخطائنا الصغيرة؟ ربما، ولكن هل اعتدنا اليوم على الطاعة وصرنا لا نخطئ؟

الموسيقى تغيّر المزاج!

هل تستطيع الأغاني والموسيقى تغيير المزاج السيء؟ ممكن، ولكن ماذا عن السبب الذي جعل مزاجك سيئًا؟ السبب الذي جعلك هائجًا مثل الثور، أو هادئًا مثل الفراشة، تبحث عن شيء ما في الموسيقى كي تنسى ذاك السبب.

وكأنّ الموسيقى والأغاني صارت مخدّرًا، مخدّرًا للمشاعر والظروف الجميلة والسيئة. مثلها مثل حبة "الأكامول"، قليلٌ من الوقت وينصرف الألم. ولكن، من المؤكد أنّ الألم سيعود، وربما تعتاد عليه ويصبح أمرًا عاديًّا، سيعود لأنّ سببه ما زال يبني فيك أركانه، وبالنهاية لن يتغيّر شيء، وستبقى كما أنت.  

في كتاب "من أجل التغيير"، وعلى وجه التحديد في فصل "نحن والاستعمار على"، يتساءل الكاتب: ماذا سيجري لأولئك الذين لا يريدون أن يعيروا آذانهم لتلك الموسيقى؟ ولأولئك الذين يستمعون لأغانيهم الخاصة؟ ولأولئك الذين بدأوا يتكلمون على التغييرات؟ وعلى التطورات، والإصلاحات في معنييْها– إصلاح ما بات لا يستعمل وإصلاح ما يجب أن يكيّف بشكل أفضل للاستعمال-  ولأولئك الذين شرعوا في المطالبة بأشكال جديدة، وبنيات جديدة، وخطى نحو الأمام؟...

ويتساءل الكاتب مرة أخرى، هل ينبغي أن نبقى مستمعين لموسيقى الدعسة الأولى؟ أن نبقى في قاعة الاستماع بانتظار الخطر الخارجي كما حصل لطائراتنا العربيّة صبيحة الخامس من حزيران؟

ثم يقول: عند الاستعمار معلومات عنّا أكثر بكثير مما عندنا عنه. إنه يكيّف بكلّ بساطة موسيقاه وفقًا لانفعالاتنا، ولعقدنا، ونفسيّتنا. إنه يعرف مثلًا أنّنا تجاهه لا نفعل، وإنما ننفعل. وهو عندما يكون قد دخل مرحلة التفكير في مشاكل الغد، في الحُفَر الموحلة التي يريد أن يوقعنا فيها، نكون نحن نفكر في مشاكل الأمس، في التخلص من الحفر الموحلة التي أوقعنا فيها فعلًا...

ولكن، ما شأن الاستعمار بالمشكلة التي بينكِ وبين زوجك؟ وإذا كان زوجك عاطلًا عن العمل ما دخل الاستعمار؟ وربما هو يعمل، ولكن مرّ زمن طويل دون أن تأكلا شطيرة لحم، وربما أنتِ تعملين أيضًا ولكن أيضًا مرّ زمن طويل دون أن تأكلا شطيرة لحم.. 

بالمحصلة، وفي نهاية النهاية، الاستعمار له علاقة في كلّ ما تقدّم سابقًا، وفي كلّ ما تأخّر ولم يأت بعد، وهذه قصة طويلة سوف تأخذنا إلى عالم السياسة، والسياسة ليس لها أمان، وقول للأمان ارجع يا أمان.