لطيفة الزيات ما زالت تطرق الأبواب المغلقة منذ ١٩٦٣

١٣ تشرين الثاني ٢٠١٧

الباب المفتوح لا يفتح باباً واحداً فقط، بل العديد من الأبواب المغلقة، منذ ١٩٦٣ لم يتغير الكثير، لا زلنا نحتاج أن نفتح أبواب العادات والتقاليد المجتمعية المفروضة.

 

"أهلنا اهلنا! هو محدش له اهل غيرنا!"، هذا ما ردت به (ليلى) في بداية الفيلم على صديقتها التي اعترضت على خروجها للمظاهرة، ولم تكن هذه الإشارة الوحيدة في الفيلم على دور الأهالي في منع أو تشجيع أبنائهم على الرفض والمقاومة، وهنا بالمقاومة لست أقصد نوعًا محددًا محصورًا بمعانٍ وطنية. لفتت لطيفة الزيات انتباهنا على أحد الأبواب المغلقة أيضًا عندما قالت مديرة المدرسة لطالباتها: "ان وظيفة المرأة هي الامومة، ومكان المرأة هو البيت، ان السلاح والكفاح للرجال".

 

هنالك مشكلة حقيقية يعاني منها الأبناء بعلاقاتهم مع أهاليهم، ولست أدري أهي مشكلة عربية فقط أم لا. في اعتقاد سائد لدى الأهل بامتلاكهم لأبنائهم لمجرد خروجهم الى الحياة يستمرون بمحاولة السيطرة عليهم، فكونهم ساهموا بوجودهم في الدنيا ينظرون الى الأبناء وخاصة الإناث منهم كملكية خاصة يجب حجبها عن ما يضرها الى حين انتقالها للمالك الآخر، مع اختلاف تعريف "ما يضرها" هنا بالنسبة للأهل. ويقول في أحد المشاهد يعقوب ميخائيل الذي يلعب دور الأب "بنتي وأنا حر فيها" في إشارة الى قدرته على منعها مما يريد.

 

 

 

أما باب الحب، فأخذ حيزًا فلسفيًا جميلًا أيضًا. فهذا المشهد بين ليلى وحسين، هو إعادة لمشهد آخر في بداية الفيلم بين ليلى وعصام، قالت فيه ليلى لعصام: "الحاچة اللي بتخليني أحس اني عايشة بتخليك انت تتكسف؟". برأيي، الصدمات هي أحد الأمور التي تعطي المعاني نوعًا من المنطقية أو -بالأحرى- العقلانية؛ إذ في معنى الحب الحقيقي الذي عاشه حسين كمثال، غلبت المشاعر هذه المنطقيات من الظروف والتقديرات والعادات..إلخ، وكذلك كانت مشاعر ليلى ونظرتها للحب قبل صدمتها، وهذا بالطبع يشكل اختبارًا لحقيقة المعنى.

 

وفي جانب آخر من الفيلم، استطعنا أن نرى أستاذ الفلسفة في الجامعة التي تدرس فيها ليلى، كغيره من المنظرين الذين لا ينفكون عن رمي فلسفاتهم دون تطبيقها، حاملًا أيضًا عقدة السلطوية التي تجعله يظن نفسه مسؤولًا عن خطيبته في إطار "الأصول والعادات"، مع قناعته بمنح نفسه ما يريد كرجل يختلف موقعه بالطبع عن المرأة عندما يتعلق الأمر بالحرية.

 

 

وعندما قررت ليلى إنهاء كل ما يربطها بحسين في آخر رسالة، كان من الجميل إنهاء اللقطة بإغلاق النافذة كرمز على انتهاء كل ما بينهما. إلا أنه ترك فيها أثرًا لتبدأ بالبحث عن ذاتها، فقبل موعد سفره بمدة قال لها إن هذه الطريق هي الطريق الوحيدة التي يجب أن تمشي فيها وحدها، وأنه لكي تصل للبر يجب أن تواجه الموج والبحر. وفي هذه الحقبة من إنتاج الأفلام المصرية لم يكن استخدام الرمز من الابتذال كما هو الآن، ففي الباب المفتوح اُستخدمت رموز كالحمام مرتين، بالإضافة الى انتهاء الفيلم بالطبع بلقطة تعطي معنى الأمان للتدليل على وصول ليلى لهدفها وإيجادها لنفسها بعد ما عانت من صعاب.

 

ليست هذه الكلمات إلا جزءًا بسيطًا من جمالية الفيلم، الباب المفتوح من تأليف لطيفة الزيات أحد الأفلام الجميلة في فترة كانت فيها السينما المصرية تلمع في أوجها. الفيلم يحمل أفكارًا فلفسية أكبر مما اتسعت له هذه المقالة، أفكار وعادات لا زلنا الى الآن نراها ونتعايش معها، نحتاج تغيير بعضها والحفاظ على بعضها الآخر. فرغم أن الفيلم أُنتج في ١٩٦٣ إلا أن مدة صلاحيته لم تنتهِ بعد.