لقاءات الفصائل في بيروت وموسكو: وحدة وطنيَّة أم وطنيَّة الوحدة؟

١٣ شباط ٢٠١٧

مَنْ يقرأ بيان اللقاء الموسع للفصائل في بيروت ومن تابع ما جرى في موسكو أيضاً يمكنه أن يلخص اللقاء بعبارة محببة لرجالات الصلح العشائري: عفى الله عما مضى! فما كانت تطالب به قوى المعارضة منذ سنوات، وهو إجراء مراجعة لنهج أوسلو، لم يكن على طاولة البحث. ما كان، حسب التقارير الصحفيَّة والمقابلات مع مَنْ شاركوا في لقاء بيروت هو عقد المجلس الوطنيّ، ومشاركة حماس والجهاد الإسلاميّ في مؤسسات منظمة التحرير كخطوة ضروريَّة لإعادة ترتيب وضعها. أما ممثل حركة الجهاد في لقاءات موسكو فأعلن أنَّ لا جديد هناك!

وبالتقدير، فإنَّ المزاج الشعبيّ استقبل هذه اللقاءات بواحد من انطباعين، الأول هو عدم الاهتمام، لا سيَّما وأن لقاءات عديدة عُقدت وكانت نتيجتها صفر، ناهيكم عن أنَّه انطباع يسنده عدم ثقة بالقوى والفصائل تشكَّلت منذ سنين وسنين. أمَّا الانطباع الثاني، فهو نتاج تلك الطيبة الشعبيَّة الأخلاقيَّة التي ترى باجتماع الجميع، بمن فيهم حماس والجهاد، مظهراً مفرحاً بعد سنوات من الانقسام. ربما أنَّ المكسب الوحيد هو اللقاء بحدِّ ذاته بعد عشر سنوات عجاف من الانقسام. ولكن تلك الطيبة الأخلاقيَّة واللقاء بحد ذاته شيء، والتمعن بمجريات الحوار وما يمكن أن يؤول إليه وضع الساحة الفلسطينيَّة شيء آخر تماماً، فليس بالنيَّات الطيِّبة تحاكم المسائل السياسيَّة.

أسئلة صادمة لا بدَّ من رفعها للفصائل التي اجتمعت في بيروت وموسكو: ما معنى أن تلتقي القوى والفصائل للمّ شمل الساحة الفلسطينيَّة دون الوقوف أمام الكارثة السياسيَّة الناتجة عن اتفاقيات أوسلو منذ 24 عاماً؟ وتوصيف نتائج أوسلو بالكارثية لا يتردد فقط في خطاب المعارضين بل يتردد أيضاً في تصريحات مسؤولي السلطة وفتح، إذ لا يمكن التغافل عن أنَّ اتفاقيَّة أوسلو وفَّرت فرصة ثمينة، عزَّزتها إدارة الظهر للمقاومة، لتعزيز الاستيطان في الضفة والقدس بأضعاف ما كان عليه قبل أوسلو، إضافة إلى القمع والتنكيل الوحشيّ اليوميّ بالشعب الفلسطينيّ وتقطيع أوصال المدن والقرى بالحواجز ومختلف أشكال الممارسات العدوانيَّة الصهيونيَّة. ويتبع السؤال الأول سؤال ثانٍ صادم أيضاً، وهو: ما معنى استعادة وحدة المنظمة والساحة دون التعرُّض للكارثة الوطنيَّة التاريخيَّة التي تمثلت بإلغاء الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ عام 1996 "على شرف" اتفاقيَّة أوسلو نفسها، واستجابة لمطلب صهيونيّ.

وحتى لو افترضنا جدلاً أنَّ هناك نيَّات طيِّبة بتشكيل حكومة وحدة وطنيَّة فماذا عن التنسيق الأمني مثلاً؟ وفتح، حسبما تسرَّب، رفضت بحث الموضوع في لقاء بيروت! ماذا عن آلاف الموظفين الذين وظَّفتهم حماس وترفض سلطة أوسلو في رام الله الاعتراف بهم؟ وقبل هذا وذاك، ماذا عن البرنامج السياسي الذي ستُستعاد وحدة المنظمة على أساسه؟ ولا نعني هنا البرنامج/ الأيقونة؛ برنامج الدولة وحق تقرير المصير والعودة المعروف كبرنامج رسميّ للمنظمة، نقول أيقونة لأنَّ البرنامج أضحى في وادٍ والممارسة السياسيَّة للقيادة الفلسطينية في وادٍ آخر. فهل ستستعاد وحدة المنظمة على أساس برنامج المفاوضات التي حصدت كوارث منذ 24 عاماً أم برنامج المقاومة كطريق لدحر المحتل؟ وهذا ما نعتقد أنَّه المفصل الأساس الذي يبدو غائباً عن لقاءات موسكو وبيروت. لذلك، ولكلِّ تلك الأسئلة الصادمة لا يلوح ممكنات في الأفق لإعادة توحيد القوى على قاعدة المقاومة، ويبدو أنَّ المنطقيّ، كما منذ سنوات، هو التساؤل عمَّا إذا كنا بحاجة لوحدة وطنيَّة أم لوطنيَّة الوحدة؟ فرق كبير بين الاثنتين!