لماذا الانتفاضة؟

٢٥ كانون الأول ٢٠١٦

لأنّها طريقنا إلينا، إلى ما كنّاه، وإلى ما لن نكون، إن لم نكنه.

لأنها بوجود الاحتلال الصريح، والمقاومة الصريحة والمقولة الواضحة تُرجع إلى أكفّنا أصابعًا مبتورة نسيناها تحت ركام المجازر الكثيرة وأكوام الجثامين الجديدة، لنعيد تلمّس وجوهنا المسربلة بالكوفيّات والعرق. ولأنّها تفتقر جدّا إلى المصالح الوطنيّة العليا، وأسباب الاعتقال بتهمة التطاول على المقامات العليا وثقب جدران المستوطنات، ومكافحة حليب تنوفا،  وإعادة صفد إلى موقعها في شمال فلسطين (وشمال فلسطين ليس جنين بالمناسبة، ولا الخليل محافظة جنوبية). لأن الانتفاضة تعيد الجغرافيا إلى سيرتها: نابلس وطولكرم في وسط فلسطين، لا أقلّ. (وتايلاند في مكان قصيّ من العالم)، وتعيد كل شيء إلى ارتفاع السنابل، أقلّ قليلًا، بحجم جبين شهيد، أو أعلى قليلًا، بحجم حجر يسقط سقطة حرّة على خوذة الجندي، أو دوريّ يهرب من غيمة الغاز. أو بأعلام غير مخيّطة جيدًا، لكنها تخفق كما يجب.

الانتفاضة هي وجهنا نحن، هي الدخان الأسود الذي غابت فيه الوجوه، لكن الوجوه كانتبرغم ذلك أوضح. هي الكوفيّات التي لم تظهر منها سوى العيون، واختفى خلفها الشخصيّ والفرديّ . فلكي تحلم، يكفيك عينان مغمضتان، ولكي تحقّق حلمك، فإنك بحاجة إلى آلاف الأحداق المفتوحة عن آخرها. (لكننا اليوم نغمض العيون ونشيح بالوجوه عن بلد مسربلة بالخذلان الذي يبثّ على الفضائيات بثّا مباشرًا، في الندوات التنمويّة، وفي تشكيلات الوزارات، وفي وجوه بشوارب،  تحمي المستوطنات منّا). الانتفاضة هي التراب الذي غاصت فيه جثامين الفتية والفتيات المعرّقة بمجهود رفع القبضات والهتاف وإسقاط الاحتلال المسلّح والمدعوم من أكثر من جهة ومن أكثر من صديق.  (وجوه هؤلاء لم تتغيّر بالمناسبة، ولا بوصلاتهم). الانتفاضة هي Blo التي رفعها الشهداء شعارًا، (ولا تتحدّث الإنجليزية بالمرّة على عدسات المراسلين الشقر). هي ذات الـBlo التي لا يتوقّف نشاطها عند حاجزيّ قلنديا والجلمة، ولا تعرف حدودًا سوى رأس الناقورة.

نجتمع اليوم، فلسطينيين من عموم فلسطين، من حيفا (وهي، لمعلومات كتّاب منهاج الجغرافيا الجديد، تقع على ساحل فلسطين الذي يشمل سواحلا غير “العوجا”)  ومن رام الله (وهي، للمعلوميّة فقط، مدفونة اليوم تحت المباني البيضاء العالية، وشوارع اليو إس إيد) ،  ومن غزّة (نعم، هي ذلك المكان الذي يقصفونه بشكل دوري، فنخرج نحن للتضامن معه، كالأجانب، بشكل دوري). ومن الشتات: الناجين من مجازر كثيرة، القابضين على الحلم بالجفن في مخيّم البدّاوي.
نجتمع اليوم، فلسطينيّين في أرجاء فلسطين، وفي شتاتها، لنحيي ذكرى الشهداء الفتية، والسجينات البطلات، والحجّات اللواتي كنّ يخطن الأعلام، وأولاد المدارس في القصبة والياسمينة. واللاجئين الذين ثقبوا السماء بالهتاف لدى كلّ مجزرة، وعند كل اغتيال. ونرفع فلسطين في وجه المخاتير القدامى، المخاتير الجدد، الذين يريدون الاكتفاء من الغنائم بالسلامة وبالمساعدات الأجنبية.

في عمّان، وفي البدّاوي. في رام الله وفي غزّة وحيفا نجتمع اليوم لنقول:

لا صوت يعلو فوق صوتها. لأنها هي صوتنا الوحيد، الآتي من العمق، المستند إلى دم صائب الاتجاه وكاف لرسم خارطة مثلّثة حمراء على يمين علم يخيطه الأولاد وأمهاتهم تحت ضوء السراج، لا أعلام made in china.