"لن تستطيعوا تعقيمنا"

٠٦ آذار ٢٠١٨

واقع الإنسانيّة مثيرٌ للشفقة، لا حاجةَ للمزيد من الضحايا، وإن كانت لدينا شفقة كافية، لكنّا أعفينا الجيل المقبل من قسوةِ القدوم إلى عالمٍ مضطربٍ كهذا، فكلّ من ينجب الآن يُجرم بحقّ أبنائه.

ما سبق يلخّص جانباً من الفلسفة اللاإنجابيّة التي تلقى مؤمنين بها حول العالم، وفلاسفةً ومفكّرين نادوا وينادون بها. وفي حين يَنظرُ اللاإنجابيّون إلى التكاثر كمجرّد طريقةٍ لتجديد المعاناة البشريّة، ينظر سواهم إلى الخصوبةِ كأداةٍ سياسيّة للسيطرة على الشعوب، وانتهاكِ أرحام النساء لسلبهنّ خصوبتهنّ تماماً، أو لتجنيد صحتهنّ الإنجابيّة للتحكم بالسكّان. لكنّ الأمرَ ليس نزالاً أحاديّاً، فالرحم في الوقتِ ذاته أداة النساء والمجتمع لمقاومة ذاك الانتهاك، وساحة معارك مع الاستعمار والامبرياليّة، غير مقتصرة على الحرب الديموغرافيّة فحسب.

التعقيم قسراً

جابَ الآلافُ شوارع عاصمة البيرو في أيّار 2016 ينادون: "نحنُ بناتُ السكّان الأصليّين، لن تستطيعوا تعقيمنا"، بقيادة شابّاتٍ لطّخنَ أفخاذهنّ بطلاءٍ أحمر، احتجاجاً على التعقيم القسريّ بحقّ حوالي 300 ألف امرأة بيروفيّة بين عاميْ (1996-2000)، تحت غطاء "برنامج الصحّة الإنجابيّة وتنظيم الأسرة"، وذلك في عهدِ الرئيس السابق ألبرتو فوجيموري، الأمر الذي أنكرته ابنته، المرشّحة الرئاسيّة لعام 2016 كيكو فوجيموري.

وحذّرت عصبة تنظيم النسل الأمريكيّة من أنّ "السود يتكاثرون بصورةٍ كارثية!"، فكان عددُ النساءِ السواداوت واللاتينيّات اللواتي تمّ تعقيمهنّ أكبر من المنتميات للعرق الأبيض، وتمّ تعقيم ربع النساء المنتميات للسكّان الأصليّين. أمّا في بورتوريكو- المستعمرة الأمريكيّة- فكانت ثلث النساء البالغات، بحلول عام 1968، عقيمات. معظم هؤلاء النساء دخلن إلى غرفِ العمليّات بقصدِ إجراء عمليّات جراحيّة بسيطة كاستئصال الزائدة الدوديّة، وخرجنَ منها وقد استُئصل آخر أملٍ لديهنّ للإنجاب[1].

تتشاركُ النساء اللواتي تمّ تعقيمهنّ في الأمريكيّتيْن بكونِ العِرق عاملاً أساسيّاً في التعدّي على حقّهن بالإنجاب، إضافةً إلى موقع السكّان الأصليّين المُستعمَرين، الذين يُعتبر تعقيمهم فرصةً ذهبيّة لمحوِهم عن الوجود. أمّا في الهند، فتجلّت السياسات التنمويّة الاستعماريّة، وعلى مدار الأعوام الماضية، ارتمت آلافُ النساء الهنديّات على القشّ، أو على مقاعد مدارس قراهنّ، يتقلّبن من الألم دون تخدير، بينما يُجري لهنّ طاقمٌ طبيّ غير مؤهل عمليّة تعقيم إجباريّة، ضمن محاولةٍ دوليّة "سخيّة" لكبح جماح التزايد السكانيّ. في إحدى القرى الفقيرة عام 2014 مثلاً، خلال ستّ ساعاتٍ فقط، خضعت 83 مرأةً هنديّة للعمليّة، نزفت 14 منهنّ حتى الموت.

تَعِدُ الحكومةً الهنديّة النساء وأزواجهنّ بمكافأة ماديّة يبلغ قدرها ما يعادل 15 دولاراً، في حال خضعن لتلك العمليّات، لتبدوَ "طوعيّة" دون أن يعلمنَ أنّها ستؤدي إلى عُقمٍ دائم، ويخبرهنّ الأطباء بأنّها بسيطة، وسيذهبنَ إلى منازلهنّ في المساء[2].

وتنظّم الحكومة الهنديّة معسكرات التعقيم منذ ثمانينات القرن الماضي، بدعمٍ من البنك الدوليّ ووكالة التنمية الأمريكيّة USAID والحكومة البريطانيّة، الأخيرة قدّمت عام 2012 تمويلاً بـ166 مليون جنيه استرليني لبرنامج "التعقيم القسريّ للنساء والرجال الهنود"[3]، ثم تجرّأت "BBC" لاحقاً- في تقرير حول معسكرات التعقيم- أن تتساءل: هل الهند مهووسة بتنظيم الأسرة؟

لطالما كان "العالم الأوّل" مهووساً بالتهرّب من مسؤوليّاته، فأنكرت وكالة التنمية الأمريكيّة علاقتها بمعسكرات التعقيم، وقدّمت تعازيها بالنساء- ضحاياها- بينما كشفت وثائق "معهد بحوث السكان PRI"، أنّ USAID كانت على رأس برنامج تنظيم الأسرة في الهند لأكثر من عقديْن، وموّلت عشرات آلاف المعسكرات، ما نتج عنه أكثر من 800 ألف عملية تعقيم إجباريّة[4].

وفي حالةٍ أخرى، لا تكتفِ "إسرائيل" بكونها كياناً استعماريّاً استيطانيّاً، بل مارست وتمارس العنصريّة والتفوّق الأبيض، فنَفت وزارة الصحّة "الإسرائيليّة" حقنها للنساء الاثيوبيات بعقارٍ يمنع الحمل ويشكّل خطراً على حيواتهنّ، إلى أن أُجبرت الوزارة على الاعترافِ بذلك عام 2013 ومنعت العقار إثر ضغطٍ من الجمعيّات الحقوقيّة.

على أيّة حال، التعقيم القسريّ ليس وليدَ العقود القليلة الماضية، فطبّق النازيون قانوناً صارماً عام 1933، بتعقيم حوالي 400 ألف شخصٍ يعانون أمراضاً وراثيّة، ومات ستّة آلاف منهم جرّاء العمليّات، كلّ ذلك بهدف "تحسين النسل"؛ النهج ذاته الذي اتّبعته الولايات المتحدة الأمريكيّة عند تنفيذها برنامجاً لتعقيم من يحملون "صفاتٍ وراثيّة غير مرغوب فيها"، بين عاميْ 1920 و1970.

طوق النجاة

هناك مفهومٌ أخفّ على السمع من التعقيم، ولا يدعو إلى الهلع- للوهلة الأولى على الأقلّ- فتصرّح حملات تنظيم الأسرة أنّها جاءت لتنشر التوعية، لكي يختارَ الأزواجُ كم طفلاً سينجبون ومتى، لكنّها في أغلب الأحيان تأخذ القرار مُسبقاً عنهم.

الاستعمارُ الصهيونيّ من أبرز موظّفي "تنظيم الأسرة" كأداةٍ للسيطرة منذ عام 1973، حين قدّم مستشار رئيس الوزراء الاسرائيليّ للشؤون العربيّة، شموئيل توليدانو، مذكّرةً يقترح فيها ضرورة الترويج لمفهوم تنظيم الأسرة في المجتمعات "العربيّة الإسرائيليّة"، من أجل خفض معدّل الولادة لدى الفلسطينيّين. واعتمدت حكومة الاحتلال مذكّرة توليدانو عام 1974 كسياسة رسميّة حتى عام 1991 [5].

على صعيدٍ آخر، هناك محاولات أكثر لباقة- ظاهراً- للتحكّم في سكّان الدول "النامية" والمستعمَرة؛ تطبّقها USAID بإتقان، فهي تنظّم عشرات ورشات العمل حول تنظيم الأسرة، في الفنادق والقاعات والمجالس المحليّة، كما توجّت سلسلة حديثة من تلك الورشات في الأردن بمسابقةٍ للأزواج المشاركين، بعنوان "مسابقة للتخطيط للحياة سيتمّ من خلالها تقدير الفائزين كقدوات للمجتمع".

وفي تمّوز الماضي، ألقى الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي "طوق نجاة" لشعبه في الأرياف، وهي حملة توعية لتنظيم الأسرة، وإبطاء معدّل النمو السكانيّ الذي وصفه السيسي بالخطر على التنمية، ووازاه بالإرهاب قائلاً: "إنّ مصر تواجه خطريْن، الإرهاب والزيادة السكّانيّة"[6]. ورُغم أنّه يصعب تقديم خبزٍ وحليبٍ مجّانيّيْن، إلّا أنّ الحكومة المصريّة توفّر وسائل منع الحمل، ودعماً للواقي الذكريّ.

تزايد النموّ السكانيّ، أو الانفجار، فعلاً له تبعاتٌ خطيرة، ومنها الفجوة بين الموارد وعدد السكّان، ما ينتج عنه- مثلاً- نقص في المياه والأغذية- الموزّعة بعدلٍ شديد لولا أنّ الفقراء كالأرانب- ولا أحد ينكر أنّ هناك علاقة بين الزيادة السكّانيّة والفقر، ولكن دائماً ما يُلام الفقراء على تلك الزيادة، فللأسف لم تؤثّر فيهم كلّ حملات التوعية المموّلة، وكلّ العناوين اللّطيفة مثل "بكرا أحلى"، "نظموا الحمل بتخففوا الحمل"، "التخطيط الأسري من أجل الوصول إلى رفاه اجتماعي اقتصادي".

وبما أنّهم- الأرانب- يتحمّلون مسؤوليّة الانفجار السكانيّ، فهم يتحمّلون  بالتالي مسؤوليّة فقرهم وتأخرنا عن الرفاه الاجتماعيّ الاقتصادي. لعلّ العلاقة الأهمّ بين الفقر والتزايد السكاني تتضّح في كون الاستثمار الوحيد لدى أغلب العائلات الفقيرة هو الإنجاب، فهم ينظرون إلى أطفالهم على أنّهم عمّال منتظرون يعيلون الأب والأمّ حين يكبرون، في ظلّ انعدام أيّ تأميناتٍ صحيّة أو ماديّة.

كلّ ما سبق ليس حرباً على توعية الأُسر بصحة أفرادها الجنسيّة والإنجابيّة، لكنّه مجابهة لكلّ المفاهيم والحملات التي تدّعي أنّها تمكّن المرأة وأسرتها، بينما هي في الحقيقة تسلب حقوق المجتمع الأساسيّة بتقرير تكوينه، وتنتزعُ الأسرةَ من دورها الاجتماعيّ والسياسيّ، فتفرضُ عليها شكلاً واحداً متلاعبةً بالديموغرافيا والثقافة على حدّ سواء.

"مش أولادنا لحالنا"

تموضع الأسيرُ المحرّر زياد قواسمة أمام الكاميرا بعد قضائه 13 عاماً في الأسر، وابناه التوأمان عمر ويوسف يجلسان في حضنه، يروي حكايته معهما لوكالة "وطن": "أنا كنت مثل كلّ الأسرى، عايش خلف الراديو، إذا سمعت سلامات من الأهل على الإذاعة بنامش يومين من التأثّر(...) كنت في ساحة السجن، نادوا عليّ الشباب إنه أجاني توأم، ما توقعت لأنّه أبكر من موعد ولادة زوجتي بـ10 أيّام. بكيت يومها من الفرحة". قال قواسمة إنّه أمضى سنينه في السجن يفكّر في أمرٍ واحد: كيفية الحفاظ على نفسه وعلى استمراريّته وضمانه أنّ معنويّاته لن تنهار. دوماً ما يكرّر الأسرى المحرّرون وذووهم تشبيه السجن بالموت وبالانقطاع، بينما يصفون تهريب النُطف بالحياة، بالنجاة، بالتجدّد، بتحدّي قهرِ السجن.

آلافُ الاحتمالاتِ واردة للدافع وراء الإنجاب، لكنّ دافع الأسرى وعائلاتهم لتهريبِ النُطف من داخل سجون الاحتلال واضح: أن تستمرّ حياة الأسير وعائلته خارج زنزانته، رغم أنّ الاحتلال لا يعترفُ بنسب أطفالهم إليهم ويمنع الصغار بالتالي من الزيارة، ورغم أنّ البعضَ لا يرى في ذلك تحدّياً بقدرِ ما هو محاولة عيشٍ افتراضيّة لا تغيّر من حقيقة الأسر شيئاً.

تتشابه التقارير المصوّرة العديدة عن تهريب النُطف؛ تحملُ الأمّ الطفلَ بين ذراعيها، ويحضر الآباءُ حضوراً جزئياً في الصور وراياتِ أحزابهم وكوفيّاتهم، فإمّا يكونون في إطاراتٍ مذهّبة صغيرة فوق رأس الأمّ، أو أحدث صورهم مطبوعة على لافتةٍ كبيرة بجانب السرير، أو منقوشة على قميص الرضيع، حتى أنّ صورة الأسير إيهاب أبو نحل وُضعت على شاشة الهاتف النقّال بجانب مهدِ رضيعه سعد، تنيرُ وجنةَ الصغير اليمنى.

أكثرُ من يبدين السعادة هنّ الجدّاتُ، فَرِحات بمن يشبه أبناءَهم الغائبين، يطلقن الزغاريد، ويوزّعن الحلوى، ويؤكّدن دوماً للكاميرات: "فرحتنا ناقصة". الفرحة ناقصة، لكنّها عامّة شعبيّة؛ فاصطلح الإعلامُ المحليّ على تسمية هؤلاء الأطفال، وعددهم حوالي 60 طفلاً حتى الآن، بسفراء الحريّة. أوّل سفيرٍ بينهم كان مهند عمّار الزبن، المولود عام 2012، وكان عيدُ ميلاده الأول بمثابةِ مناسبةٍ وطنيّة، فحظي بتغطيةٍ خاصّة على قناة فلسطين الفضائيّة، وحضرته شخصيّات سياسيّة رسميّة.

قالت والدة الأسير فادي مطر، المحكوم بالسجن عشرَة أعوام، للـ"فجر الجديد" إنّ توأمه مجد وجنى "مش أولادنا لحالنا، هذول أولاد جميع الأسرى"، كما أقامُ أهالي قرية عوريف قرب نابلس موكبَ سيّارات تحملُ أعلامَ حركة فتح يزفّ فتحيّة الصفدي، زوجة الأسير أشرف الصفدي، بعد أن أنجبت، تماماً كالزفّة التي يحظى بها الأسرى عادةً يوم تحرّرهم.

عائلاتُ الأسرى في سباقٍ دائمٍ مع الزمن، إحدى جولاته أن تصلَ النُطفة المهرّبة من السجن إلى المُختبر خلال مدةٍ أقصاها 72 ساعة، ما يعني فعليّاً أن تحقّق الزوجاتُ حلمهنّ بالأمومة قبل أن يباغتَهنّ الزمن، وتضيع فرصتهنّ البيولوجيّة للإنجاب، أن يهزمنَ الغياب والعزلة، ويجدّدنَ الحياة ويمددنَ أسرهنّ بها، على أملِ أن يكون الزمن رفيقاً بهنّ وبأبنائهنّ بعدها، فيمرّ نحو التحرّر بسرعة.

 


[1] سميث، شارون. 2016. في تنظير قمع المرأة: النسوية السوداء والتقاطعية. https://goo.gl/uumf4f

 

[2] Burke, Jason. 2014. India’s population policies, including female sterilisation, beset by problems. https://goo.gl/cL15Ut

 

[3]  Chamberlain, Gethin. 2012. UK aid helps to fund forced sterilization of India's poor. https://goo.gl/EwvkDz

[4] McGovern, Celeste. 2015. USAID Funding of Sterilization Camps in India. https://www.pop.org/usaid-funding-of-sterilization-camps-in-india-part-1/

 

[5] Nasrallah, Mai. 2016. Politicizing the Womb, the Case of the Palestinian\Israeli Conflict.