ليلٌ آخر.. ورسالة أخرى

٠٦ آذار ٢٠١٨

إنّها الثالثة بعد منتصف الليل، لا شيء يثيرُ الدهشة أكثر من صوت ساعة البندول العملاقة، وبعض الأغاني القديمة التي لها من المجد أن تحطّم هذا الهدوء، الهدوء الذي أُسميه أرق، ولها من المجد أيضاً أن تضع لكلّ شيء مناسبة، حتّى أكثر اللحظات تفاهة وأشدّها عبثيّة ستصبح مناسبة ذات معنى عندما يرق لها السمع.

وحدها الموسيقى كفيلة بإعادة ترميم ما مزّقته الذكريات، إنّها تواسي اشتعالَ الحنين الذي يعترينا تجاه الأشياء. الأشياء التي خسرناها، الأشخاص الذين افتقدناهم ثمّ لم يعودوا، ولن يعودوا. إنّ ما تفعله الأغاني القديمة تجاوزَ ما قدّمته الحداثة، إنّها ببساطة السيناريو الذي يُدير أعمال الحاضر. أمّا ألحانها، فهي الأداة التي تبثُّ الروح في الحروف ممّا يجعلها كائنات حيّة، تُشعرنا ما تشاء ونُسمّيها ما شئنا.

لا أدري من أين أبدأ، ولكن سأكون متفائلاً قليلاً وأقول إنّكِ ستقرئين هذا النّص، ولن تهمليه كالعادة، إنّني كما أنا أثورُ اشتعالاً في تتبّع الألحان، وأحيا بالحناجر، وأخرجُ كلّ صباحٍ ومعي وحدتي، أتجوّل في سماء العواصم العربيّة وأنثر فوقها أنصاف قلبي وأحلامي، من بغداد حيث وُلد اللحن حزيناً حتّى حلب وقدودها التي امتلأت بالغبار.

يمضي بي الوقتُ إلى حيث لا أعلم، والليلُ جاثياً فوق رأسي، والدقائق تَمٌرُّ كأنّها سنوات. لا شيء جديد، ستمضي ليالي الشتاء، وستأتي ليالي الربيع مرّة أخرى ولن يتغيّر شيء، ستبقى الأحلام حائرة، وستبقى الأفكار تفتّش عن مستقرٍّ لها.

 كالعادة، سأفتّش في ليالي الشتاء عن نجومٍ لي فوق السحاب، وسأبحث في الصباح عن نهاية الطريق خلف الضباب، سيدفعني الحنين إلى تكرار أشياءٍ كنّا قد فعلناها معاً، لكنّني الآن أفعلها وحدي. وكما تعلمين، وحده صوت المطر سيحفر في أذهاننا أصواتاً سمعناها معاً، حتّى البخار على زجاج النوافذ سيكتب بأيدينا أشعاراً حفظناها معاً. وكما تعلمين أيضاً، كل الأشياء الجميلة تنتهي إلّا الشتاء، يعودُ دائماً ليؤكّد أنّنا افترقنا ولن يتغيّر شيء.

قُلت لكِ أن الذكريات يقف لها الحاضر خاشعاً مغمَض عينيه، قُلتِ لي أنّ قلبك لا ينبض إلّا ليلاً، وها هو الليل يا صديقتي يجتثّ من قلبي حضوره، ويسرق من جلدي وقود غده.

والآن هي الرابعة بعد منتصفِ الليل، ولم يتغيّر شيء، إنّني أنتظرُ شيئاً لست أدري ما هو، شيئاً ليس بشرياً يَصرِفُ لي الأحلام، شيئاً يرتّب هذا الليل، يكتبني في أقلامه، يصرخني في حنجرته، يصيغني جملة في مذكّراته، أنتظرُ صمتاً أسمع في هدوئه صوتَ من رحلوا، أنتظرُ لحناً غريباً ووجهاً لا أعرفه.. وبالنهاية أُدرك مثلكِ تماماً أن شيئاً من هذا لن يحدث.

هل هو سوء الطالع؟ لا. هي الخطيئة إذن، تلك التي ورثناها من أبانا الأوّل مثلما يرثُ الليل النهار، الخطيئة الأولى المحمّلة بالقسوة، القسوة حتّى السخرية، والسخرية حتّى الشفقة، الشفقة التي تدفعنا إلى التماهي مع معاناة الآخرين.

نعم إنّها الحياة، نمضي بها وتمضي بنا، ولكن إلى أين تأخذنا؟ نفتّش عنها فيبحث عنّا الموت، نولد فيها لنخرجَ منها ويعودُ منّا وارثاً فيها، وارثاً يحمل الأعباء التي تبدأ من حيث لا تنتهي، إنّها يا عزيزتي خدعة كما يقول آرثر شوبنهاور، وهي لا تهبنا سوى الأوهام جملةً وتفصيلاً، هل هي تعد بشيء ما؟ هي لا تفي بوعدها، وإذا منحتنا شيئاً ما، فإنّها لا تلبث أن تسترده، وما المكان والزمان إلا شكلان أساسيّان لهذه الخدعة ولهذا الوهم.

 الساعة الآن الرابعة والنصف بعد منتصف الليل، وقريباً سيأتي الصباح، ماذا إذن؟ لا شيء. الصباح الذي تمقتينه لا يعتريني، سأنام ليسقط الصباح ومعه الحنين والأشواق في كومة الماضي.. سأنام الآن، وسأترك لكِ نصف قلبي ونصف روحي، فهذا ما أبقاه لي الدهر منّي، وهذا ما أضعه بين يديك مكرها لا طائعاً فأنا لم أعد أقوى على أنصافي.