ماذا تفعل كاميرات المراقبة بنا؟

٠٦ آذار ٢٠١٨

حوّل الاحتلال الضَّفة الغربيَّة إلى سجنٍ كبير محصور بالمستوطنات والحواجز والطرق الرابطة بين مستوطناته، مع ضبطٍ لجميع تحرّكاتنا، وذلك بأهمِّ وسيلة في إحكام هذا السياج: "الكاميرات" المنتشرة على الطرق وفي مواقعه العسكريَّة، حتّى نجد أنفسنا بين حلقات "الشُبهة" في أيِّ لحظة، ونحن فوق ذلك "مشتبهٌ بنا" بعقليَّة الاحتلال، لأنَّنا فلسطينيّون.

المراقبة

استطاعت هذه المنظومة أن تؤسِّس فينا سلطةً ذاتيّةً تجعلنا نراقب تحرّكاتنا خوفاً من الوقوع في "الخطأ"، وعبر الزمن استطاع الاستعمار ترسيخ فكرته فينا ومحاصرة تفكيرنا، حتّى في المواقع "الأمنيّة" البشعة التي بناها، والتي قد تكون أقرب إلى فزّاعة الأرض التي تطرد الطيور عن محاصيلها، ولكنَّها شكَّلت حالة ردع ذاتيَّة.

تحدّث ميشيل فوكو عن السياسات الحيويَّة في مجتمع المراقبة، والتي تنطبق عليه آليات السلطة الإمبرياليّة الاستعماريّة، وعن المجتمع الانضباطيّ ومجتمع المراقبة. والمجتمع الانضباطيّ هو الذي يُبنى فيه التحكّم الاجتماعيّ والسياسيّ عن طريق شبكة متشعّبة من الأجهزة، التي تنتِج وتنظِّم العادات والتقاليد والممارسات المنتَجة، والأفكار في بعض الأحيان. وتجعل هذه الشبكة المتشعّبة الفرد "إمبرياليَّاً" عـن طيب خاطر، دون أن يدرك التأثير الاستعماريّ على عقله ونفسيَّته وسلوكه الاجتماعي.

يوصلنا هذا إلى التأديب الذاتيّ، الناتج عن الممارسة الاستعماريّة العنيفة على المجتمع والفرد، والتي تحاول استدخال نظريَّة القوّة والرقابة للعقول: "أنت مُراقب". يتهرّب الفرد هنا من أيّ فعلٍ ثوريّ مقاوِم بسبب الرقابة، وبالتالي يحكم على عمله بالفشل قبل القيام به. نستدلُّ على ذلك من خلال كشف الاحتلال لخلايا المقاومة خلال السنوات السابقة، ممّا يؤدّي بالفرد لأن يضبط نفسه عن أيِّ فعلٍ مقاوِم، خوفاً من تلقّي العقاب، وخاصّة في ظلّ سياسة الانتقام الاستعماريّ للاحتلال الصهيونيّ.

تصرُّف القوة الاستعماريّة باعتبارها "مراقِبة" للفرد، يكتسح أعماق الوعي وأجساد السّكان، وتتوسّع عبر اندماجٍ كلّيّ للمنظومة الإمبرياليَّة الاستعماريَّة ومنع أيّ فعلٍ ثوريّ. كما عمل الاحتلال اليوم على إكمال منظومة المراقبة من خلال إدخال الكاميرات بثمنٍ بخس على السوق الفلسطينيّ بعد أن كانت تكلفتها باهظة، وذلك لكي يُجهِز على الفعل المقاوم بشكلٍ كامل، ويخلق أزمة أخلاقيَّة بين أفراد الشعب الفلسطينيّ. وبعد أن حقّقت هذه الكاميرات مهمّتها الاستخباراتيَّة، أصبح لا بدّ من دعم تركيبها؛ كاختلاق القصص حول "سرقات"، الذي شكّل دافعاً للناس لشرائها وتركيبها، حتّى أصبحت ظاهرة منتشرة تشكّل خدمة مجانيَّة للاحتلال.

دور الكاميرات في خدمة الاحتلال

عندما يسير الاحتلال مسافة 60كم بعد عمليّة نابلس شمالاً، في قطارٍ من الكاميرات المركَّبة هناك، نكون قد رسمنا خارطة لاستخبارات الاحتلال وسهّلنا عليه الوصول إلى المقاومين وتصفيتهم، وتصفية الفعل الثوريّ. عن حسن نيّة وعن غير قصد، فإنّ صاحب الكاميرا يقع في فخ التنسيق غير المباشر مع الاحتلال وإعانتهم، دون قصد، على قتل المقاوم.

لذا لا بدّ من السؤال عن الذي منح الحقّ لصاحب الدكّان، والبيت، والمؤسّسة، من أن يصوِّروا المارّة؟ ومن الذي أعطى الحقّ بالاحتفاظ بالصور والتسجيلات؟ ما هو رأي القانون والمجتمع بكاميرات المراقبة؟ من منّا يرغب أن يكون مراقباً تحت عيون الكاميرات طوال اليوم؟!

عندما يسمح الاحتلال بأمر، فمن المؤكّد أنّه يحقِّق شيئاً منه لمصلحته. وعندما تخرج طائرة استطلاع من المقاومة في قطاع غزّة أو الجنوب اللبنانيّ إلى الأراضي المحتلّة، يستنفر الاحتلال قوّاته الجويّة ويعمل على إسقاطها، كما أنّ أوّل ما يقوم به الاحتلال في أيّ عدوان على غزة، هو قصف مواقع المراقبة التي تستخدمها المقاومة. ولكن، وعلى العكس تماماً، فهو يسمح للكاميرات الطائرة بالضفة بالعمل، لأنَّه يستفيد منها استخباراتيّاً، وهذا ينطبق على سماحه لتركيب الكاميرات بالشوارع. وبعد ربط الكاميرات بشبكة الإنترنت، فمن المُتوقّع أن تُبثّ كلَّ تسجيلات الكاميرات مباشرةً في مكاتب الاستخبارات "الإسرائيليَّة".

"المحافظة على الأمن" يستخدمها أصحاب البيوت والمؤسَّسات والمحال التجاريَّة كمقولة لتبرير قيامهم بتركيب الكاميرات، إذ أنّها أصبحت "موضة" يتباهى بها أصحابها الذين ساروا على نهج من سبقهم بالفعل. ولذا أريد أن أسألهم: هل حقّاً أردتم أن تكونوا ذراعاً للاحتلال بدلاًمن أن تكونوا ذراعاً للمقاومة؟!