ماركس والرأسماليّة

٢٨ أيار ٢٠١٨

محاضرة نظّمها ملتقى "نبض" الشبابيّ في الذكرى المئويّة الثانيّة لميلاد كارل ماركس، قدمّها علي عامر.

أوّلاً: فجر جديد؛ أبرز إسهامات ماركس الفلسفيّة

تشكّلت الطبقة البرجوازيّة في خضم صيرورة ثورتها على الإقطاع، ومع تشكّلها تشكّل المجتمع الرأسمالي الجديد في حينه، فدخلت البشريّة في عهد جديد، هو عصر الرأسماليّة.

وكان التنوير والحداثة الأوروبيّان السلاح النظري للبرجوازيّة. وكما نمت البروليتاريا مع نمو البرجوازيّة، وكما تشكّلت تلك الطبقة في رحم المجتمع الرأسمالي الجديد، تشكّل العلم الماركسي في رحم الحداثة والتنوير، وكما كانت البروليتاريا نقيضاً جذريّاً للبرجوازيّة ومجتمعها الرأسمالي، كان العلم الماركسي نقيضاً تامّاً وجذريّاً لفلسفات الحداثة والتنوير، وكما أنّ الماء عند درجة محددة من ارتفاع درجة حرارته ينقلب إلى بخار، وعلى مبدأ التحوّل الكيفي الذي يحدث عند درجة محددة من التراكم الكمي التدريجي، كانت الماركسيّة تحوّلاً كيفيّاً جديداً شكّل نقطة انقلاب وتحوّلاً على منحنى النمو الكميّ التدريجيّ للعقل النظريّ الأوروبيّ.

وعليه، فإنّ الماركسيّة لم تنشأ من العدم ولم تنزل من السماء ولم تنبلج من ثنايا عقلٍ ذكيّ انطوى في كهف ليخرج إلى الناس بمعتقد وفلسفة جديدان، كما أنّها ليست أبداً استمراراً عاديّاً طبيعيّاً لعقل الحداثة والتنوير.

منهج الماركسيّة هو الديالكتيك الماديّ، وهو النقد الديالكتيكي لماديّة فيورباخ، والنقد الماديّ لديالكتيك هيجل. تعتقد الماديّة أنّ المادة هي الأساس، وأنّها خالدة وسرمديّة، وتحدّد المادّة بأنّها كل ما هو موجود وجوداً موضوعيّاً خارج دماغ الإنسان، وتعتقد أنّ الدماغ البشري هو أعلى أشكال المادّة التي نعرفها، وهو أكثرها تطوّراً وتعقيداً، وأنّ الوعي هو انعكاس المادة في الدماغ، أي انعكاس الواقع الموضوعي في سياقه التاريخي وبطبيعته المتحرّكة، حقيقة الواقع كما هي، بمعزل عن أيّ أوهام أو أماني أو افتراضات، وأنّ الدماغ أو الفكر يحوي من الحقيقة بقدر اقترابه من حقيقة الواقع الموضوعي.

وماديّة ماركس هي ماديّة ديالكتيكية، أي أنّها لا تنظر للواقع نظرة سكونيّة، بل نظرة متحرّكة، فجوهر المادة هو الحركة، ولا يوجد مادة دون حركة ولا حركة دون مادّة، وهي ماديّة ديالكتيكية لأنها ماديّة تاريخيّة، تدرك أنّ الواقع الآن هو نتيجة الماضي، وأنّ الماضي سرمديّ لا بداية له، وأنّ المستقبل لن يهبط من عالم آخر ولا من كون بعيد، بل سينولد من رحم تناقضات الواقع الحاضر أمامنا الآن، فاللحظة الحاضرة هي نتيجة الماضي السرمدي كلّه، وتحوي بداخلها المستقبل اللانهائي كلّه.

لا تنظر ماديّة ماركس للوعي كانعكاس سلبيّ للواقع الموضوعيّ فحسب، بل تنظر إليه من حيث دوره في تثوير الواقع وتغييره، وهذا مفاد عبارة ماركس الشهيرة: "لقد اكتفت الفلسفة بفهم الواقع وتفسيره، أمّا المهم فهو تغييره،" دون إهمال تفسير الواقع كشرط ضروري لتغييره.

فإذا كان الواقع الموضوعي يعجّ بالتناقضات، ومن حيث أنّ الوعي انعكاس لهذا الواقع، فالوعي يعجّ أيضاً بالتناقضات، إلّا أنّ مهمّة الوعي هي إدراك التناقضات وتحديد المكوّنات والطبقة الثوريّة في الواقع، وتقديم برنامج سياسي ثوري لها، أي برنامج لحل هذه التناقضات حلّاً ثوريّاً تقدميّاً.

وديالكتيك ماركس هو ديالكتيك مادي، لأنه لم ينظر إلى التاريخ على أنّه صراع بين الأفكار والمعتقدات، بل كصراع بين القوى والطبقات، وعلى أنّ انتصار الطبقة المظلومة على الطبقة الظالمة، رافقه تشكيل مجتمع وحضارة جديدة تصبغه الطبقة المنتصرة الجديدة بصبغتها، وأنّ انتصار الطبقة الجديدة يوّلد معه نقيضها، أي تصبح الطبقة المظلومة طبقة ظالمة، وتنتج معها طبقة مظلومة جديدة، وهكذا.

إلّا أنّ ماركس أدرك أنّ الرأسماليّة تبسّط التناقض، من حيث إنتاجها لتناقض أساسيّ واحد بين طبقة البرجوازيّة أو أرباب العمل أو مالكي وسائل الإنتاج، وطبقة البروليتاريا أي طبقة العمّال الكادحين والمنتجين الذين لا يملكون إلّا جهدهم ليبيعوه. وأدرك أنّ البشريّة وصلت لمستوى من التطوّر الماديّ والنظري، يمكنّها لأوّل مرّة في التاريخ البشريّ، من تقديم رؤية لمجتمع خالٍ من الطبقات وبالتالي خالٍ من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. مجتمع شيوعيّ، يتشارك فيه الناس بامتلاك وسائل الإنتاج، مجتمع يحافظ على المنجزات الهائلة التقنيّة والعلميّة للرأسماليّة، مع إتاحتها لكلّ البشر بالتساوي، مجتمع يرفض احتكار وسائل الإنتاج، دون إنكار حق الفرد في الملكيّة الخاصة مثل المسكن والملبس ووسائل الرفاهيّة وغيرها.

لن يتحوّل المجتمع من الرأسماليّة إلى الشيوعيّة إلّا من خلال الثورة العنيفة، ثورة البروليتاريا على البرجوازيّة، وقد وضع ماركس لهذه الثورة برنامجاً سياسيّاً. يلخص إنجلز عناصر العلم الماركسيّ الجديد في مقدمّة الطبعة الألمانيّة للبيان الشيوعيّ عام 1883 بكون الإنتاج الاقتصادي والبناء الاجتماعي، الذي ينشأ بالضرورة عنه، يؤلفان في كلّ عهد تاريخي أساس التاريخ السياسيّ والفكري لهذا العهد، فالتاريخ بأسره (منذ انحلال الملكيّة البدائيّة المشاعيّة للأرض) كان تاريخ نضال بين الطبقات: الطبقات المستمَرة والطبقات المستثمِرة، الطبقات المسودة، والطبقات السائدة، في مختلف مراحل التطوّر الاجتماعيّ.

ولكن هذا النضال قد وصل في الوقت الحاضر إلى مرحلة أصبحت فيها الطبقة المستثمرَة المرهقة (البروليتاريا) لا تستطيع أن تتحرر من نيْر الطبقة التي تستثمرها وترهقها (وهي البرجوازية) دون أن تحرر في الوقت نفسه، وإلى الأبد، المجتمع بأسره من الاستثمار والإرهاق، ومن نضال الطبقات. هذه الفكرة الرئيسيّة السائدة في "البيان" تعود بصورة مطلقة إلى ماركس، وإليه وحده.

منذ أن استوطن الانسان الأرض وزرعها وانتمى لها، أي منذ عشرة آلاف سنة تقريباً، وتحديداً على أرض أريحا، صارت الأرض أساس أيّ حضارة بشريّة، وكانت طبيعة الأرض والبيئة والتضاريس والطقس المحدد الأساسيّ لنمط الإنتاج قديماً. كما ساهمت الثورة الصناعيّة إلى حدّ ما في تحرّر الإنسان من شروط ظروف الطقس والبيئة، إلّا أنّه لم يتحرّر من حاجته الأساسية للأرض.

إنّ النمط الاقتصاديّ هو أساس البناء الاجتماعيّ، ويشكّلان معاً التشكيلة الاقتصاديّة الاجتماعيّة، التي تعكس نفسها في بناء سياسيّ مناسب لها، فالدولة الحديثة هي البناء السياسيّ المناسب للرأسمالية مثلاً. وتحدّد التشكيلة الاقتصاجتماعيّة، بدورها، الفكر والفنّ والدين والحق في كل مجتمع.

وتنعكس طبيعة وتطوّر الصراع الطبقي في البناء السياسي، مثلاً ازدياد قوّة طبقة العمّال ينعكس بتمثيلها في البرلمان، كما أنّه ينعكس أيضاً في الدساتير والفكر والفن والدين، أيّ أن ازدياد قوّة الطبقة العاملة (عدداً ووعيّاً وتنظيماً) عبّر عن نفسه في تطوّر المذاهب الفلسفية التي تدافع عن الطبقة العاملة.

دور الفلسفة هنا، هو إدراك العلاقات بين مختلف مكوّنات المجتمع البشريّ إدراكاً قائماً على الضرورة والترابط، وبلغة أخرى، مهمّة الفلسفة هي إعادة بناء صورة الواقع في عقل الإنسان، إذ أنّ نمو طبقة العمّال الثوريّة في البناء التحتي شكّل الأساس لظهور المنهج الماركسي، أي أساس ظهور علم تحرير العمّال.

ثانيّاً: ضربة معلّم: اقتناص جوهر الرأسماليّة.

لم ينظّر ماركس لثورة البروليتاريا تنظيراً طوباويّاً أو وعظيّاً أو أخلاقيّاً، بل تنظيراً ماديّاًـ، مرتكزاً على طبيعة التناقض المادي في الواقع وصراع الطبقتين الرئيسيّتين فيه، فحق العمّال في السيادة لا يرتكز على نظرة أخلاقية بل على تحليل علمي. ولم يكن تحويل الاشتراكيّة الطوباويّة إلى اشتراكيّة علميّة، إلّا بعد وعبر اكتشاف القانون الأساسيّ الجوهري المحرّك للنظام الرأسمالي. فعبرَ دراسته المعمّقة للتطوّر المادي للنظام الرأسمالي، ودراسته المعمّقة لتاريخ النظريات الاقتصاديّة التي رافقت صعود الرأسماليّة، وفي محاولته تقديم إجابة شافية على الأسئلة الأساسية لكل نظريّة اقتصادية، وخاصة سؤال: ما هي القيمة؟ وسؤال: من أين يأتي الربح؟ خلص إلى تطوير نظريّته عن القيمة، المعروفة باسم: نظريّة فائض القيمة.

فكانت إجابته على سؤال: ما الذي يحدد قيمة البضاعة؟ أنّ الذي يحددها هو كم العمل المبذول في إنتاجها، وهذه الإجابة ليست اعتباطيّة أو افتراضيّة أو مرسلة، بل مثبتة ومبرهن عليها في الفصل الأوّل من كتاب رأس مال، وتعتبر هذه الإجابة هي حجر الأساس في البناء النظري الماركسي.

وإذا كانت قيمة البضاعة التي ينتجها العمّال في المصنع تعادل 100 درهم، أي أنّ عدد الساعات التي يبذلونها في إنتاج بضاعة ما يعادل 100 درهم، وحصل العمّال على أجر يعادل القيمة التي أنتجوها، أي حصلوا على أجر عادل لعدد الساعات التي أنفقوها في العمليّة الإنتاجيّة، أي حصل العمّال على مجموع أجور يعادل 100 درهم، فهذا يترك رب العمل خاوي اليدين بربح يعادل صفر. لذلك يلجأ رب العمل إلى سرقة جزء من جهود العمّال، فيدفع لهم أقل من القيمة الحقيقية لجهدهم، لنقل يدفع لهم مجموع أجور بقيمة 60 درهماً، ويضع في جيبه 40 درهماً على شكل ربح.

وبهذا فإنّ العمّال يحصلون على أجر يعادل 60% من جهدهم الحقيقي، ويستلب منهم رب العمل ربحاً بقيمة 40% من جهدهم المبذول، وبالتالي فإنّ العمّال يقدمون  40% من ساعات عملهم كهديّة مجانيّة قسريّة لرب العمل.

هذا يفيد أيضاً، بأنّ سعر البضاعة في السوق دائماً أعلى من أجور العمّال الذين ينتجوها، ومع تعاظم الاستقطاب وتمركز رأس المال، أي مع انخفاض عدد أرباب العمل، وتضاعف أعداد الطبقة العاملة، تظهر بوضوح الأزمة الجوهرية في النظام الرأسمالي، وهي أزمة فائض الإنتاج، أي أنّ أغلبية الشعب الساحقة وهي الطبقة العاملة، غير قادرة على شراء أغلبيّة البضائع المعروضة في السوق، بسبب انخفاض مجموع أجورهم عن مجموع أسعار البضائع، والفرق بين مجموع أجورهم ومجموع قيم البضائع في السوق، هو فائض القيمة- المصدر الأساس للربح- الذي يضعه الرأسمالي خلسة في جيبه.

شكّل انخفاض القدرة الشرائيّة، أو انخفاض الطلب، عن العرض أو كميّة البضائع المعروضة في السوق، الحافز الأساسي لبحث رأس المال عن أسواق خارجيّة في الخارج. بكثير من الاختصار، بعد أن تعولمت الرأسماليّة، يمكن القول إنّ مجموع أجور الأغلبيّة الساحقة من شعوب الأرض، غير قادرة على شراء أغلبيّة البضائع المعروضة في السوق العالمي، وهذا أساس كل الأزمات، وهو أساس لا يمكن حلّه داخل النظام الرأسمالي.

وبسبب هذه الأزمة البنيويّة حاولت الرأسماليّة تاريخياً إيجاد حلول عبر التكيّف المرن، ولكن جميع حلولها كانت تزيد من عمق التناقض والاستلاب، أي كانت تصف السمّ كترياق، وهذا واضح تاريخيّاً، حيث أنّ كل أزمة تمر بها الرأسماليّة كانت أكثر عمقاً وأشد اتساعاً من التي سبقتها، إلى أن وصلت إلى الأزمة الأخيرة (الأزمة الماليّة 2008/2009) التي اتخذت شكلاً عميقاً ومعولماً في الآن ذاته، ومازالت آثارها وتبعاتها بعد عشرة أعوام من انفجارها مستمّرة إلى الآن.

ثالثاً: التفاؤل الموضوعي: حتميّة تعفّن الرأسمالية وضرورة دحرها.

يصف لينين بكلّ دقة وشمول في كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسماليّة"، كيف تحوّلت الرأسمالية التنافسيّة إلى رأسماليّة احتكاريّة، مدعّماً بحثّه بعدد هائل من المعطيّات والأرقام. يبيّن لينين آليّات نمو الاحتكار، وبالتالي آليّة تحوّل الرأسماليّة إلى شكلها الإمبريالي، وما رافق هذا من تغيّر من شكل التناقض الرئيسيّ (بين البروليتاريا والبرجوازيّة) إلى تناقض رئيسيّ (بين البروليتاريا والبرجوازيّة وبين الشعوب المقهورة والأمم الناهبة)، فأضاف إلى شعار ماركس: "يا عمّال العالم اتحدوا"، عبارة "ويا شعوبه المقهورة".

رافق تحوّل الرأسماليّة إلى شكلها الإمبريالي، نمو مظاهر التعفّن والطفيليّة فيها، حيث يوضح لينين كيف تظهر أقليّة من الدول- التي تعتمد في الجزء الأكبر من دخلها على الرأسمال المالي وأشكال المضاربة والربا والقروض وأغلبيّة ساحقة من الدول المديونة والمستعبدة- ما يلقي بعبء الإنتاج الصناعي والزراعي على الأمم والشعوب المقهورة المديونة، وما يرافق هذا من اعتماد الأمم الناهبة، أو برجوازيّة المركز الغربي على الجيوش المحليّة للأمم المقهورة لتنوب عنها في خوض حروبها (الحروب بالوكالة).

كما أنّ سيادة الاحتكارات تقوّض الأسباب الماديّة للتقدم العلمي والتقني، حيث تفجّرت طاقات العلوم والتكنولوجيا في زمن الرأسماليّة التنافسيّة تحت ضغط ضرورة البحث عن تقليل تكاليف الإنتاج وتحسين نوعيته من خلال توظيف أحدث التقنيّات والكشوف العلميّة في سبيل حسم الصراع مع الشركات المنافسة. وفي زمن الاحتكار وغياب التنافسيّة، تتنحّى الضرورة الاقتصاديّة لتقليل تكاليف الإنتاج كسلاح أساسي لحسم التنافس، وبالتالي يميل التقدم العلمي والتقني إلى الركود.

هذا الوضع العالمي، بنظر لينين، يرسّخ الأسس الماديّة لثورة الشعوب المقهورة المتحالفة مع عمّال الدول الرأسماليّة الإمبريالية، بل ويمنح الشعوب المقهورة الميّزة الثورية ويسلحّها بمقوّمات الثورة من حيث أنّها الشعوب التي تنتج بشكل أساسي حاجيّات البشر ككل.

ثورة عالميّة ضد النظام الإمبريالي العالمي، ينبلج عبرها فجر الإشتراكيّة التي توحّد البشر، والتي يعتبرها ماركس بداية التاريخ البشري، حيث أنّه ولأول مرّة في تاريخ البشر بعد تفكك المشاعة البدائية، سينشأ مجتمع بشري خالٍ من الطبقات وخالٍ من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

إلّا أنّ لينين قد حذّر من أنّ تعاظم مداخيل البرجوازيّة الغربيّة مكنّها من رشوة طبقة العمّال المحليّة فيها، موفّرة لها ظروف أفضل (حد أدنى للأجور، تأمين صحي، ضمان اجتماعي، سقف أعلى لعدد ساعات العمل، إلخ) نازعة الفتيل الثوري منها. كما حذّر من سياسيات البرجوازيّة الغربية في رشوة فئات محددة من الشعوب المقهورة، لتعمل هذه الفئات ضد مصالح قومها في التحرر من نير الاستعمار.

ومستنداً إلى الفهم الماركسي الديالكتيكي، يقول لينين إنّ ثورة الشعوب المقهورة، تصادر جزءاً عظيماً من الأرباح الخرافيّة من أيدي البرجوازيّة الإمبرياليّة، ما يدفع هذه البرجوازيّة إلى مصادرة جزء كبير من حقوق الطبقات العاملة الغربيّة، الأمر الذي يعيد لهذه الطبقات العاملة طابعها الثوري.

ونستطيع القول، استناداً على فكرة أنّ الوعي هو انعكاس للواقع، إنّ التعفّن والطفيليّة كسِمات أساسيّة للرأسماليّة في الزمن الإمبريالي، ستنعكس في تعفّن وطفيليّة الفكر والفلسفة في دول المركز الإمبريالي، وهذا يلقي على عاتق الشعوب المقهورة- إضافة إلى مهمّات الثورة ضد الاستعمار- مهمّات الإسهام النظري والفلسفيّ بعد انسداد أفق الحضارة الغربية.

إن تعفّن وطفيليّة الرأسماليّة والأزمات البنيوية التي تضربها بشكل دوري حتميّ ولا فرار منه. وهذا يجعل من الثورة ضد الرأسماليّة ضرورة، والفرق بين الحتميّ والضروري، هو العامل الذاتي، فالأزمة وتعفّن الرأسماليّة حتميّ، أمّا دحرها فضروريّ وله شروط، وشروطه في الإطار العام هي توعية وتنظيم الطبقات المسحوقة. دون تحقيق الضرورة، ستبقى الرأسمالية جثّة هامدة على صدر التاريخ، وستستمر بالتعفّن إلى ما لانهاية.

{يا عمّال العالم ويا شعوبه المضطهدة اتحدوا}