ما بين ديمونا و بيروت: الفدائي عبدالرحيم جابر يروي حكايته

١٧ آب ٢٠١٧

كانوا خمسة رجال ساروا تحت شمس النقب، أو كما قال غسّان كنفاني: "رجال في الشمس". تتشابه الصحراء ولهيبها الحارق في قصّة كنفاني مع قصتهم، لكنَّ سبيلهم كان مختلف؛ مفاعل ديمونا النووي جنوب فلسطين المحتلّة.

يستذكر الفدائي السبعيني عبدالرحيم جابر  عمليّته الفدائيّة بعد أن مرَّ  أكثر من أربعين عاماً:  "انطلقنا من الخليل صباحاً مشياً على الأقدام و مررنا في بلدة عراد ...". لايزال صوت الرصاص يتردّد في أذنه، و أثاره واضحةً في جسده. كان يمسك رقبته ويتحسّسها، رصاصات الاحتلال التي عاشت معه لأكثر من أربعين عاماً.

الطريق إلى ديمونا

يقول جابر: "كان سعيد ابو منصور، أحد أعضاء المجموعة الفدائيّة الخمسة- أكثرنا حذراً، فلم يكن راضيّاً عن توقّفنا في عرّاد ودخولنا إلى أحد المنازل لإبلاغ أهله عن هدفنا، فقد كان طوال الطريق يردّد " الله يستر، الله يستر، ...". ويوضّح جابر أنّ هذا الخوف تحوّل إلى وحش ينهش بالمجموعة، ثمّ أكمل "لم أهتم لحديث رفاقي، كانت ثقتي بالنجاح كبيرةً جداً فنحن نخطّط لهذه العملية منذ شهرٍ كامل، وندرس الطرق التي ستوصلنا إلى المكان، ونعرف كيف سنقتحمه.. كنّا نعرف كلّ صغيرةٍ وكبيرة، وكنّا نسابق الزمن لكي نصل إلى الموقع في الوقت المناسب".

ارتشف جابر رشفةً من قهوته التي بردت وهو منغمس في الحديث، ثمّ استطرد قائلاً : "في مساء الحادي والعشرين من أيلول عام 1968، وصلنا ديمونا، وكان كلّ مقاتلٍ منّا يحمل 10 كيلوغرامات من المتفجّرات على ظهره... اقتربنا من الأسلاك الشائكة... وصلنا وظهرت أمامنا لوحة صغيرة معلّقة على السلك الشائك كُتّب عليها بالعبريّة "مكيش" اي ألغام، بجانبها لوحة رُسمت عليها جمجمة.

لم يلتفت الفدائيّون لهذه اللوحات، كانت خطّتهم تهدف الزحف من تحتها من أجل المرور و إزاحة الألغام عن دربهم... لحظات كانت تفصلهم عن إعلان حربهم مع العدو!

"وضعت يديّ على الأسلاك الشائكة من أجل البدء في فتح كوة ستساعدنا على التقدّم أكثر"، يقول جابر. "قام بقيّة الرفاق بإخراج سكاكين لاستخدامها ككاسحة ألغام بدائيّة.  وفي هذه اللحظة أطلقت قوّات الاحتلال قنابل مضيئةً حوّلت ليلنا إلى نهار، ليخرج صوت يتحدّث بعربيّة ركيكة  "اسمعوا يا مخرّبين، نحن كشفناكم وأنتم محاصرون، سلّموا أنفسكم ولا تحاولوا الفرار أو إطلاق النار وسنضمن حياتكم"... هنا تحوّلت كل الشكوك التي كان تنهش في المجموعة إلى حقيقة، وفي هذه اللحظات لم نفكّر في خيار  الاستسلام، بل جاوبنا مصدر الصوت بصوت أعلى، وفتحنا النار باتّجاهه لتردّ قوّات الاحتلال بنيرانٍ كثيفة من جهتين.. استمرّ الاشتباك لدقائق... حاولنا أن نبحث عن طريق للانسحاب..."

 

يُواصل جابر روايته "سمعنا صوت موسى الرجبي يصرخ "لقد أصابوا رأسي"، تقدّمت نحوه فهوى عليّ... كنت أحيط عنقي بالكوفيّة فحاولت وضعها على رأس موسى لإيقاف النزيف، لكن رصاصةً عاجلتني واخترقت يدي اليمنى، واستقرّت في صدر موسى ليسقط على الأرض مردّداً نصف شهادة ويسكت...كان موسى أشجعنا!"

"ربطت يدي المصابة بكوفيّتي، واتّخذنا قرارًا بمهاجمة أحد مصادر النيران، خيار الاستسلام لم يكن وارداً... تقدّمنا وسط غطاء من نيران أسلحتنا الكثيفة... كان رصاص الاحتلال ينهال علينا، لكن كل رصاصهم فشل في إخافتنا أو ردعنا.. كنّا نصرخ " الله اكبر، الله اكبر"، و نتقدّم نحو كمين كان به ما يُقارب عشرةَ جنود. استطعنا أن نقتل ونصيب بعضاً منهم، وأن نسيطر على الكمين، وكنّا نعدّ خطّةً للانسحاب في اتّجاه الجبال".

يتحسّس الرصاصة على جسده مرةً أخرى، ويقول: "في أثناء اقتحام الكمين، أُصبت بثلاث رصاصات اخترقت بطني، وقدمي ورقبتي. حاول رفيقي أبو منصور حملي لكنّه لم يتمكّن بسبب ثقل وزني، فطلبت منهم الانسحاب وتركي. كان صوتُ إطلاق النار  لايزال يتردّد... خارت قواي وأصبحت شبه منتهي... وسمعت إطلاق النار  يتوقّف خلال ساعات الليل المتبقّية باستثناء القنابل المضيئة التي كانت تضيء ظلام الليل... خرج النهار لأجد خمسة كلاب تحيط بي... يتقدّم باتّجاهي رجل ذو ملامح عربيّة ويردّد "ارمِ سلاحك أنا معك"... تقدّم نحوي بسرعة ودفع بسلاحي جانباً، فتّشني واعتقلني هو ومجموعة من الجنود.

الاعتقال لم يوقف النضال

"وضعوني في سيارة فوق جثمان رفيقي موسى الرجبي لتنطلق السيارة نحو معسكر قريب. بعد وصولي، كل من في المعسكر كان ينظر إليّ بحذرٍ وعداء شديدين.. .سمعتُ الجنود يردّدون "مي زيه، مي زيه " أي من هذا؟  "هذا جابر، جابر".

نُقل جابر لاحقاً لقائد المعسكر، وهو لا يزال على نقّالة الإسعاف. "بدأ أحد الضبّاط بطرح الأسئلة عليّ، وكنت أجيب بضعفٍ وبرود. حدّقتُ في مجرى الدم الذي يسيل من جسدي، لأسمع خبراً أراحني وأسعدني... لقد وجدوا آثار أقدامٍ متّجهة للأردن ومن المرجّح أنّها اجتازت النهر!"

نُقّل جابر إلى مستشفى في بئر السبع لاحقاً لكي يتعالج من الإحدى عشرة رصاصةُ التي تلقّاها خلال العملية. خرج من المشفى و"الجبصين" يغطّي كل أطرافه، ليُنقل إلى صرفند، وهناك حُقّق معه لمدّة 54 يوماً متواصلاً. "لم يكن هناك مكان في جسدي إلا وقد غطّيّ بالجبصين ما عدا وجهي... وكنت أتلقّى الصفعات عليه حتى أفقدني جزءًا من أسناني".

حوّل الاحتلال جابر إلى محكمة وصفها بالصورية فلم يتحدّث فيها مع القاضي ولم يدافع عن نفسه، ليحكّم عليه بالمؤبّد تسع مرات. وخلال سنوات اعتقاله، تنقّل بين معتقل بيت شيميش وبيت ليد وسجن الرملة، وعسقلان الذي قضى فيه عشر سنواتٍ قبل أن يتحرّر بصفقة النورس عام 1979.

يستذكر جابر أبرز ما عانى منه في المعتقل، بدءاً من تقدّمه لامتحانات الثانويّة العامّة هناك، واضطّراره لأكل طعامٍ نوعيّته سيّئة، وحتى تعرّضه للضرب المبرح. وبيّن أن حراك الأسرى كان آنذاك فاعلاً، حيث طالبوا بظروفٍ أفضل متسلّحين بالإضراب عن الطعام: "إضراباتنا تجاوزت العشر مرات وكان أطولها 45 يوماً. كان أهم مطلب لنا هو وقف الضرب، والعلاج الطبّي ووقف العمل، ونجحنا في تحقيق مطالبنا نسبياً".

وبيّن جابر أن بعد قرار الإفراج، أُجبر أن يعيش خارج الوطن، فانتُقل من سويسرا إلى ليبيا، فبلغاريا ومن هناك إلى سوريا.

بيروت خيمتنا الأخيرة

"لم يوقفنا الإبعاد عن النضال"، يقول جابر. "تولّيت في بيروت قيادة قاطع الرملة البيضاء على شاطىء البحر المتوسط. ومع تصاعد العمل الفدائي، قام الاحتلال بعمليّة عسكريّة لإيقاف صواريخ "الكتيوشا". لم تكن العمليّة محدودة، بل هدفت إلى إخراج المقاومة من بلاد الأرز".

ويُكمل جابر "تجهّزنا لحرب حزيران عام 1982 جيّداً، فحصنا مواقعنا وزدنا الذخيرة والأسلحة... كان قرارانا أن نموت ولا نستسلم، وكان هدفنا تحويل بيروت الى ستالينغراد جديدة، فقمنا بتحصين المباني وبتجهيز الكمائن. كانت الدبّابات الإسرائيليّة تتقدّم نحونا بشكلٍ بطيء بسبب شدّة المقاومة وفي كثير من المرّات توقّفت الدبّابات عن التقدّم تماماً!"

وما بين كرٍّ وفرّ، استُشهد قائد محور "السمرلاند" ليطلب القائد سعد صايل من اللواء عبدالرحيم جابر قيادة المحور. وخلال ذلك الوقت استمرّ القتال كما هو حتى حلّت ساعات المساء. وعندها، أغارت علينا طائرات العدوّ بشكلٍ عنيفٍ جداً، التي لم تثنينا عن الاستمرار بالمقاومة واستمرّينا في الدفاع عن بيروت وذلك حتى 9 تموز.

كان صباحاً هادئاً على غير المعتاد، عمل جابر هو ورفاقه في وضع الخطط العسكرية والتجهيزات للمقاومة. "كان شعارهم "لن تمرّ الدبابات إلّا على أجسادنا". تحوّلت  المعركة إلى حربة عصابات؛ فدمّر الفدائيّون العديد من الدبّابات، وأوقعوا القتلى. وخلال القتال تقدّمت الدبّابات من جهة جانبيّة ليخرج الفدائيّون إلى المواجهة، فارتقى 6 شهداء.

"تعرّضنا لقصفٍ عنيف من البوارج الحربيّة الإسرائيليّة ممّا أجبرنا على التراجع فلم يتركوا شبراً من الأرض إلّا وقد تلقّى قذيفة... لنتراجع إلى بيروت ونخوض الحصار فيها.

وفي 20 أغسطس وبعد تدمير جزءٍ كبير من بيروت وارتقاء العديد من الشهداء، تقرّر خروج المقاومة الفلسطينيّة من بيروت وليخرجوا ولتشهد عليهم وليشهد العالم عليهم وعلى صمودهم.