ما هو الواقع الراهن لحركة فتح؟

٢٥ كانون الأول ٢٠١٦

(ملخّص محاضرة)

لنفهم كل هذه المعطيات يجب أن نسأل السؤال المركزيَّ: ما هو طبيعة توصيف المرحلة؟ إذا وصفنا المرحلة بشكلٍ دقيق وأجبنا على هذا السؤال نستطيع أن ننطلق من هذه الإجابة كلٌ من منطلق إجاباته. هذا هو السؤال المطروح اليوم ومنذ أكثر من 20 عام يلح الكاتب والباحث والمنظر بأن يتلقى إجابة له: هل هذه هي مرحلة الدولة أم مرحلة التحرر الوطني؟ ولكنهناك إجابة علمية منطقيَّة تفرض نفسها على الجميع.

الإجابة العلمية والمنطقية التي يجب أن نتّفق عليها هي أن هذه المرحلة هي مرحلة التحرُّر الوطني. ومرحلة التحرُّر الوطني تفرض قوانين مرحلة التحرُّر الوطني ومعطياتها وأدواتها؛ الأدوات الحزبيّة والفصائليّة والتنظيميّة، وأساليب عمليّة التحرُّر الوطني من مقاومة مسلّحة وشعبيّة ودبلوماسيّة واشتباك سياسيّ مع الاحتلال كلّها على أرضيّة التحرُّر الوطني.

ولكن كيف تتجاوب فتح مع طبيعة المرحلة؟

حركة فتح أصابها نوع من ضياع الهويّة، بدأت معالم ضياع الهويّة بالاتّضاح منذ توقيع اتفاقية أوسلو. وضياع الهوية هذا أصاب العديد من الفصائل وأصاب الكثير من التنظيمات والشخوص الذين رأيناهم ينتقلون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وبالعكس، أي أن هذا الضياع خلق اصطفافات جديدة. عام 1996 عندما جرت العمليّة الانتخابيَّة لأوّل مرّة للمجلس التشريعيّ والرئاسيّ، قاطعت الكثير من الفصائل من قوى إسلامية ويسار وغيرها هذه الانتخابات على خلفية أنَّنا ما زلنا في مرحلة التحرُّر ورفضًا لمشروع السلطة وأوسلو، ولاحظنا في حينها أنَّ الذي شارك في الانتخابات هي حركة فتح -مُشَرِّعَة أوسلو ومُشرِّعة السلطة- واعتبرت مشروع السلطة ملكًا لها بالإضافة إلى بعض المستقلِّين هنا أو هناك، وانتخب ياسر عرفات رئيسًا للسلطة الفلسطينيَّة. لكن لاحظنا في المقابل عام 2006 أنَّ الأمور اختلفت كلياً؛ فشاركت الجبهة الشعبيّة والديموقراطيّة وحزب الشعب وحماس ومعظم القوى ما عدا الجهاد الإسلاميّ وأصاب الكثير من القوى الكلاسيكيّة (المعارضة) نوعٌ من أنواع ضياع الهُويّة. لكن فتح أوغلت في عملية ضياع هويّتها وبدأ يصيب قواعدها وبناها شرخٌ كبيرٌ؛ فلم تعد فتح تنظيمًا يُحاكي مرحلة التحرُّر الوطني وقوانينها، ومن هنا برزت الكثير من الأجسام التي قد تكون “خارجة عن الشرعية” ما قبل مرحلة محمود عباس، وفرضت نفسها في مراحل معينة.

اذا بدأ ضياع الهويّة بفرض نفسه على الأرض، أصبح هناك لأوّل مرّة في تاريخ حركة فتح ما بإمكاننا تسميته “صراع الأمراء”، كان هذا الصراع موجودًا وقائمًا من قبل لكن كان في إطار هويّة محدَّدة المعالم -على الأقل في الاتّفاق على أنّنا في مرحلة تحرُّر وطني ونتبنّى الكفاح المسلّح. هذا الضياع أو الشرذمة في الهويّة عكس نفسه على قواعد فتح وبالتالي على أطرها؛ فخرج التنظيم -تحديدًا تنظيم الأرض المحتلة- من تحت الأرض إلى فوق الأرض منذ عام 1995 ولم يعد هناك تنظيمًا سريًا. أصبحت تُعقَد المؤتمرات المناطقيَّة وكأنَّ التي تعقد هذه المؤتمرات هي مؤسّساتٌ أو جمعيّاتٌ، وهذا لا يتوافق مع عمل تنظيميّ في إطار وفي قوانين مرحلة تحرر. أصبحت العلنيَّة ظاهرة للعيان. وحتى وإن أفرزت هذه المؤتمرات العلنيَّة تحت عيون الكاميرا قياداتٍ نضاليَّةً كفاحيَّةً فستبقى عاجزة عن بناء عمل تحرريّ وطنيّ.

فتح على أرض الواقع انعقد مؤتمرها الأخير الذي أسمّيه مؤتمر حركة فتح الحقيقي في تونس بالعام 89 ، وبعد 20 عامًا انعقد المؤتمر السادس في بيت لحم. كان هناك حينها جدلٌ كبيرٌ حول انعقاد المؤتمر تحت الاحتلال داخل فلسطين، وكان هذا الجدل في الأطر الكادريّة غير المنظّمة-كثير من الكوادر في حركة فتح ليسوا أعضاء في الأطر، ليس لأنهم لا يريدون ذلك، بل لأنَّ بناء التنظيم بعد عام 2004 وفي ظلّ المخطّط الجديد لإنهاء حركة فتح لم يكن على أساس تنظيميّ مؤمن في مرحلة التحرر الوطنيّ- ومن هنا بدأ بناء التنظيم وما يسمى في أطر التنظيم داخل الأرض المحتلة وخارجها بشكلٍ علنيّ وأمام الشاشات وأصبحت أسماء قيادات التنظيم تُنشَر في الجرائد. وهذا التنظيم لا يستوعب الكادر المؤمن بضرورة أن تبقى فتح مؤمنةً في العمل النضاليّ الكفاحيّ مفتوحِ الخيارات، بل وأُخرِجت هذه الكوادر من الأطر التنظيميَّة تحت مسمّى العمليَّة الديمقراطيَّة التنظيميَّة مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لا ديموقراطية في العمل النضاليّ.

ما يسمى بـ”الفعل الديمقراطي” في فتح لإفراز القيادات هو عملياً تخريبٌ للحركة، وبدأت عملية التخريب باستخدام عدَّة أساليب من أهمّها خطّة دايتون؛ وهي عملية تخريب مباشرة استهدفت بشكل أساس حركة فتح وخصوصاً كوادر فتح والقيادات الميدانيّة والعسكريّة. وتعاملت خطّة دايتون مع هذا التشكيل الهلاميّ وغير المؤطَّر بالتصفية الجسديّة، وتهجين وتدجين واستيعاب، وزج بالمعتقلات. بالتالي تم تصفية هذا الكادر على مدى سنوات، وعندما أتوا لما يسمى بترتيب البيت الداخلي الفتحاوي لم تكن هذه الكوادر موجودة، ولا أقصد العساكر وضاربي الحجارة فقط، بل ومَنْ يملك ويدافع عن الفكرة أيضًا. وهذه هي المُدخلات التي يأتي إليها مؤتمر فتح السابع.

وعلينا التنبّه إلى أنه عندما يُعقد المؤتمر في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة فإن هناك ثمنًا سياسيَّاً سيُدفع. فالمؤتمر الفتحاوي ليس قراراً فلسطينيَّاً فقط، وكذلك المجلس الوطني فلسطيني ليس قرارًا فلسطينيًّا أو فتحاويًّا فقط. إذا انعقد على الأرض المحتلَّة فإن الجغرافيا تلعب دورًا والاحتلال يلعب دوراً بالإضافة إلى الوضع الإقليميّ والدوليّ. وبالتالي عندما نشاهد مؤتمر فتح يُعقد في الأرض الفلسطينيَّة المحتلَّة فإنني أُدرك جيّدًا أن هناك ثمنًا سياسيَّاً سيدفع. وللتوضيح، عقد المؤتمر السادس في بيت لحم وكان هناك ثمن سياسيٌّ، فشلوا في تمرير الثمن السياسيّ على صعيد الأدبيّات والنظريّات في حركة فتح ونجحوا في العمليَّة الانتخابيَّة.

النظام الأساسيّ لحركة فتح حتى اللحظة-كحركة مش كحزب- ما زال يحافظ على المبادئ والشعارات والأهداف والمفاهيم وما زال يتحدث عن فلسطين من البحر إلى البحر، وعن المقاومة مفتوحة الخيارات، وعن العاصفة وتشكيل العاصفة وممثّلي العاصفة. بدأت المدخلات في المؤتمر السادس وبدأت المحاولات لتعديل بنود معيَّنة  في النظام الداخليّ منذ لحظة محاولة فرض رئيس للمؤتمر وكانت معركةً شرسةً.

وبعد اليوم السادس من المؤتمرطُلِبَ من رئاسة المؤتمر آنذاك إعادة التصويت على أربعة بنودٍ من التي كان قد تمَّ التصويت عليها في اليوم السابق، بموجب اتصال من “كونداليزا رايس”. وهذه البنود هي: تغيير جغرافية فلسطين وفقاً للنظام، وشطب بند تبني المقاومة بكافة أشكالها مفتوحة الخيارات، وشطب كلمة كتائب شهداء الأقصى من محضر المؤتمر، وشطب عضويَّة فدائيين شاركوا في المؤتمر.

وهناك قضية في غاية الأهمية لم ينتبه لها الكثيرون: مُثِّلَت جميعُ الساحات: ساحة الأرض المحتلة بكل أقاليمها، وغزة، والقدس، والفتحاويين في لبنان وسوريا، والأسرى المحررين، والفتحاويين في أمريكا، والفتحاويين في أمريكا اللاتينية وفي دول أفريقيا، ولكن أين ساحة الفلسطينيّين في أراضي 48؟! مئات من قياداتنا الفتحاويَّة النضاليَّة الكفاحيَّة موجودون على أراضي حيفا ويافا وعكا والناصرة والمثلث والنقب، مئات ممن ما زالوا حتى اللحظة فتحاويين، لم يمثَّلوا في المؤتمر السابع رغم أنَّهم كانوا ممثَّلين في المؤتمر السادس.

إذن المؤتمر لا ينعقد على أساس تنظيميّ حقيقيّ ولا يعكس مبادئ وأهداف وشعارات ومفاهيم وأدبيات حركة فتح.