ما وراء أزمة فنزويلا: قصة قارة تغلي

٠٤ شباط ٢٠١٩

مع احتدام الأزمة السياسيَّة في فنزويلا في الآونة الأخيرة إثر إعلان زعيم المعارضة اليمينيَّة المواليَّة للولايات المتحدة، خوان جوايدو، عن نفسه رئيسًا للبلاد، بدأ رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، بالتصعيد ضد فنزويلا من جهته. فبعد اعترافه الفوري بالرئاسة المدّعاة لخوان جوايدو، لوح ترامب باحتمال التدخل العسكري ضد الجمهورية البوليفاريَّة. غير أنَّ العدوان على فنزويلا الذي يهدِّد به ترامب قد بدأ بالفعل منذ سنوات، وما مئات الآلاف من اللاجئين الفنزويليين بسبب زعزعة الاستقرار الاقتصاديّ والسياسيّ للبلاد، بقيادة الولايات المتحدة، إلا دليل على هذا العدوان. لقد ارتكبت حكومة مادورو الكثير من الأخطاء في إدارة الأزمة، ولكنَّها لم تكن لتقع في هذا الكم من المطبات لو كانت فنزويلا تُركت بسلام. لكن الأمر يتجاوز غطرسة ترامب وأخطاء مادورو. فقصة فنزويلا ترتبط بالسياق الاجتماعيّ السياسيّ الأوسع لأمريكا اللاتينيَّة.

 

تُعتبر أمريكا اللاتينية وفقاً للأمم المتحدة أكثر مناطق العالم انعداماً للمساواة، حيث يملك 1٪ من السكان أكثر من 37٪ من الثروة، ويحصل 50٪ من السكان على 3.7٪ من الدخل فقط. وحسب تقرير لمنظمة أوكسفام، في العام 2017، تحوَّلت 95٪ من الثروة التي أُنتجت في القارة إلى جيوب 10٪ من السكان. وكولومبيا، جارة فنزويلا ونموذج الولايات المتحدَّة المفضَّل لأمريكا اللاتينيَّة هي أكثر البلدان اللاتينيَّة انعداماً للمساواة، حيث يستحوذ 1٪ من السكان على أكثر من 20٪ من الدخل. أما في البرازيل، فيملك 1٪ من السكان أكثر من 50٪ من الأراضي المنتِجة.

هذا التفاوت هو أحد أوجه الواقع الاجتماعي للقارة التي يسودها الفقر والبؤس منذ ما قبل الاستقلال، حيث يعيش 246 مليون من الأمريكيّين اللاتينيّين تحت خط الفقر. ويعاني 62 مليون منهم من الفقر المدقع، أي أنَّهم يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصاديَّة في أمريكا اللاتينيَّة "CEPAL"، مطلع العام الجاري. هذا الواقع الاجتماعي البائس ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة لهيكليَّة البنيَّة الاقتصاديَّة في أمريكا اللاتينية، والموروثة تاريخيَّاً من العصور الاستعماريَّة، مثل ملكيَّة الأراضي والنظم الضريبيَّة، والتي لا تعيد توزيع سوى 3٪ من جميع الثروات عبر الاستثمارات العامة، كما تشير CEPAL. وبتعبير البنك الدولي -بصيغة احتفاليَّة طبعاً- فإنَّ أمريكا اللاتينيَّة هي المنطقة ذات أخفض الضغوط الضريبيَّة على الثروة الخاصة. هذه اللامساواة الهيكليَّة، معزَّزة من خلال السياسات النيوليبراليَّة التي تفرضها منظمات مثل البنك الدولي منذ الثمانينيّات، والتي وصفها رافايل كورّيا، رئيس الإكوادور السابق وعالم الاقتصاد بـ"الليل النيوليبراليّ الطويل والبائس لأمريكا اللاتينيَّة"، لا يمكن عكسها إلا من خلال السياسات الاجتماعيَّة، مثل السياسات المطبَّقة في السنوات الخمسة عشرة الماضية من قبل الأرجنتين والبرازيل والإكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا. في الواقع، هذه البلدان هي الوحيدة التي انخفض فيها مستوى اللامساواة في السنوات الأخيرة، كما يشير الاقتصاديون، إلى جانب فنزويلا، حيث استطاع أكثر من 10 ملايين فنزويلي أن يخرجوا من خط الفقر منذ عام 1999، عندما بدأت الثورة البوليفاريَّة.

مع عودة الحكومات اليمينية، من المتوقع خفض الضرائب، وارتفاع جديد لمستويات عدم المساواة والفقر، إضافة إلى العنف، الرفيق الأبدي للفقر. فوفقاً لمؤسَّسة أبحاث الأمن في أمريكا اللاتينيَّة، Insight Crimes، فإنَّ أمريكا اللاتينيَّة هي من بين المناطق التي تشهد أعلى معدلات للعنف في العالم. وتُظهر أرقام مركز الأبحاث لعام 2017 أن كولومبيا والبرازيل والمكسيك شهدت معدل ​​25 جريمة قتل لكل 100.000 نسمة في ذلك العام، فيما سجلت هندوراس 40 جريمة قتل لكل 100.000 نسمة، والسلفادور 51 لكل 100.000 نسمة. أما في فنزويلا، حيث ارتفع معدَّل الجريمة باستمرار منذ بداية التسعينيات، فقد ارتفعت عمليات القتل بعد وصول تشافيز إلى السلطة للمرة الأولى في عام 1999. كانت تلك بداية حملات زعزعة الاستقرار الممنهجة من قبل اليمين. بلغ القتل ذروته في عام 2002، وهو عام الانقلاب الفاشل ضد تشافيز. بعد ذلك، شهدت معدلات القتل هبوطاً تاريخيَّاً سجَّل أدنى مستوى له في عام 2005، حيث بلغ عدد الحالات 37 حالة لكل 100.000 نسمة، ثم انخفض مرة أخرى في عام 2010. وبعد ارتفاع طفيف في عام 2012، انخفض مرة أخرى في عام 2013.

بعد وفاة تشافيز، بدأت المعارضة حملة زعزعة استقرار جديدة وشاملة، سياسيَّاً وإعلاميَّاً واقتصاديَّاً. تزامن هذا مع انخفاض أسعار النفط من 85 دولار للبرميل إلى أقل من 37 دولار للبرميل في عام 2017، الأمر الذي شكل ضربة قاسية لاقتصاد فنزويلا، التي لم تنجح خلال كل السنوات الماضية في تخفيض اعتمادها الاقتصادي على عائدات النفط، مما ترك هذا المصدر الأساسي للدخل القومي سلاحاً في يد الولايات المتحدة وحلفائها لضرب استقرارها الاقتصاديّ. ومنذ تلك اللحظة، ارتفعت معدلات القتل مرة أخرى لتصل إلى 81 جريمة قتل لكل 100.000 نسمة في عام 2018.

 

في فنزويلا، حيث تؤدي زعزعة الاستقرار الاقتصادي إلى تقويض كل تقدم اجتماعي أحرزته الثورة البوليفارية خلال عقدين من الزمان، فإن التضخم والعقوبات وشح السلع تضيف مزيداً من الوقود إلى التوتر الاجتماعيّ الذي يغلي أصلاً. حالة تفرض نفسها بعد عشرين سنة حظي خلالها ملايين الفنزويليين الفقراء بفرصتهم الأولى للحصول على التعليم، وعلى الرعاية الصحيَّة المناسبة، وعلى الوظائف، والخدمات، وفرص المشاركة السياسيَّة والاجتماعيَّة، وذلك بفضل سياسات الحكومة البوليفاريَّة. بالنسبة للعديد من العائلات، فإنَّ الأبناء الذين نشأوا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين هم أول جيل لهذه العائلات يعرف شكل جامعة من الداخل. لم يكن على هؤلاء الفنزويليين الفقراء أن يقاتلوا بعضهم بعضاً أو أي شخص آخر، لأن الثورة البوليفاريَّة فتحت طريقاً سياسيَّاً أمامهم كي يحظوا بفرصة في الحياة. وهو أمر لا يستطيع أن يفهمه الليبراليّون من الطبقة المتوسطة والبرجوازيَّة الصغيرة من منتقدي “شعبوية” تشافيز ومادورو. لكن نافذة الإمكانيَّة التاريخيَّة هذه يتم إغلاقها عمداً من قبل الولايات المتحدة وحلفائها -أو أدواتها- في العالم وفي فنزويلا نفسها، الأمر الذي سيضع الشعب الفنزويلي، كما يحدث بالفعل منذ سنتين على الأقل، من جديد في نفس وضع الشعوب الأخرى في أمريكا اللاتينية.

 

يشرح فرانز فانون أن العنف الهيكليّ للنظام الاستعماريّ يولد العنف المضاد داخل المجتمع المستعمَر. وعندما لا يمكن لهذا العنف المضاد أن ينعكس نحو الخارج، وهو ما يحدث في غياب الحضور المباشر للمستعمر، فإنَّه يتفجر داخلياً، وسط المجتمع نفسه. في السلفادور، تتكوَّن فئة زعماء عصابات الأحياء التي تسمى "المارناس"، المسؤولة عن معظم أعمال العنف، في جزء كبير منها، من مقاتلين سابقين في الحركة الثوريَّة في الثمانينيَّات، والذين وجدوا أنفسهم عرضة للإقصاء الاجتماعيّ؛ فقراء ومهمَّشين وبلا أي فرص، بعد أن أُجبروا على ترك السلاح عام 1992. في كولومبيا، طريق الولايات المتحدة إلى فنزويلا في أي سيناريو محتمل لعمليَّة غزو، يحدث الشيء نفسه الآن مع المقاتلين السابقين من صفوف القوات المسلحة الثوريَّة الكولومبيَّة - فارك، الذين تركوا السلاح قبل عام، بعد 54 سنة من التمرد في الجبال الكولومبيَّة. كولومبيا، حيث يتم قتل النشطاء الاجتماعيين ونشطاء حقوق الإنسان في وضح النهار وبلا أي محاسبة، حيث تجاوز عددهم 400 منذ ترك “فارك” للسلاح. كولومبيا، البلد الذي لوحت إدارة ترامب بإرسال 5000 جندي إليها، نهاية الأسبوع الماضي، من أجل تهديد فنزويلا. كولومبيا، حيث بدأت خيبة الأمل من عملية السلام في العام الماضي تتزايد وفقاً لاستطلاعات الرأي. الشقيقة التوأم لفنزويلا وأكثرها استراتيجيَّة وتشابهاً، والتي تستقبل معظم الفنزويليين الفارين من زعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في بلادهم.

 

منذ قرنين، أدرك سيمون بوليفار أنَّ أمريكا اللاتينيَّة هي وحدة استراتيجيَّة واحدة، حيث يؤثر مصير جزء واحد منها على مصير القارة ككل. كان يحلم بتوحيدها، لتجنّب الانقسام الإقليميّ الذي قد يفتح شرخاً يمكن للإمبرياليَّة الشماليَّة أن تستخدمه لزعزعة استقرار القارة ونهبها. وعلى الرغم من أنَّه ولد في فنزويلا، إلا أنَّه دافع عن حلمه للمرة الأخيرة، بموته في كولومبيا. كان هذا قبل أن تفتت الأوليغارشيات في أمريكا الجنوبية القارة إلى قطع، وتبدأ في بيعها، لتكدس ثمن ثرواتها في جيوبها وتستثني الغالبيَّة العظمى من الفقراء، مما أسَّس المشهد لأمريكا اللاتينيَّة كما نعرفها اليوم. منطقة اختبرت فيها الولايات المتحدة تجارب سابقة للتدخلات العسكريَّة. وبالتالي فهي تعلم، وإن بدا أنَّها تتناسى، حين تهدّد بإرسال آلة الحرب مرة أخرى إلى المنطقة، بأنَّ الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنع اثنين من اللاتينيين من إطلاق النار على بعضهما البعض، عدا عن التقدّم الاجتماعي الذي تعمل جاهدة لتقويضه، هو أن يحضر أمامهما راعي بقر أمريكي ببسطار عسكري، ليطلق كلاهما النار عليه.