محاضرة: هل ثمة نموذج نظري للنضال الفلسطيني  وماذا عن المستقبل القريب؟

١٣ حزيران ٢٠١٦

 

غير مقصود بذلك المنظومة الفكرية، سواء كانت رأسمالية، أو يسارية اشتراكية، او قومية تحررية، او إسلامية دينية، بل السمات الأساس في الممارسة. وهذا أوضحه في السياق.

أهلاً وسهلاً.

حديثي وإن كان ارتجالياً، اذ  لا اميل الى استخدام رؤوس اقلام، غير أن المضامين حاضرة في رأسي وسوف يشمل حديثي ثلاثة مستويات.

مراجعة مكثفة جداً ومختزلة جدا ومبسطة جداً للثورات الفيتنامية، الكوبية، الروسية، الصينية، ولأمريكا اللاتينية اليوم، والمستوى الثاني مراجعة للمسيرة الفلسطينية، وهذا يتطلب استخلاص تجريدي عام، اما على المستوى الثالث فهو قراءة استشرافية للمستقبل والسيناريو المحتمل وفي ذلك مجازفة نظرية، وإن أصبت يكون تفكير علمي ابداعي.

في السجن أستغرقني هذا العنوان ثلا ث جلسات صباحية حيث يتوافر الوقت والشروط هناك، اما  هذا المساء فالمتاح لي أقل من نصف الوقت،  ساعة  الى ساعة ونصف، يتلو ذلك مداخلات واسئلة الحضور.

لكل ثورة نموذج نظري، او اكثر من نموذج نظري، سواء كان موجهاً للممارسة او مشتقاً من الممارسة، فماذا تخبرنا الثورات الخمس كما الثورة الجزائرية، في زمن الامبرياالية والاستعمار، وأيضاً الثورة الفرنسية 1789 كثورة اجتماعية في مرحلة صعود الرأسمالية.. ، وهذا حال الانتفاضة الايطالية وكتاب روسو.1931.الخ فهذه كان لها اثر على التفكير القيادي الفلسطيني

معروف أن الحكيم الدكتور جورج حبش الذي كان يقود حركة القومين العرب كان المرجع الاعلى للثورة اليمنية عندما كان اليمن مستعمرة بريطانية، وأن الشهيد خليل الوزير كان مديراً لمكتب فتح في الجزائر قبل عام 67، الحكيم دارس جيد للثورات وتجارب الشعوب وهذا حال اي يساري ثوري مثقف..

الثورة الفيتنامية: هي حركة قومية في ثلاثينات القرن الماضي، تحولت لمواقع الماركسية اللينينية، بما في ذلك هوتشي منه “الذي يضيء” في اللغة الفيتنامية وقد عانى الشعب الفيتنامي من الاستعمار الياباني لعشرات السنين، فيما غلب عليه نمط الانتاج الفلاحي و البضاعي الصغير في المدن، ويمكن القول ان نسبة الفلاحين الذين لديهم استثمار من مصدر رزقهم لا تقل عن 80% في بلاد واسعة جغرافياً تكسوها غابات خط الاستواء، ما ان هُزمت اليابان في الحرب العا لمية الثانية، ورفع الامبراطور هيراهيتو الراية البيضاء، وكان ينظر اليه كابن للشمس وفي منزلة الله تقريبا، انتفض حزب الشغيلة “الحزب الشيوعي لاحقاً” في سايغون العاصمة، التي أصبحت اليوم”هوتشي منه” وأمسك السلطة لمدة تسعة أشهر. غير أن القوات الفرنسية كجزء من قوات الحلفاء المنتصرين في الحرب الثانية، اجتاحت فيتنام، فانسحب الثوار الى الغابات في طبوغرافيا ملائمة.. كان الموقف السوفيتي يميل للتهدئة بعد ان سكتت مدافع الحرب الكونية الثانية، التي ذهب فيها اكثر من 40 مليون قتيل وتدمير عشرات الالاف من المدن، اكثر من نصف هؤلاء سوفيت بما في ذلك 3 ملايين شيوعي، مما دفع الثوارالى الاعتماد على انفسهم، والانتقال من السلاح الابيض الى السلاح الناري الذي اغتنموه من الجنود الفرنسين في حرب عصابات نشطة، وشظف حقيقي في العيش بالكاد يوفر الحد الأدنى من الطعام، أي ما تعتمد عليه العائلة الفيتنامية الفلاحية من زراعة ذرة وأرز وتربية دواجن وخنازير، وتفرغ متساوي للثوار هو مجرد 10$ لكل مقاتل، اتسعت حرب العصابات وامتدت الى ان شارك نحو مليون مقاتل ومدني في حفر انفاق على بعد مسافات لأقتحام قلعة ديان بيان فو عام 1954 والتي كانت المعقل القيادي للمستعمر الفرنسي فأبادوا الحامية وانسحبت فرنسا.. اقرؤوا كتاب ياسين الحافظ ” الثورة الفيتنامية والثورة العربية” او كتاب تاريخ الثورة الفيتنامية، أو ” كيف انتصر الفيتكونج” فهذه مراجع هامة.. تم تحرير الشمال غير أن الامبريالية استمرت في الجنوب وقد تعاون معها نظام نغوين ومعه نصف مليون جندي فاعتمد الثوار تهدئة في الجنوب لمدة 5 اعوام تحضيراً للمواجهة اللاحقة..اشتد القتال، وكانت خسائر الثوار الفيتناميين في كل معركة اضعاف خسائر الامريكان، فمجمل خسائر امريكا كانت 50 الف قتيل و100 مليار دولار، وفي النهاية  تطورت الحرب الشعبية واستخدمت الاسلحة الثقيلة ب دعم سوفيتي وصيني، فحطت مروحية على ظهر السفارة الامريكية في سايغون وحملت السفير الامريكي وبعض الموظفين الذين فروا من امام زحف الثوار في 1975، وبذلك تحررت فيتنام ونشأت “العقدة الفيتنامية” وبذلك يكون النموذج الفيتنامي (انتفاضة كمظهر ثانوي، وحرب عصابات تحولت لحرب شعبية، بقيادة حزب ماركسي لينيني).

الثورة الصينية: هي مشابهة وتتقاطع كثيراً مع الثورة الفيتنامية، اخفقت انتفاضة شنغهاي عام 1927 كانتفاضة عمالية مسلحة، حيث سقط نحو 30 الف. ونشأ خلاف داخل الحزب الشيوعي، وتمرد ماوتسي تونغ على مكتبه السياسي عام 1929، وكان رده على كتاب ستالين (فن الانتفاضة) من اراد ان ينتحر عليه أن يقرأ هذا الكتاب، ولم يتقبل رؤية كامينيف المكلف من الاممية وأكد على الاستقلال السياسي والتنظيمي والايدولوجي للحزب وقال: تقوم نظريتهم على كسب الاغلبية، اما نظرتنا  فتقوم على امكانية اكتساب الاغلبية اثناء المسيرة. اما قانون الانتفاضة في المدن فلا يناسب حرب الشعب في الريف، وراحت المجموعات الثورية تقوم ب غارات صغيرة مباغتة وتضرب نقاط ضعف العدو،

وماو له كتابات عديدة حول حرب العصابات والحرب الشعبية وخصائصها وشروطها، ومراحلها، فهو الالمع على هذا الصعيد.

وانتشرت الكومونات اي التعاونيات في الجنوب الى ان استخطرها النظام الامبراطوري الاقطاعي وجيش قوات هائلة لأجتثاث الثورة في الجنوب غير أن مجاميع الثورة قامت  بالمسيرة الكبرى وثمة كتاب بنفس العنوان عام 1935 فانسحبت  الى السبخات الشمالية الجليدية التي لم تطأها قدم انسان. وفي غضون هذا العام حصلت معارك دامية مع الجيش الامبراطوري وجيوش الامراء الاقطاعين فسقط نحو مئة الف من الثوار ولكنهم وصلوا للمناطق التي لا تسيطر عليها الدولة، وفي نهاية الثلاثينييات احتلت اليابان بعض مناطق الشمال الشرقي، فاختطف الشيوعيين تشانغ كاي شيك واتفقوا معه على اقامة جبهة وطنية تضم الحزب الشيوعي والكو مينتانغ اي الحزب الوطني الحاكم للبلاد.

ما أن اختل ميزان القوى العالمي وظهرت اشارات هزيمة دول المحور”اليابان، المانيا النازية، ايطاليا الفاشية” تجددت الثورة الاجتماعية التي يقودها الحزب الشيوعي ضد الاقطاع الامبراطوري ومرت الثورة في ثلاث مراحل  الدفاع الاستراتيحي والتوازن والهجوم الاستراتيجي.

وبالزحف من الشمال الى الجنوب وبالعكس دارت حرب طاحنة راح فيها ملايين وعندها اعلن ماوتسي تونغ انتصار الثورة من ساحة “.تيانمين….” عام 19499 وكان الجيش الشعبي يضم خمسة ملايين مقاتل واكثر منهم من اعضاء الحزب الشيوعي وبذلك يكون النموذج النظري، انتفاضة كمظهر ثانوي اعتمدت على العمال، حرب شعبية طويلة الامد انطلقت من الارياف واعتمدت على الفلاحين ببرنامج حزب شيوعي اشتراكي، جبهة وطنية لمواجهة المحتل الياباني، لكن غلب على الثورة طابع اجتماعي من هم اسفل ضد من هم أعلى.

الثورة الروسية:

هي أقدم تاريخياً وتعود الى بدايات القرن العشرن، وكانت الرأسمالية قد انتقلت الى الاحتكارات وترابطت. طبعاً لم يكن التمركز كما اليوم”30 احتكاراً يسيطر على 70% من السوق العالمي، و 1% من الامريكان يستحوذون على 50% من الاقتصاد الامريكي و 3% يستحوذون على 90% …الخ من سمات العولمة حيث انتقلت الاحتكارات متعددة الجنسية الى متعدية الجنسية. اما روسيا فكانت “نصف اقطاعية ونصف برجوازية مستعمِرة ومستعمَرة” بتعابير لينين.

وعليه. فشلت اول ثورة بين 1905-1906 وفي انتفاضة موسكو وحدها خسر الحزب البلشفي ثلاثة الاف عضو واختلف المنظرون بين. ما كان ينبغي حمل  السلاح    بليخانوف وكان ينبغي حمل السلاح وانها بروفه   لينين، وتفكك الحزب البلشفي، وحلت فيه نزعات صوفية ويأسية ودينية، ولكن لينين أعاد بناء الحزب بالاعتماد على كادرات صلبة لم تنكسر وسال بحرٌ من الدماء بين الشعب والنظام القسصري الذي رد على تظاهرة سلمية على رأسها قس بالحديد والنار فأشتعلت المدن.

حصل نهوض في اضرابات عمال المناجم في نهر لينا، عام 1912 وقرعت طبول الحرب العالمية الاولى ورفعت الحركات الاشتراكية شعار الحرب على الحرب اي الثورة على ضواري رأس المال الذي يحاولون اعادة تقسيم العالم  ,وما ان اطلقت مدافع الحرب عام 1914 تحولت معظم القيادات الاشتراكية لمستوزرين اي وزراء في الحكومات الرأسمالية، اما لينين فقد ثبت على موقفه وراح يحضر لأسقاط القيصرية فيما كان بالمنفى والعديد من القيادات الحزبية في السجون والتخفي.

لحق الدمار بالمجتمع الروسي وانتشرت المجاعات، اقرأوا رواية الدون الهادئ  واجتمعت مختلف القوى على هدف واحد اسقاط القيصرية وايقاف الحرب، وفي شباط عام 1917 اندلعت انتفاضة ظافرة وتشكلت حكومة مؤقتة وعلى رأسها الاشتراكي الثوري كيرنسكي، ولكنها لم توقف الحرب ولم توزع الاراضي على الفلاحين وكان على الحزب البلشفي ان يستعد لثورة اجتماعية تقتلع تحالف البرجوازية الصغيرة مع البرجوازية الدستورية، وبالفعل نجح في ثورة اكتوبر المجيدة 1917 التي دشنت عهد تاريخي جديد ومرحلة تاريخية جديدة. وعليه فالنموذج الروسي اشتمل على انتفاضة متدرجة بدأت سلمية عام 1905 ونضال سري بقيادة حزب عمالي ثوري واحزاب أخرى وانتفاضة ثانية وثالثة عام 1917 اثمرت عن اصلاح زراعي جذري وتأمينات وكهربة البلاد، اي جمعت بين اهداف ديمقراطية برجوازية ومهمات اشتراكية وعمل سري ونصف سري، ولينين معلم في علم وفن الانتفاضة وقد استخلص قانونها الاساسي عندما تصبح الطبقات الحاكمة عاجزة عن الحكم كالسابق والطبقات الشعبية ترفض ان تستمر كالسابق وبما  تتطلبه من شروط قيادة مركزية، وتحالفات وتكتيكات هجومية واحتقار للموت حسب تعبير انجلز اي ان الثائرين مستعدون للموت ولا يهابونه بغية التغيير.هناك ثمانية شروط كتب عنها لينين، وشخصياً لقد كتبت كراسه وها هي امامكم مكونة من 100 صفحة عام 1982 عنوانها (بين الانتفاضة والحرب الشعبية استناد ً للأرث الماركسي اللينيني. وهي مفيدة ولم تكن تبشيراً ب انتفاضة اواخر عام 1987 ولكنها تعكس وعياً استباقياً وحسب.

ومحاولة تشيرشل وكان حين ذاك وزيراًللمستعمرات، تهشيم ال بيضة قبل ان تفقس اذ هاجمت جيوش 14 دولة رأسمالية الدولة الوليدة غير ان العمال دافعوا عن ثورتهم ومشروعهم اي ثمة حرب دفاعية اضافة الى انتفاضة اجتماعية.

والذي يريد تفاصيل عن هذه الثورات يمكن ان نلتقي بعد النقاش، مع التذكير بتحذير لينين” عليكم ان تتجنبوا التقليد الميكانيكي للنموذج الروسي .اذعلى الفكر الاشتراكي سيما في القرن العشرين ان يبدع”.

واضحاً لكم أنني اعرض مقطعاً تاريخياً كبيراً في تبسيط شديد لكن اذكر اننا عندما انتقلنا الى مواقع اليسار الاشتراكي و كان جيلي في سنوات الطفولة التهمنا عشرات الكتب وكنا نهرب الكتب من سجن الى سجن منسوخة بخط منمنم على ورق السجائر الشفاف الذي لا يخايل، ونحتفظ بنسخة احتياطية ننسخها على الدفاتر ما ان تصادر الادارة كتبنا المنسوخة او حينما نحصل على كتاب جديد كان يحصل الواحد فينا، او الاكثر اهتمام واجتهاد  على يوم وليلية لقراءته، كان زر الكهرباء خارج الغرف ويتحكم فيه الشرطي والساعة 9 باطفاء الانارة وتبقى في الممرات فاتمدد على الارض بجوار الباب الموصد بقضبان معدنية تتسلل الاضاءة من بينها، ولا ارفع عيناي عن الصفحات طيلة الليل في صراع مع الوقت. ويطوف الكتاب بين الايدي ، اليوم الحياة بالسجون اكثر يسراً. المكتبات تغص رفوفها بالكتب ولكن الاقبال عليها محدود.

ولا  بأس من الاشارة الى ان قوام الحزب البلشفي كان مجرد 130 الف عضو في دولة عدد سكانها 130 مليون نسمة، ولكن لينين ركز على “الثبات على المبدأ” لتغيير ميزان القوى وعلى الهدف “السلطة” “فالمسألة المركزية في كل ثورة هي السلطة” وأقام سلطة الشغيلة الاحرار بلغة ماركس، بصرف النظر عن الحراك البيروقراطي في عقود لاحقة وما آلت اليه الدولة السوفييتية، وهو الذي نحت عبارة “امس لم يحن بعد وغدا يكون قد فات الاوان” اي اللحظة المناسبة، التحليل الملموس للواقع الملموس” بما هو قريب من عبارة ماركس ” من المجرد العام الى الملموس الخاص”.

إن دروس الثورة الروسية كثيرة ومفتاحية،…. حري الاشارة ان ثمة مشتركات بين الثورتين الروسية والصينية بالرغم من النموذج الخاص لكل منهما ( حزب ماركسي لينيني قائد+ ثورة عنيفة+ كلاهما حل المسألة الزراعية واقام تعاونيات وسلطة ثورية ودافع ببسالة عن السيادة الوطنية+ التصدي لمهمات تحررية من جهة وديمقراطية برجوازية واخرى اشتراكية من جهة اخرى، مع الفارق النوعي بين انتفاض مديني وحرب شعبية ريفية.

التجربة الكوبية:

جزيرة تعداد سكانها اليوم 12 مليون وعندما اندلعت الثورة في خمسينيات القرن الماضي نحو 8 مليون نسمة، تسكن على بعد عشرات الاميال من انياب الاسد الامريكي.

عرفت كوبا انتفاضة عام 1930 اطاحت بالديكتاتور ميكادو وقادها الحزب الشيوعي، غير ان النفوذ الامريكي بقي سائداً فيما حكمها ديكتاتور اخر “باتيستا” الدموي الفاشي الذي اثقل على الفلاح الكوبي بالضرائب فيما تحكمت الشركات الامريكية ب السكر الكوبي وصناعاتها الاستخراجية وموانئها حتى ان هافانا كانت مرتعاً لسياحة الرأسمالية الامريكية والاوربية ومطالبها الترفيهية.

تفاقمت الازمات في الاربعينيات وهنا تقدم المحامي فيدل كاسترو ابن العائلة الاقطاعية بمبادرة ثورية ب الهجوم المسلح على ثكنة مونكادا عام 1953  فسقط رفاقه بين قتيل وجريح واسير وامضى مع شقيقه راوؤل الذي اصبح رئيساً للبلاد هذه الايام، سنتين بالسجن الى ان تم ابعادهما الى المكسيك.

شرع بالتحضير لحملة ثورية جديدة، وهنا التقى بتشي جيفارا الثوري الارجنتيني اللامع الذي ساهم بخدماته التطوعية للشعب الغواتمالي في مرحلة الحكم اليساري وبات رأسه مطلوباً بعد انقلاب يميني فتسلل للمكسيك.

انطلقت السفينة جرانما “الفجر” من سواحل المكسيك الى سواحل كوبا عام 1956 وعلى متنها 82 مقاتل على راسهم فيديل كاسترو. بيد ان قوات باتيستا كانت بالمرصاد فحصدت غالبيتهم ولم يتبق سوى 12 مقاتلاً تبعثروا والتقوا بعد ايام  في السيرا مايسترا الممتدة في الجغرافيا الكوبية. انطلقت حرب عصابات غوارية محركها هذه البؤرة، مجرد بؤرة من حفنة من الثوريين، وهذه اضافة نظرية على الفكر اليساري، اما الحزب الاشتراكي الشيوعي فلم يلتقط اللحظة ولم يكن خبيراً في حرب العصابات، وتوسعت رقعة القتال..، والذي يقرأ مذكرات جيفارا في السيرا مايسترا يتزود بمعطيات كثيرة، عام 1959 هبط الثوار من الجبل الى هافانا العاصمة وبأقل من ألفي مقاتل اطاحوا بالحكومة القمعية وفر باتيستا الى الخارج. اسست حركة 26 تموز التي قادها كاسترو السلطة الثورية. وكان هناك ميل يميني هامشي لا يريد السير بالثورة في طريق الاشتراكية .اما كاسترو الذي قرأ الماركسية اثناء وجوده بالسجن وقتاله بالجبال حسب قوله ورفاقه الثوريين فدمجوا الثورة الديمقراطية بالاشتراكية او دعوني اقول بعضا منهم، وفي عام 1963 انعقد مؤتمر تأسيسي للحزب الشيوعي بمشاركة 26 تموز والشيوعي والادارة الذاتية الطالبية الذي استشهد قائدها في الهجوم على القصر الجمهوري.. وعليه فالنموذج الكوبي اشتمل على حرب عصابات لم تصل حرب شعبية، قادتها بؤرة ثورية، على رأسها شخصية كرزماتية لدرجة ان يكتب جيفارا لولا كاسترولما استمرت الثورة. وقد اعتمدت على ذاتها دون مساعدة جدية من احد و تحولت حركة 26 تموز الديمقراطية الثورية الى مواقع الماركسية اللينينة ويعد هذا درساً كبيراً استفاد منه اليسار الفلسطيني. وكان الدكتور جورج حبش قد التقى فيديل في هافانا.عدة مرات وفي احداها فاجا كاسترو الجميع في زيارة ليلية.الخ

وعندما تفككت سبيكة الدولة السوفيتية وارتد النظام لم يهتز كاسترو ورفع شعار ” الاعتماد على الذات” اي لم يتوجه للعواصم الامبريالية لكي يتسول حلولاً سياسية وموازنات  ..تصوروا لو ان قياداتنا تشبثت بهذا الارث الكاستروي لما اصبح حالنا ما اصبحنا عليه في مرحلة اوسلو..الخ.

ويمكنني أن اتحدث طويلاً عن التحربة الكوبية وراهنها ولكن هذا اتركه لما بعد اللقاء وذلك لأن القوة اليسارية الاولى في الأرض المحتلة تأثرت غاية التأثير بالنموذج الكوبي سواء من ناحية دور الفرد القائد في التاريخ، او من ناحية اعتمادها على الذات،كما من ناحية قدرتها على التركيم و الانتقال من الموقع الديمقراطي الثوري الى موقع اليسار الماركسي وصولاً الى تعبير براكسيس،  فالثورة بنت وانبنت في غمرة الممارسة والذي يقرأ رسالتي للدكتوراه يلاحظ ذلك بوضوح، وتجربة محمد الأسود في غزة كما ان مسيرة البناء بين السبيعنيات واوائل التسعينيات  شاهد على ذلك.

وبالتالي ينبغي الكف عن البكاء (الظرف الموضوعي\الشروط المجافية) والاتجاه بالتفكير كيف نفعل ونتغلب على المصاعب، والشروط الموضوعية مجافية دائما حسب جيفارا..وعدم  الانجرار وراء العجز والفشل واعادة انتاجهما، و لينين حذر من تحويل الهبوط الى نظرية والمسالة كلها تكمن في مفردة واحدة ” الاقتدار” اذ ما ان تنهض شخصيات مقتدرة من الجيل الشابي كما الحال في بداية أي ثورة، سوف تخرج القاطرة الفلسطينية من ازمتها الحالية وتستأنف مسيرتها في اعادة العربة الى سكة الثورة لاالاوهام التي تحلم  بتسوية قريبة.

التجربة اللاتينية:

يتوجب التعريج السريع بل البرقي على قارة تولد  وتنهض في طريق التحولات الثورية والتنموية…وبالتالي قول ما يلي: في عقد ونصف تقريباً اكتسحت الحركات الاجتماعية اليسارية ثلثي القارة جغرافياً وديمغرافيا والبرازيل بداهة هي نصف القارة اما فنزويلا فهي سادس دولة منتجة للنفط  وقد عادت هذه الثروة  الى اهلها بعد ان أمم شافيز شركات النفط التي تساهم بنحو 70% من الانتاج الوطني.

والسمة المشتركة في فنزويلا والاكوادور وبوليفيا والاورغواي والبرازيل ومؤخراً نيكاراغوا (نموذج خاص حيث انتصرت الساندينست بعد قتال مسلح ولكنها فشلت في الانتخبات ومؤخراً فازت ثانيةً) ان زعيم كريزماتي يساري او نواة ثوريه تحيط بهما حركة اجتماعية واسعة(كتلة تاريخية تقدمية بلغة غرامشي) من الفقراء والمهمشين والشعب الأصلاني والعمال والنساء المضطهدات تصوت في الانتخابات لصالح البرنامج الثوري فيصعد للحكم قوى اجتماعية جديدة ورموز يسارية حقيقية، تشافيز الذي حل بعد رحيله مادورا   ولولا التي حلت محله روسيف وموراليس وخوسيه كاريو و…هؤلاء كلهم منتمون للجماهير ويعيشون عيشها، ولا ترف في حياتهم وليست رواتبهم عشرة اضعاف متوسط الأجور ولم ينحنوا للعاصفة الامريكية ومنهم من امضى سنوات في سجون العسكرتاريا ولا يخفون توجهاتهم اليسارية الاشتراكية فيما يستثمرون في بناء اقتصاد انتاجي يفك تبعيته للعولمة والرأسمالية ..انهم تجربة متحدية لا ترتهن لأملاءات العواصم الامبريالية.

والبيئة الفلسطينية تتسع للحركات الاجتماعية ولكنها تبقى على هوامش الحركة السياسية الى ان تشق الطريق ارادة تحررية تتجاوز القوى الشائخة والانقسام والتراخي والترتيبات السياسية والامنية والبنى التقليدية وبقايا القرون الوسط والعجز والفشل. اي ولادة مرحلة جديدة وهذ ا في الطريق لا محاله  فالوضع الراهن مازوم ومؤقت

وإن كنت مع ماوتسي تونغ (دع مئة وردة تتفتح) غير انني لا اتوقع قريباً نهوض حركات اجتماعية شعبية حقيقية، وعليه فالنموذج اللاتيني أشتمل على حركات مقاتلة (كوبا ونيكاراغوا والتوبا ماروس في الاورغوي). كما النضال البرلماني السلمي في كل التجارب التي اضافت خبرة جديدة بنشوء حركات اجتماعية متعددة الاطياف تصطف لدعم زعيم كريزماتي او نواة ثورية (حزب العمال اليساري في البرازيل) الذي تحالف مع يسار الوسط لتأمين أغلبية برلمانية،…………………الان انتقل الى المسيرة الفلسطينية

استهل حديثي ب التذكير بمقولة ماركس ( لا نعترف الا بالتاريخ وعلم التاريخ) وسوى ذلك هو مجرد خرافات ومزاعم. القبض على التاريخ مسألة في غاية التعقيد لأن المؤرخبن يعكسون موقفهم الايدولوجي كما أن ( التاريخ كسارة فيها كل الحجارة) يمكن توظيف ما يناسب الموقف الايدولوجي. وهنا لا اعتزم الغوص فيه اذ حسبي ان استخرج خمس مراحل مرت فيها المسيرة النضالية على وجه الاجمال والوطن المحتل على وجه الخصوص.

المرحلة الأولى: 67-70: تأسست القواعد الفدائية في الاردن وعبرت عشرات وعشرات المجموعات الحدود وغالبيتها استشهدت او اعتقلت في مواجهة مباشرة مع قوات العدو وهناك من تمركز في الداخل لبعض الوقت بما في ذلك ابو عمار والشهيد ابو علي مصطفى وكان الشعار العام الكفاح المسلح. وانطلقت اعمال المقاومة في الوطن وغلبت عليها المجموعات السرية التي اشتبكت مع الاحتلال ب كافة الاشكال. وبخلاف الثورات الاخرى فهذه السنوات غايتها تأكيد وجود شعب فلسطين وتأكيد هويته الكفاحية وايصال القضية الوطنية للعالم اي لسنا اردنين او سوى ذلك ولسنا مجرد قضية انسانية او بلا عزيمة ننتظر اعاشة وكالة الغوث وبذلك تبددت تمنيات وثائق الخارجية الاسرائيلية في بداية الخمسينيات ( الفلسطيني سيتحول لغبار الأرض) وصرخة جولدا مائير (اين هو الشعب الفلسطيني).

وفي الارد ن نشا ازدواج للسلطة، سلطة المقاومة في مساحات واسعة من الشارع وسلطة القصر وازدواج السلطة قانون مؤقت في التاريخ كانت نهايته مجازر ايلول 70 وتموز 71 حيث سقط فيها نحو30 الف فلسطيني وفي احصائيات اخرى 20000 وانتهت الظاهرة الفدائية في الأردن التي يربطها بفلسطين حدود تصل الى 650 كيلومتر فيما شكل الفلسطينيون  ثلثي المجتمع وفي مذكرات الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون اشارة واضحة بتشكيل غرفة عمليات امريكية- اردنية لأقتلاع البندقية الفلسطينية سبق ذلك معركة الكرامة الكبرى سنة 1968 وما تبقى منها انسحب الى لبنان وهذا كان له نتائج كبيرة على مجمل المسيرة الوطنية وصولاً للتوقيع على اتفاق اوسلو، وقد غلب النموذج الفدائي المسلح على هذه المرحلة وان اشتملت على نضال ناعم بالتظاهر والتعبئة والاعلام .وكانت القواعد الفدائية في الاردن اقرب لقواعد ارتكاز. اما القواعد الحمراء فتطلق على القواعد التي تقام على ارض الوطن وشيء أقل من ذلك كان في قطاع غزة الذي تنتشر فيه البيارات والمخابئئ والاوكار ومئات المطاردين وكانت وتيرة مقاومته المسلحة اعلى من الضفة، وكتاب المفكر الياس مرقص الذي نقد الحرب الشعبية الفلسطينية لم يحظ بالتجاوب حيث يركز على افتقار شروط الطبوغرافيا والجغرافيا والديمغرافيا، اما في 48 فكانت الخصوصية تدفع باتجاه العمل الحزبي البرلماني وانتخاب السلطات المحلية  وما يتصل بذلك من عمل اعلامي بوتائر منخفضة ما قبل يوم الارض الذي كان منعطفا عام 1976.

المرحلة الثانية 1970-1982:

تواصل النضال العصابي عبر الحدود وذات الشيء في الداخل واستمرت الجهود لبناء امتدادات في الداخل بما صاحبها من ضربات اعتقالية لا تتوقف وتعاظم  التمركز الفدائي في الجنوب اللبناني ومخيمات لبنان وتجاوز في حجمه  7-8 الاف مقاتل كما كان عليه الحال في الاردن وأتسعت التوجهات لبناء أطر جماهيرية في الوطن كان قدبدا بها الحزب الشيوعي، وسارت فيها فصائل المقاومة في اواخر السبيعنيات في الجامعات والنقابات والاطر النسوية والمهنية . تخلل هذه المرحلة انقسام سياسي عام 74 ارتباطاً بانعقاد جلسة يتيمة في جنيف بين نهج التسوية ونهج القوى الرافضة وصولاً الى الحرب الاهلية في لبنان عام 75-76 حيث سالت دماء غزيرة لبنانية وفلسطينية كما بات الجيش السوري اللاعب الاول في لبنان والقصة طويلة هنا.

لا يفيدنا كفلسطينين أن يصل التناقض مع الانظمة العربية الى حد الصراع والمواجهة العسكرية الواسعة  ارتباطاً ب قرائتنا للوحة التناقضات، حيث التناقض الاساس والرئيس مع المشروع الصهيوني وسياسات الاحتلال، لكن ما حصل في الاردن او لبنان غير ذلك واستنزفت البندقية الفلسطينية وجمهورها.

والنموذج في هذه المرحلة كان امتداد للمرحلة السابقة غير ان التأطير الجماهيري والنقابي بات اكثر وضوحا  كما خوض ما يشبه حرب دفاعية في الاردن ولبنان.

المرحلة الثالثة: 1982-1987:

كانت هذه السنوات عاصفة ومدمرة وخط فصل  اصبح ما قبله وما بعده أقصد حرب 82 حيث اجتاحت القوات الصهيونية جنوب لبنان وصولاً الى معارك بيروت الضارية ومن يقرأ كتاب اللواء مازن عز الدين العسكرية الفلسطينية يلحظ هذه المعاني، لقد خاضت المقاومة حرباً بكل ما في الكلمه من معنى وسجلت مأثر وبطولات وإن كانت قد اقتلعت في نهاية الامر بعد 88 يوم من حصار بيروت وتشتتت في البقاع وسوريا والجزائر واليمن وتونس وسقط في هذه الحرب نحو 30000 فلسطيني ومثلهم لبنانيون وسوريون، وقد استخدم العدو معظم قواته الجوية والبحرية والبرية،

وحرب ال 82 كانت الاكبر والاكثر بسالة .وكما قال  نابليون ( الهزيمة يتيمة والنصر له مئة أب) فقد نشبت خلافات بين القيادات الفلسطيتية  وانشقت حركة فتح ودار قتال مرير بين جناحيها امتد الى البقاع وطرابلس والبداوي   ولئن كان هدف شارون من اجتياح بيروت (تدمير البنية التحتية للمقاومة+تمرير الحكم الذاتي في  الاراضي الفلسطينية) فقد نحح جزئياً في الأولى ومرر الثانية بعد عقد ويزيد ولكنه ايضاً خلق بيئة لكي تطمع حركة أمل بأزالة مخيمات بيروت..وعلى امتداد عامين ويزيد بين 83-85 دارت اشتباكات وسالت دماء وحصل ما يشبه تطهير عرقي ومذهبي ولكن ما افشل المخطط المغمس بالدماء هو الوحدة الميدانية الفلسطينية، فاعداء الامس فتح –فتح والذين اشتركوا في قتالهما ، وكل الفصائل الفلسطينية الذين انقسموا سياسياً حول مشروع ريغن (لعم) توحدوا جميعاً للدفاع عن البندقية والدم الفلطسيني، والخلاصة هنا أن زخم البندقية في لبنان قد تقهقر بل ولم تعد الساحة اللبنانية قاعدة ارتكاز للمقاومة الفلسطينية، ورغم تأسيس جبهة المقاومة الشعبية من يسار فلسطيني ولبناني اندفع لملئ الفراغ تيار جديد هو حزب الله اللبناني الذي تعاظمت فعاليته وبات قوة الاشتباك مع القوات الصهيونية في الجنوب المحتل الى ان حرر معظم الجنوب عام 2000.

والمظهر الابرز في هذه المرحلة هي الحرب الدفاعية التي استخدمت فيها المصفحات والمدفعية والقتال بين شارع وشارع والتمركز على خط قتال دون زحزحة مهما عظمت التحديات.

المرحلة الرابعة: الانتفاضة الكانونية من 87-92

كيما يستقيم الفهم النظري شرط الانتفاضة الطابع الجماهيري فهي نهوض جماهيري عام وليس مجرد اعمال مقاومة نخبوية او تظاهرة هنا واضراب هناك فالانتفاض والطابع الجماهيري متلازمة بصرف النظر عن الخلط في وسائل الاعلام و بعض السياسيين الفلسلطينين الذين لم يقودوا انتفاضة ولا يعرفون بالتالي منطقها الداخلي وهذه المسألة ليست ترفاً او تصوراً معرفياً بل هي عملية وسياسية من الطراز الاول تستوجب تركيم الشروط لأنطلاقتها وأشعال الحريق الثوري تحت أقدام المحتلين ولم يكن مفهوم انتفاضة حاضراً في الحقل الأمني والسياسي الاحتلالي كما لم يكن واضحاً في العقل القيادي الفلسطيني سوى لدى اسماء نظرية عميقة ممن اطلعوا على نجارب عديدة.

وبطبيعة الحال ان اندلاع الانتفاض الشعبي في اواخر 87 وإن كان بمشاركة شعبية عارمة وتدحرج كما التفاعل النووي وشمل كل الاراضي المحتلة عام 67 مع اسناد من الداخل الفلسطيني 48 والشتات فالمشاركة كانت متفاوتة بين طبقة اجتماعية واخرى بين المخيم والمدنية والقرية وبين الجيل الشبابي والجيل الاقدم وجيل الطفولة وبين النساء والرجال وبين قوى سياسية وأخرى ولكن الجميع كان على خط المواجهة في الاضرابات العامة والعديد من التحشدات والتظاهرات ووو  وكان للانتفاض قيادته الميدانية التي تعرضت للاعتقال غير مرة ومرجعيات قيادية اخرى ولجان شعبية في كل مكان. وقد تضافرت في الانتفاضة  ركيزة ميدانية وتنظيمية وسياسية واقتصادية ومعنوية اما شعارها الناظم فكان الحرية والاستقلال وكانت محطة نوعية كبرى دفعت المسيرة الفلسطينية وحشرت سياسات الاحتلال في موقف دفاعي. فهي مبادرة شعبية تاريخية هجومية. لم تكن مسلحة او عصيان مسلح كما الانتفاضة الروسية عام 1917 وغلب عليها التحرك الشعبي السلمي وإن اتسمت بعنف شعبي وسلاح ناري كمظهر ثانوي، أي لقد حيدت العسكرية الاحتلالية بقدر كبير ولم تحتضن دعوات العصيان المسلح المغامر الفاقد لشروطة لأن الشعب غير مسلح وهذا حال  العصيان المفتوح الذي كان يمكن ان ينهي زمنها في غضون اشهر قليلة ارتباطاً بامكانات الناس.اما المظهر الابرز فيها فكان الاضراب الجماهيري بمعدل 6 ايام شهرياً بما جعلها تختلف عن ثورة 36 واضراب الستة اشهر .

والحديث حول الانتفاضة يطول وهناك كتابات عديدة بما في ذلك فصل في رسالتي للدكتوراة ,

والنموذج والاضافة هنا، هما الانتفاض بخصائصه الفلسطينية الى درجة القلق الاحتلالي من اندلاعها مرة اخرى، وهي بحق مرحلة جديرة بهذا التوصيف، وكان التخطيط لها ان تكون نمط حياة تقوى الجماهير على احتمال استحقاقاته  وتصل بالصراع الى حالة الاستعصاء مهما طالت واستطالت غير ان انعقاد مدريد بعد الجولات التمهيدية لشولدس وبيكر اربكها واضعف زخمها. وبين مدريد واسلوانطفات دون ثبات على نهجها والوفاء لتضحياتها .

المرحلة الخامسة: اتفاق اوسلو\مرحلة اوسلو.

انقسمت الانتفاضة وانقسم الشعب وانقسم النظام السياسي الفلطسيني برمته فهناك من كانت حساباته (تثمير الانتفاضة بالتفاوض والوصول الى حل سياسي) وهناك من دعا لتحويلها لنمط حياة ورفض التثمير المتعجل.

جرى التفاوض السري علاوة على مدريد العلني وتم التوقيع على مبادئ اوسلو دون مشاركة او علم قيادات الداخل او مؤسسات م.ت.ف والامناء العامين، يحدو القيادة الرسمية الفلسطينية امال ان يكون ذلك مرحة انتقالية تمهد لكيان ما او دولة ما فيما القيادة الاحتلالية اعتبرت ذلك مصيدة للاعتراف باسرائيل واسقاط المقاومة المسلحة والالتزام بمتطلباتهاالامنية، وهذا ما أعلنه رابين صراحةً فيما اعتبر بيريز الاتفاق (الانتصار التاريخي الثاني بعد إقامة الدولة).

وتشكلت سلطة للحكم الذاتي الاداري المحدود وتشريح اتفاق طابا تجدونه في الفصل الاخير من كتابي مداخل لصياغة البديل

اوسلو لم يقد لسلام ولا استسلام ولم يضع حدا للاستيطان الكولونيالي،…………. بل و زادت استباحة الاحتلال لكل ما هو فلسطيني ولا حاجة للاسهاب هنا.

وجاءت احداث النفق 97 التي مهدت  لانتفاضة ال 2000 وتكتيك الاغتيال الممأسس لأكثر من 500 ناشط فلسطيني واجتياح الضفة الفلسطينية و3 عدوانات على غزة واستمرار حصارها التجويعي والانقسام الفلسطيني الذي وصل حد الاقتتال وسلطتين وكيانين في الضفة وغزة ووو..وجولات ا لحوار الفلسطينية الماراثونية التي لم تفض لأكثر من المزيد من الخذلان وبث الكراهية وتراشق الاتهامات. واتفاق اوسلو تحول لمرحلة امتدت  لاكثر من عقدين وجهاز وظيفي مكون من 170 الف موظف اضافه الى 50 الف في غزة وظفتهم حماس وعشرات الاف المقاتلين  ونهج تفاوضي يشتد حيناً ويخبو حيناً وثقافة استهلاكية وديناميات تفكيكية للشعب وحصل حراك سياسي تراجعت فيه فصائل م.ت.ف وأصبحت فيه فصائل الاسلام السياسي بما لا يقل عن 40% من الخارطة السياسية وتبدلت ثناءية  فتح-شعبية وأصبحت فتح –حماس. وأثناء العدوان الاخير على غزة باتت الثنائية حماس- الجهاد.

وتعرض القطاع ل 3 عدوانات سقط فيها الاف الشهداء ودمار هائل للاقتصاد الهش والفقير وفي العمران والبنية التحتية ولكن هذه العدوانات لم تثمر عن كسر ارادة المقاومة ورفع الراية البيضاء فقطاع غزة خاض حرباً دفاعية وباتت لديه قوة ردع معينة على طريقة قوة ردع المقاومة اللبنانية .

لا حاجة  للاسهاب  لكن العقل القيادي لم ينفك  يبحث عن وحدة وطنية على اساس برنامج سياسي يسعى فريق التسوية أن يكون برنامج تسووي  تحت قيادته ويسعى الفريق الاخر ان يكون برنامجه وبقيادته وهذا مستحيل طالما لا ينتقل  فريق الى مواقع الفريق الاخر  , الممكن هو القواسم المشتركة وحسب والتعايش مع موضوعات الخلاف من خلال تنفيذ ما اتفق عليه في اجتماع عمان 2012 بتشكيل وانتخاب محلس وطني للداخل والخارج كما يمكن اعادة تعريف السلطة بالنأي  عن الحيز السياسي كما التصدي لمعضلات البطالة والفقر وتدهور القطاع التعليمي والصحي واعادة هيكلة الموازنة وحماية ما تبقى من أرض وقدس ..الخ ولي مقاربة هنا عرضتها في وسائل الاعلام غير مرة.

واخيراً المسيرة الفلسطينية لم تصل نهايتها وكل ما سبق وقلته اعلاه من أجل الاجابة عن سؤال الغد ما هو السيناريو المحتمل في السنوات القادمة، المستقبل القريب؟

التاريخ مفتوح ولا نهاية له ولا مرحلة اخيرة فيه والامس أشتمل على حرب عصابات وانتفاضة والتفاوض والحرب الدفاعية والسياسة الناعمة والسياسة الخشنة فما هو النموذج المتوقع في الغد؟

  •   *      *    

ينبغي القطع ان المرحلة الراهنة مؤقتة وان هناك ما بعدها، سوف يغادر التاريخ المحطة الحالية وينتقل للمحطة التي تليها، ومقاربتي تزعم ان المحطة الحالية تستنفذ طاقتها وهي تقترب من خط النهاية، فمن أين تأتي المرحلة الجديدة .بداهة تلد من المعطيات الراهنة وتناقضاتها.. وبكلمات سريعة، مجرد كلمات لا اكثر فالمحاضرة خارج السجن لا تتسع اكثر من ذلك، خلافاً لزمان السجن حيث يمكن الاسهاب.

دولياً: لم يعد العالم احادي القطبية كما حاولت امريكا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في اواخر القرن الماضي، وبتدرج تشكلت التعددية القطبية، وإن كانت العولمة الرأسمالية الاحتكارية هي الأقوى عالمياً دون نسيان الازمة الاقتصادية عام 2008 حيث استنزفت العالم باكثر من 30 تريليون  دولار و مديونة  امريكا اليوم17 ترليون واروبا اكثر من 10 ترليون دولار

وقد  تشكل محور اقتصادي جديد هو دول البريكس والمكون من البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب افريقيا، وهو يشكل 45% من البشرية و 35% من الانتاج العالمي ناهيكم عن منظمة شنغهاي للتعاون المتعدد الابعاد بمشاركة روسية صينية وهندية ودول اخرى والتوقعات بأنضمام باكستان وايران واقامة بنك اسيوي للبنى التحتية بمبادرة صينية كمنافس لصندوق البنك الدولي سيما ان للصين اكبررصيد عالمي 2.3 ترليون مع سندات حكومية امريكيه باكثر من تريليون ونصف وقد اصبحت الصين اليوم اكبر جاذب للاستثمارات العالمية وهذ ا سيكون له اسقاطات على الشرق الاوسط.

اقليمياً: صعود قوة ايران الاقليمية اذ بات لها نفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فيما تشتد وتائر صراعها السياسي مع السياسة الاسرائيلية ، حيث تنظر  اسرائيل لها كأكبر خطر استراتيجي عليها بما ينطوي عليه من احتكاكات محتملة.

عربياً تحولات عاصفة تشهدها المنطقة العربية منذ 4 اعوام، اهمها الانتفاضة التونسية والمصرية اللتين  خلعتا انظمة الامس . والامس لن يعود وهناك ما اصاب العراق وسوريا من تمزق ودمار ما يفوق الوصف وتمدد داعش كطبعة دموية  على ثلث القطرين وعدد من السكان يناهز 6 مليون نسمة. وافضل تكريس محاضرة منفصلة عن المشهد العربي وتحولات المستقبل….. وبداهة ان هذه المعطيات لها اسقاطات على القضية الفلسطينية سيما انتصار حزب الله وتحرير الجنوب اللبناني عام 2000 وفشل العدوان الاسرائيلي عام 2006 اذ بات للمقاومة قوة ردع حقيقية…………… مطار مقابل مطار، فيما عين حزب الله دائماً على فلسطين، رغم الازمة السورية .

فلسطينياً: بعد تصريح رئيس السلطه الفلسطينية بأن المفاوضات غير مجدية  و استأنف مفاوضات ال 9 أشهر تجاوباً مع مسعى كيري لكن دون جدوى واستعصى المسار التفاوضي ووصل طريقاً مسدوداً ..وتعتمد القيادة الرسمية  الان الخيار القانوني بالتوجه للامم المتحدة ومنظماتها وهذا وإن كان صحيحا الا انه لا يطرد احتلالا ولا يوقف استيطانا، ومأزق قيادة السلطة ان الحكومات الاسرائيلية لا تبحث عن تسوية جذرية او حل وسط. وبرنامج الليكود صريح سيادة واحدة من البحر للنهر وهناك احزاب اكثر يمينية وبالتالي ليس هناك ما يسمى تسوية بالطريق التفاوضية تنهي عوامل الصراع ولا حل وسط ولا حل استسلامي يرفضه الشعب الفلطسيني المستباح على كل الصعد.كما ثمة

انقسام فلسطيني لم ينفك يتعمق الى ان اصبح الكيان الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام 67 كيانين وسلطتين وخيارين، بما صاحبهما من اقتتال واعتقال وبث كراهية و..الخ وكل المباحثات والاتفاقات الوحدوية لا تستوعب حقيقة ان الانقسام السياسي حقيقي على رؤيتين وصراع على القيادة و مصادر تمويل متناقضه وصراع على القرار. والعقل القيادي لا يبدع في البحث عن قواسم مشتركة ميدانية، وهو مصلوب في نظرة نمطية تقوم على الاملاء وفرض اجندة خاصة فصاءلية ونخبوية وهذا مستحيل في ظل ميزان القوى الداخلي ..ومفتاح الخروج من حالة الانقسام هي انتخاب وتشكيل مجلس وطني كمرجعية للشعب كما جرى الاتفاق في شهر 1\2012 واعادة تعريف السلطة وهذا تحدثت فيه سابقا وبالتالي التعايش مع التناقضات.

3- تعرض قطاع غزة لثلاثة عدوانات مدمرةفي غضون سبعة أعوام، دون أن تحصد العدوانية الصهيونية أي انتصار سياسي، كما استمر الحصار التجويعي واغلاق نحو 2000 نفق كانت تغطي 70% من أحتياجات القطاع.

ويمكن القول ان ثمة نهج مقاومة بأشكالها ونهج مساومة باشكالها، وان تميزت قوى في النهج الاول فهي أيضاً تتقاطع جزئياً مع القوى في النهج الثاني، والعكس صحيح..بما يسمح بالتوحد على قواسم ميدانية من ناحية موضوعية.

ولا يجب أن اغفل ان تكتيك الضاحية الذي اعتمده رئيس اركان جيش الاحتلال الحالي قد نفذ في الشجاعية ..وهناك على اليوت يوب يتحدث ضابط اسرائيلي عن تعليمات للجنود باطلاق النار على مدنيين فلسطينين لقتل ملل الجنود، والرد على خسائرهم بقتل مدنين..

ومن قبل حاصرت المانيا  موسكو في الحرب العالمية الثانية وارادت تحويلهالرماد، وقد فشلت وتركت مئات الالاف من الاسرى السوفييت يموتون  جوعاً ، ولكن هذا لم يفض الى هزيمة السوفيت..فالحق لا ينفصل عن القوة..وقد اعلن رئيس الاركان الاحتلالي ان اكبر خطر يهدد اسرائيل هو تآكل قوة الردع الاسرائيلية، وبالتالي باتت مقولة”الجيش الذي لا يقهر”والتي استخدمها ايضاً نابليون في زمانه مهزوزة، وهناك قلق من القيادة العسكرية الاسرائيلية من تعاظم قوة البندقية في غزة والتردد في الاقدام على اجتياح بري  وهناك تيارات تقول بالمخرج السياسي رغم انزياح الخارطه السياسيه نحو اليمين ولكنها قوى غير مقرره.

اما في الضفة فالوضع مرتخي ومخدر اجمالاً مع نقطة ساخنة في القدس ومصادمات شعبية  محدودة في  عشرات المواقع، وسلطة تقبض على الوضع في الضفه وتضبطه بما يكرس وجودها والتزاماتها السياسية والامنية.

ماذا عن الغد؟

ما عرضته فلسطينياً يتعلق بالأمس واللحظة الراهنة ولكن ماذا عن السيناريو المحتمل في المستقبل المنظور خلال الشهور المتبقية من هذه السنة و الاعوام المقبلة؟

ان مقاربتي اليوم تقوم على احتمالية نهوض وطني \انفجار شعبي\ولادة مرحلة جديدة تتجاوز المرحلة الراهنة والانقسام والسلطة والكثير من القوى “والقيادات” وثقافة الاحباط والانتظار والرخاوة وسوف يتجاوز الجيل الجديد والقيادات الجديدة كل ما هو شائخ. وكما كانت ولادة الفصائلية الفدائية بعد هزيمة 67 تجاوزاً لما سبقها فسوف تتجاوز المرحلة الجديدة ما سبقها، بحيث يستعصي التناقض ولا يكون من فكاك له الا برحيل الاحتلال، وعودة الامور لطبيعتها الحقيقية  .

ولكن ما هي العوامل التي تحرض وتفض لهذا الاستخلاص وما هي العوامل المحبطة له؟

مفهوم ان البشر يصنعون مستقبلهم في نهاية الامر..اما العوامل المعيقة فهي:-

1- بطش الاحتلال واجراءاته اليومية، فالاحتلال مرتاح من الوضعية القائمة فهو احتلال خمس نجوم  يسرق المياه والارض و وهو السيد وو..دون ان يدفع ثمن حقيقي. ولكن هل الاحتلال نجح في منع الانتفاضة الكانونية في اواخر87او عواصف عام 2000؟ الجواب كلا.

وفي مؤتمر هرتسيليا الاخير 2015 الذي تشارك فيه النخبة العسكرية والأمنية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاعلامية.. قال (حزب الله مشغول في سوريا وغزة غير مستقرة، اما السلطة في الضفة فتضبط الوضع) ولكن هناك صحفيون تحدثوا  عن احتمال حرب عصابات جبلية او انتفاضة او تحركات شعبية كما ان جبروت الاحتلال وما لديه من قوة تدميرية هائلة لم تستطع الحيلولة دون ان تتراكم عوامل القتال في قطاع غزة او قدرة على القضاء عليها.

2- السلطة الفلسطينية الملتزمة باستحقاقات  اوسلو والتي تناهض اشتعال الضفة  الا في حدودتحرك سلمي.

كشخص دارس للعلوم السياسية وأدرسها جزئياً، استطيع أن استخرج درس من تونس ومصر، ان نظامي بن علي ومبارك لم يقويا على منع الانتفاض الشعبي، وهذا حصل في غير بلد وتجربة، كإيران الشاه مثلاً.

كما أن السلطة في مأزق فالمسار التفاوضي لم يثمر عن حل سياسي او عن ترتيبات على طريق الاستقلال، بما أثار جدلية داخل صفوفها، وهناك تيارات تقول بالعودة لخيار الشعب وليس صدفة ان تكون حركة فتح في سجون الاحتلال نحو 50% من الحركة الأسيرة. وهناك المئات من ذوي الأحكام العالية ومن الاجهزة الامنية.

اي ان السطلة وحزبها” حركة فتح” تركيبة فيها كل النماذج والاستعدادات وليس فقط دعاة التفاوض والعودة للمفاوضات مرة اخرى، سواء كان التفاوض علنياً او سرياً.

ودعوتها للمقاومة الشعبية السلمية لم تتحول لحركة جماهيرية فاعله على غرار النضال الشعبي بين 88-1992، ولنتذكر كيف تدحرجت المواجهات عام 2000 بعد ” فشل” كامب ديفيد، وغض القيادة الفلسطينية عن تحركات  اتسعت وتصاعدت دون قدرة على التحكم بها،  ولي سؤال ايضا  هل تتوحد السلطة على قمع حركة جماهيرية ..انني استبعد ذالك.

3- ثلم نصل الطبقة الوسطى ومنبعها الجامعات،بالقروض والتفتيت والثقافة  الاستهلاكية واللهم نفسي والفرديه، بما لهذه الطبقة من دور. وحسب الدكتور جميل هلال فنسبتها اكثر من 20%  في الضفة والقطاع وحوالي 50% من قوة العمل في رام الله. وهذه ممتدة في ا لكادرات الوسيطة لأجهزة السلطة والحركات السياسية والمنظمات غير الحكومية والجامعات والمؤسسة البنكيةوالاعلامية والنقابات المهنية..الخ. لكن كل مجموعة منكفئة على نفسها دون ان تحمل مشروعاً سياسياً او ثقافياً أو .. ، ، وفي استبانة اعددتها في اعتقالي الأخير تبين أن 20% هم طلبة  جامعيون او خريجيون ولكنهم مبعثرون حاليا في مرحلة الانحسار. فالتفكك جدي والخراب جدي، ولكن هذا كله يتطاير في الهواء ما ان يشتعل الحريق، ذلك أن الوطنية الفلسطينية عميقة في الوجدان والافئدة كما حال اي وطنية اخرى وكذا الاستعدادات المتنوعة وايضا  الطبقة العاملة التي اغلبها “طبقة في ذاتها وليس طبقة لذاتها” حسب التعبير الماركسي، وهي اكثر من 20% من قوة العمل ونحو 35%  في الحركة الاسيرة رغم عدم تمركزها  وايضا الكتلة التاريخية بمفهوم غرامشي . وللعلم ان الخارطة السياسية في السجون هي حوالي 50% فتح واكثر من من 30% حماس ونحو 12% جهاد اسلامي و6% شعبية و1% ديمقراطية فيما مجمل الأسرى اصب حالان 7 الاف ويتحرك الرقم صعوداً وهبوطاً حسب الحالة السياسية ..

4- حالة الاحباط والارتخاء واللهم نفسي وعائلتي وعدم الثقة بالذات وقدرتها على التغيير، وما توالد عن مرحلة أوسلو من ثقافة غير تحررية وتراجع لثقافة الثورة المرتبطة بما سبقها..وكأن لا جدوى من النضال والقيادات تبدد التضحيات، والشعب يفتقر لمشروع وطني والاحتلال يسيطر ومستعمراته في كل مكان . وهناك ديناميكية  تفكيكية للشعب وتجمعاته وخلق تفاوتات في اولوياته.

بكلمة واحدة ان للثورة ثقافتها وقيمها ولاستراتيجية التفاوض ثقافتها وقيمها، ولمرحلة الصعود خصائصها ولمرحلة الجزر خصائص أخرى، ولكنني شخصياً، استطيع استدعاء ذاكرتي في بداية الثمانينات حتى اواسط 87، اذ لم تكن قيادات العمل الوطني في الداخل لتجرؤ على الدعوة لأضراب او تظاهرة حاشدة، لتعذر التجاوب معها حتى ان حرب 82 وحصار بيروت ..لم يوقظان الوطن المحتل الذي كانت نضالاته نخبويه ومتباعدة وحسب.

ولكن ما هي المحركات التي يمكن ان ترفع منسوب المواجهة الشعبية مع المحتل وولادة مرحلة جديدة؟

اولاً: يواجه الشعب الفلسطيني احتلالاً عنصرياً اقتلاعياً ما برح التطهير العرقي بنداً في برنامجه كما كتب البروفيسور بابيه وكما تنص عليه خطة برافر في النقب ، وكما يحصل في الاغوار، ناهيكم عن ضم  القدس بعد توسيعها من 3% كما كانت  عليه في العهد الاردني الى 17% وجدار واستيطان،واعتقالات يومية وحجز للتطور واذلال لا ينتهي ولا حاجة للاسهاب فسياسات الاحتلال على جلودنا جميعاً.

فيما المشروع الوطني يتطلع للحرية والتحرير ويقاوم ولم ينفك يقاوم ولم يستسلم منذ ان اقترح الاستعمار البريطاني الحكم الذاتي  1922وصولاً للحكم الذاتي الاوسلوي 1993 ثمة علاقة صراعية  هي مصدر المواجهة بين المشروع التحرري الفلسطيني والمشروع الاحتلالي الاجلائي، قد ترتفع وتائره احياناً وتنخفض أحياناً أخرى ولكنها لا تنطفىء الا بإنطفاء اسبابه، وصدقت نبؤة الشهيد عبد القادر الحسيني” شعب فلسطين سيظل يثور جيلاً بعد جيل الى أن تتحرر فلسطين”

ثانياً: كان الشعب الفلسطيني بعد 67 في الضفة وغزة مجرد ثلاثة ارباع مليون اما اليوم فهو 5 ملاين منهم 200الف طالب وطالبة في الجامعات ومثلهم تقريباً في الحادي عشر والثاني عشر، ونحو 2 مليون شاب أعمارهم بين 16-36 سنة وبطالة لا أفق لتشغيلها تناهز 400000 الف نحو نصفهم من خريجي الجامعات والثانوية من النساء والرجال، وجدار استعماري توسعي ومستعمرات تقضم الاراضي الفلسطينينة واعتداءات للمستوطنين وجنود مدججون بالسلاح وينكلون..واليوم هناك 1.5 مليون فلسطيني وراء الخط الاخضر   واكثر من 6 مليون في الشتات..

بما يختزله الشعب الفلسطيني من طاقات وتطلعات وأرث كفاحي وخبرات ………الفلسطيني لم يتحول  لغبار الارض وسقطت مقولة ” اين هو الشعب الفلسطيني” ومقولة “أرض بلا شعب” بما تعكس مأزقاً اسرائيليا، كتب جدعون ليفي “.. لقد تم اقتلاع الشعب الفلسطيني من الجغرافيا اما محاولة اقتلاعه من التاريخ فهذا اقرب الى المستحيل والدليل انه  لم يستسلم  بل ويتكاثر. ومقولة الديموغرافيا تحمل تطلعات سياسية و لا يمكن الاحتيال عليها.

قد تضعف قيادات او جيل لكن شعبنا ككل الشعوب ولادة بقيادات جديدة واجيال جديدة تختزن كل مقومات استئناف المسيرة.

ثالثاً: لقد استنفدت المرحلة الراهنة نفسها، وهي تقترب من خط النهاية، فمرحلة أوسلو ووعودها بالاستقلال والنمور السبعة كشفت ماهيتها فهي ليست كذلك من وجهة نظر الحقائق على الارض وليس مجرد المساجلات والتحليلات المناهضة . وبعد ان  تنتهي هذه المرحلة تحل  مرحلةأخرى، فهل يسير شعبنا كما بعض دول الجوار التي تكتسح داعش مساحات فيها؟ اتوقع أن تصبح داعش مركباً . فمجتمعنا لييس محصناً كأي مجتمع أخررغم ان وجعه الأول سياسات الاحتلال و يمكن القول ان هناك تيار يعشش هنا وهناك يتعاطف مع داعش وهذا لاحظته في السجن وخارج السجن . واستطلاعات متكررة منذ سنوات تشير الى ان 50% لا يؤيدون كل القوى السياسية وهذه النسبة تنخفض مع كل مواجهة او مناخات تقاربية بين القوى.والمعركه الداءره مع داعش في سوريا والعراق تحدد فرص داعش في فلسطين ,

لا تنفك القوى السياسية هي اللاعب الحاسم بما تشهده من نزعات واستعدادات  .، وأريد توسيع الأفق ب اعطاء حيز أكبر في المرحلة المقبلة للجماهير الفلطسينيةفي  1948 هؤلاء  يتعرضون لتمييز عنصري فهم 18% من السكان ومجرد 4% من الأرض و 2% من المياه، و3% من الجامعات وبلا ميزانيات تطوير ونسبة البطالة في صفوفهم مضاعفة فيما نسبة أجورهم بالكاد تصل 60%..الخ

بل ثمة عملية منهجية لتفتيتهم ضمن سياسة فرق تسد ومخططات اقتلاعية وإلا بما نفسر مخطط برافر والشرط على المفاوض الفلسطيني الاعتراف بدولة يهودية . وكان رد هذه الجماهير المواجهةوتشكيل القائمة المشتركة في الانتخابات بصرف النظر عن الجدل حول مبدأ الانتخابات  وصولا الى رفض شرط نتنياهو بالدولة اليهودية من قبل المفاوض الفلسطيني.

ومن جهة أخرى لقد صمد الشعب الللبناني وقاتلت مقاومته عام 2006 وتكبد الغزاة خسائر فادحة بعد أن فشلت الضربات الجوبة المدمرة والاجتياح البري. ورغم انشغال حزب الله في سورياً فأولويته في الصراع  وعلى الاقل نظرياهي فلسطين وهناك جولات مقبلة على الجهة الشمالية وما التدريبات الاسرائيلية سوى  مقدمة وتهيئة .

و النظام السوري بات على قناعة ان سياسة التهدئة أربعة عقود لم تعد له الجولان . ليس هذا وحسب بل وبسبب الازمة الداخلية كاد يفقد الجنوب كمنطقة عازلة يتحكم بها الاسرائيلي الذي لا يخفي دعمه المجموعات المسلحة بحيث تصبح دمشق في مرمى النار، بل الدواعش  امتدوا الى غرب دمشق في القلمون والجرود والزبداني على الحدود اللبنانيةوعلى بعد 50 كيلو مترمن دمشق وتدور هناك معارك طاحنة هذه الأيام، ومن الممكن ان تتوتر جبهة الجولان بطول 76 كيلو متر. ولا ينبغي ان ننسى داعش وصعود ايران فهذا من شانه ان يخلق اصطفافات جديدة .

ان الاقليم غير مستقر وينطوي على كل الاحتمالات وعليه وبتكثيف:

لقد اتبع الفلسطيني السياسة الناعمة والسياسة الخشنة، ويغلب عليه في الضفة وال 48 القوة الناعمة من تعليم واعلام وفنون وتحركات سلمية وقانون وامم متحدة واعمال نخبويه هنا وهناك فيما يغلب عليه في قطاع غزة القوة الخشنة باللجوء للسلاح والقذائف والانفاق ولا شك ان الفلسطيني قد صمد ولم يستسلم  والحديث يطول عن الساحة الخارجية، وهو حين توحد ميدانياً عام 83 حمى مخيمات بيروت ولأنه لم يتعلم هذا الدرس في اليرموك تشتت من جديد أرجو أن لا تصدقوا ان السياسة هي فن الممكن فالسياسة هي الصراع القومي والطبقي بتعبير لينين ما ان تضعف يتم سحقك اما في التكتيك فيمكن مناقشة هذه المقولة ولولا ذلك لما نهضت ثورات صنعت المستحيل ولما انتصر اي مشروع تغييري فيما كان ميزان القوى والمعطيات ضده.

والنموذج المستقبلي ا توقعه ولادة جديدة تتجاوز كل النماذج وتستفيد من كل النماذج ولكن نخب المفاوضات سوف تستمر في نهجها ونهج المقاومة سوف يستمر في نهجه وهذا حال القوة الناعمة  وغير الناعمة .إما الولادة الجدبدة فسوف  تصبح هي المعطاه الاساس واللاعب الأول في الاعوام المقبله ويساعد على ذلك لو  توصل الوضع الفلسطيني الحالي الى قواسم ميدانية مشتركة . فمن شأن ذلك خلق مناخات ايجابية تخفف الاحتقان الداخلي واستنزاف الطاقات الفلسطينية بما يتيح لها الالتفات للتناقض الاساس والرئيس وهذا لاحظناه بقدر كبير اثناء العدوان الاخير على قطاع غزة 2014 فكان ذلك قاسماً ميدانياً كبيراً تعايش مع الانقسام السياسي.

وأعتقد ان سياسات حكومة “يمين اليمين” ونتنياهو ليس الأشد يمينية حالياً  تتحاوب مع حزب المستوطنين ودون ذالك تسقط الحكومه  مع الانتباه ان ثمة انزياح  نحو يمين اليمين في الشارع والحكومة على حد سواء ….هذه السياسات ستدفع العقل الفلسطيني للتفكير وتجاوز بعض ما هو نمطي ومستهلك، فثمة اوهام كثيرة معششة يمكن تجاوزها  فالحاجات توجب أفكارها في نهاية الامر بما يخفف من غلواء التناقض الداخلي واطلاق سراح التناقض الخارجي.

اي ان الوضعية المعطوبة الحالية ليست دائمه وليست قدراً ثابتاً فالتاريخ في حركة والبشر يصنعون مستقبلهم والشيء يستولد نقيضه في نهاية الامر سيما وان شروط اللحظة الراهنة في تآكل مستمر ويسكنها تناقضات وتطلعات واستعدادات  فقد تمرد قطاع غزة وهو مجرد 6% من مساحة الضفة وتمرد لبنان وهو بمساحة محافظة مصرية ومن الخطأ اسقاط الرهان على الجماهير، على الكتلة التاريخية التقدمية بلغة جرامشي والثقافة التقدمية التي تنتج روابط الكتلة.

هذه الكتلة هي ما يراهن عليه وهي صانعة الغد ونموذجه الانضج انتفاضة اواخر الثمانينات  اذكان ثمة حكمة حيدت بقدر كبير الترسانة العسكرية الاسرائيلية ودأبت على تقليص الخسائر وراعت قدرة الشعب فالاضراب الجماهيري العام كان 6 ايام شهرياً ولم تندفع الامور باتجاه الاجتياح. فالمغامرة التي تعظم خسائر الشعب تفضي لنتائج عكسية ولكنني اتخيل النموذج المقبل الذي فد يمر في محطات وحلقات وسيطه ليس فلسطينيا فقط و يشمل كل النماذج التي تتحرك مضامينها فمرة يطغى هذا المضمون ومرة ذاك في صيرورة مستمرة، تفضي لحالة استعصاء لن تزول الا بزوال الاحتلال بمظاهره كافةو يتداخل فيه الفلسطيني و العربي معا . لقد سقط المشروع القطري والوضع الفلسطيني مازوم ومستباح وهذا يمهد لما هو جديد.    

وشكرا