مسرحية القنديل الصغير وأشياء أخرى

٠٦ آذار ٢٠١٩

شاهدت منذ فترة مسرحية القنديل الصغير للشهيد غسان كنفاني، كان هذا العمل من إعداد مسرح الحرية في جنين، تخوض هذه المسرحية الموجهة للأطفال في العديد من المسائل، منها الحرية، والتنوير.

المدهش في هذا العمل أنَّني كنت أرى المشهد مرتين؛ مرةً كما هو على خشبة المسرح بشخوصه وموسيقاه وإضاءته، ومرةً أخرى في وجه الأطفال. بدا لي أنَّني لم أرَ ما شاهدوه، وكأنَّ الأطفال يشاهدون مسرحيّةً مختلفة عن التي أراها الآن. ومع تلك الانفعالات التي تمثَّلت وتجسَّدت في شخوص الأطفال المتفرّجين مثلي تماماً، صرت أرى مشهداً على المسرح وآخرَ في وجوههم، وأدركت أنَّ شيئاً ما لم أفهمه، لكنَّ الأطفال أدركوه جيداً.

أعادني ذلك إلى تساؤل نيتشه عن مسرحية هاملت لشكسبير:" هل مسرحية هاملت مفهومة؟ دون شك ولكنَّها من المؤكد تفضي بالإنسان إلى الجنون، ولكن حتى يشعر الإنسان بهذا يجب أن يكون عميقاً موغلاً فيلسوفاً."

وبالنسبة للقنديل الصغير، أعتقد أنَّنا نحن الكبار لسنا بحاجة لنكون ذوي عمق أو موغلين بالفلسفة لنفهم القنديل الصغير، ربما كلّ ما في الأمر علينا أن نعود أطفالاً مسلوخين عن معتقداتنا وأيديولوجيتنا التي أنهكتنا، علينا أن نكون بحجم البراءة ذاتها التي تمثّلت في الأطفال، وبحجم النقاء عينه، ربما لو كنت كذلك لحققت إحدى متطلبات هذه المسرحية، أو ربما متطلبات الحرية التي فهمها الأطفال.

للحظات توقف بي الزمن، وعاد شيئاً من الذين رحلوا، كنفاني وغيره، تقاطع المنسيون في ذهني جميعاً، وتصلّبت في مخيلتي سيرهم التي سمعتها مراراً ورغم ذلك كدت أنساها. كان كلّ شيءٍ حولي يبدو طبيعيّاً جداً، ولكن لوهلة، نسيت أنَّني عدميّ وانتابني شعور بالتفاؤل، ورغبة عارمة بالفرح، الفرح غير المعدّ له مسبقاً.

فكرت لو كان كنفاني بيننا الآن، لنفى عن هذه المسرحية أنَّها موجهة إلى الأطفال وحسب، فكم نحن الكبار بحاجة لها ولمثلها، لنعود صغاراً أولاً، نحن الذين ما إن رأينا بصيص أمل سرعان ما تربّص له اليأس..

عن الموسيقى الجيدة والمزاج السيء..

 

يهتدي القلب للموسيقى مثلما يهتدي التائه للطريق، وأحياناً تسقط الموسيقى ضحيةً للمزاج السيء فيتوه السمع ولا يعود للموسيقى معنى بعد ذلك.

منذ فترةٍ ليست بعيدة، لم تَستطع الموسيقى التي لطالما استمعت إليها أن تسرقني من نفسي كالمعتاد، أن تَأخُذني من هذا الواقع المُعاش إلى واقعي الذي أُحب. أعود إلى دفاتري القديمة، أبحث عن أغنية دوَّنت اسمها على عجل كي لا أنساها، وفي صفحة ما أجد ياس خضر في ليل البنفسج، لا أجرؤ على سماعها، علّني أخاف رومنسية مظفر النواب، هذه الرومنسية القاسية – شلون أوصفك وأنت دفتر؟، وآني كلمة - تحبو على صدري هذه الكلمات، تأكل من لحمي. وما أن تمرّ اللحظات حتى أستمع إليها، علّه الحنين، أو ربما هو القلب يهتدي للأغاني مثلما يهتدي التائه للطريق.

أقلب الصفحات القديمة مرة أخرى، أتنقل بين ناظم الغزالي ورياض أحمد، أغاني كدت أنساها فأحيتني، أقدم لها سمعي وصمتي فتمنحني كلَّ شيء، أستمع ثم أستمع فأعود ذا سمع نقيّ. كم أنا مدين لهذه الأغاني القديمة، إنَّها تحرّرني من الاستياء ومن المزاج السيء.

"إنني لا أستطيع أن أفرّق بين الدموع والموسيقى"، هكذا قال نيتشه في كتاب "هذا هو الإنسان." ما الذي كان يقصده؟ ربما لو فكّرنا بالعامل المشترك الأبرز بينهما لوجدنا المشاعر، الدموع تتلاعب فيها المشاعر، والموسيقى تحرّك المشاعر، تدفّقها، توجّهها، إنَّها تجعلنا نتحسّس عمق ما فينا، تجعلنا نطوف في نفوسنا وما تكتنزه الذاكرة.

وعلى سبيل التشبيه، قد تكون الدموع كالفراق، أما الموسيقى كالموت، فالفراق فيه من الاحتمالات الكثير بينما الموت قاطع لا مجال للرجعة فيه، أمّا عن وجه الشبه بينهما فهو الغياب، الغياب نتيجة الفراق ربما فيه عودة، أمّا الغياب نتيجة الموت لا عودة فيه، لا احتمالات، هكذا هي الموسيقى تأخذك إلى عوالم تألفك فتصير منك وفيك، أمّا الدموع فهي نتاج لعوالم موجودة بالأساس.

بلادي وإن جارت عليَّ "عزيزةٌ"..

 "عزيزةٌ" تزوجت منذ فترة ليست قريبة. وبعد ذلك، اختطفها مجموعة من الأشرار، لكنهم ليسوا أولئك الأشرار الذين يقاتل السيسي ضدّهم في مِصر، وليسوا هم الأشرار الذين تقاتلُ ضدهم معظمُ الأنظمة العربيّة. صحيح أنَّ هؤلاء الأشرار ليس لهم كيانٌ واضحٌ أو ملامح ومواصفات محدّدة، ولكنَّهم بالنهاية أشرار، والجميل في قصة "عزيزةٌ" والأشرار أنَّ الأنظمة العربية لا تتذكرهم إلا حينما تُريد شعوبها أن تصير حرّة، حرّة بمن يمثلها، وحرّة بكيف تتمثل. حينها، وفي تلك اللحظة، يظهر الأشرار، ولا أحد يراهم سوى الأنظمة العربيّة وأجهزتها البوليسيّة.

في مِصر، هنالك المئات من أحكام الإعدام في حقّ معارضين للنظام، والأشرار الذين يقاتل ضدّهم النظام لم ينتهوا بعد، والموت لا يتلوه سوى موت، موت بلا ثمن، وكوارث بلا ميعاد، هل سيقضي النظام على الشعب؟ في قصيدة "يسقط الوطن" للشاعر أحمد مطر، يقول فيها: "نموت كي يحيا الوطن، يحيا لمن، لابن زنى يهتكه، ثم يقاضيه الثمن، لمن؟ لاثنين وعشرين وباء مزمناً، لاثنين وعشرين لقيطاً، يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن".

"عزيزةٌ"، خرجت ولم تعد، لكنها تركت وصيةً لها، تقول فيها: "رغم أنني أحب الحياة، إلا أنّني أفكر دائماً في وهبها لشخص آخر، أن ينبض قلبي مثلاً في جسد مختلف، وأن ترى عيوني السبيل في ذهن آخر، كنت أفكر لو أنَّ كليتي تصير رحمة من عذاب لأحدهم، أو أنَّ رحمي يزهر حباً في جسم غريب". هذه قصتنا مع "عزيزةٌ" التي ما إن مر الزمن حتى تؤكل عزتها تدريجيّاً، أمّا بلادنا فقصتها لم تنتهِ بعد.