مسرحية وجهة سفر

٢٠ أيار ٢٠١٦

لا يقف الدست إلّا على ثلاث؛ وتُقصد بالثلاث تلك الحجارة التي تشكّل الموقد والتي يوضع عليها القدر، وفي مسرحية “وجه سفر” ثلاثة مغامرين ينتزعون وجهات سفرهم المختلفة عبر تجليّات أوّليّة تصل إلى ما بعد رجفة البداية،؛ “رنا برقان” و”ابراهيم زهد” و”غسّان نداف”؛ ثلاثة ممثلين وثلاثة مخرجين وثلاثة كتّاب أعلنوا وجهة سفرهم للابتعاد بالمسرح- الذي لا أستطيع الإفتاء فيه- إلى ما بعد الشعار، وأعادوا ترتيب المقدّسات والمدنّسات عبر تغيير مواضع  الصناديق التي شاركتهم البطولة في المسرحيّة، اذ غامروا في زمن قصير نسبيّاً لإنتاج مسرحيّة ودون أيّ مصدر تمويل، وحدّدوا تاريخ عرض مسرحيتهم الأوّل في السادس عشر من أيّار والذي مرّ قبل أيّام.

“وجهة سفر” التي تروي حكاية ابن الشهيد الذي أراد أن يخرج من عباءة اللّقب؛ لتنجو بنفسها وبجمهورها وأبطالها الثلاثة من كبوة التقليديّ في مدارات مختلفة، حيث إنّها نجت بنفسها من كون التجارب الأولى تقف عادةً على حافّة التنفيذ لتسقط مرّات ومرّات  قبل أن تسير إلى الأمام؛ إلّا أنّنا رأينا “وجهة سفر” تهرول منذ اللّحظة الأولى متفوّقة على الهواجس، وناجحة في أن تجمع جمهوراً راغباً ومحبّاً لِما تقدّمه؛ اذ إنّها تراعي العادي في شخصيّات الرمز، فوليد- ابن الشهيد- يرفض أن يقبل بأمره الواقع أو أن يقتات على رأس ماله الرّمزي الذي أخذه عن أب لا يعرف منه إلّا اسمه على حدّ قوله، أمّا ليلى والتي سأسميها “أم وليد” بدلاً من زوجة الشهيد- انحيازاً بنفسي له- فهي تصل إلى أقاصي العادي في محاوراتها ومناوراتها؛ اذ ترى فيها الثوريّة الصارمة الحاسمة، إلّا أنّها لا تخرج من حيّز الاتهام كأيّ امرأة في المجتمع، ووفاؤها لزوجها طوال سنوات غيابه لم يمنحها حصانة اجتماعية قد تعلو بها أكثر من الواقعي، وثالثة الهويّات هي تلك الهويّة التي يحملها الواقفون في طرقٍ مغايرة لتلك التي أرادها الشهداء؛  فظلوا يعانون رفض الجماعة لهم وينصبون الأفخاخ حول ما يرغبون به، فتنجو المسرحية من الحديث عن شخصيّة “السّلطة” بشكلها التقليديّ المفسد لتواجه شخصيّة الناقم على المحيط والمستعدّ لرغبته.

ونجتْ وجهة سفر بجمهوره؛ اذ أفسحت مكاناً للمسرح الذي يُصنع بأيدي الجمهور؛ فمجلس أمناء جامعة بيرزيت الذي اتّخذه ملتقى نبض الشبابي مقراً له صار مكاناً مسرحيّاً، لا لكونه يحتضن فعالية لأوّل مرّة، بل لأنّ هذه المسرحيّة هربت بالمسرح من القاعات المموّلة إلى الأماكن المتاحة والتي قد تحرم الكثير ممن جدّوا واجتهدوا في مشاهدة عرضهم الأول والذي صنع بأيديهم.

أمّا الأبطال الثلاث فقد نجت بهم المسرحية ألّا يعودوا الى طاولة في مقهى للتدخين وشرب القهوة؛ فكان اتّفاقهم الأول قبل شهرين من الآن يراهن على أن يُنجز العرض في منتصف أيّار، وإلّا سيعودون إلى المقهى كعادتهم؛ فشكراً لمن نجا بنفسه وبغيره ساعياً إلى خلق بديل يُعلي فكرة “العادي” ويكون ذا بوصلة واضحة تسمو على كثير من الشعارات المضلّلة.