مسرحيّة "حياة": ولادات كثيرة

١٦ آب ٢٠١٧

خاتمة ومقدمّة

"شكلها جارتنا أم محمود"، تقول "حياة" ساخرةً من المحقق المرتبك، ثمّ تضحك، بعد أن طرق أحدهم الباب يستأذن المحقق الذي كان يحقق مع "حياة" حول شهيد ارتقى منذ عقد من الزمن. هل كان الصوت الذي أخاف المحقق عندما طُرق الباب، هو نفسه صوت "دقّ جدران الخزان" الذي تحدّث عنه كنفاني في "رجال في الشمس"؟ ثمّ ينتهي العرض المسرحي ولم تنتهي "حياة" الفلسطيني. هذا ليس خوفٌ من الماضي فقط، إنه خوفٌ من الحاضر والمستقبل أيضاً.

"كيف طلّعتوا الجثًة؟"، يسأل المحقق "حياة"، بصوتٍ مرتفع، بعد أن فشل جهاز المخابرات في مهمّته التي يفترض أن تجيب على هذا السؤال. ترفض "حياة" الإجابة بالطبع؛ فلماذا عليها أن تجيب على سؤال انشغل به آخر، وهو المحقق "الإسرائيلي"؟ ثمّ يبدأ العرض المسرحي معلناً بداية الصراع.

أن تكونوا في الصورة

تنتمي هذه المسرحيّة لمجموعة شبابيّة تطوعيّة تعرف باسم "نبض"، وهي مجموعة تقوم بالعديد من الأنشطة الثقافيّة والتطوعيّة في مختلف المناطق في فلسطين، ومسرح نبض هو مسرح تطوعي، كما المجموعة، غير مموّل. يعرّف المسرح عمله بالتالي: "حياة هي الابنة الوسطى لعائلة فلسطينيّة، يتناول العمل مراحل مختلفة من حياتها، وبشكل أساسي التحولات التي تمرّ بها، منطلقة منها إلى الاجتماعي، فيما تمسّ الكوني في بعض المراحل... كل ذلك من خلال الوصيّة التي قد تبدو أنها خاضعة لتأويلات عدّة ولكنّها تبقى محصنّة".

ثلاثة أماكن يعرضها العمل، الأول: البيت في الجزائر، الذي يُظهر الفلسطيني (ناجي ورجاء، الزوج والزوجة)، في حقبة تاريخيّة ما، الخارج من الثورة طازجاً وواعياً للاستعمار، وأنجبوا طفلاً اسمه "خالد" سيكون فيما بعد الفتى المتمرّد. الثاني: البيت في رام الله، الذي يُظهر التحوّل الذي طرأ على كلًّ من الزوجين، أحدهما مُتنازِل والآخر متواطئ، بعد أن غرِقا في الحياة. وأنجبا "حياة"، البنت الفدائيّة، وطفلة صغيرة اسمها "لونا" لن أعطها صفةً. أما المكان الثالث فهو غرفة التحقيق. هل تحتاج غرفة التحقيق إلى تعريف؟

هو مسرحٌ فقير لا يعفي العمل من أدائه الفنيّ الرائع، وأدواتٌ مسرحيّة بسيطة لا تعفي المسرحية من غناها والتعقيد، ليس تعقيدَ العمل بالطبع، بل هو الواقع المعقّد بذاته. إخراجٌ جماعيّ، لا مُخرجٌ واحد، هذه إعادة اعتبار للعمل الجماعي الذي لطالما تحدثنّا عنه في العمل التطوعي ونسيناه في الثقافة والفن؛ إذ أن الفنّ في الأساس تعبيرٌ جماعيّ للمشهد الحاضر والمشهد المفقود، ولذا ما الذي يعنيه أن يكون إنتاج عمل ما عن مفهوم "الجماعة" فردياً؟!

تحتاج، قبل أن تشاهد المسرحيّة، أن تشتري لعبة "البازل" التركيبية وتتمرّن عليها في البيت، كي تستطيع فيما بعد أن تركبّ مشاهد المسرحية وتفهم الصورة الكاملة. هذه هي التقنيّة الأهم التي استخدمها العمل؛ إذ يُعرض في البداية مشهد تحقيق يتخلّله حضور جسدي وصوتي يقتطع على المحقق أسئلته لـ "حياة"، ثمّ البيت في الجزائر، ثمّ تعود إلى غرفة التحقيق، ثمّ البيت في رام الله، ثمّ مشهد التحقيق... وهكذا. كما أن العمل استخدم تقنيّة "الفلاش باك" (الاسترجاع الفني). ستقول كيف لهذا أن يحدث بمعدّات بسيطة؟ هذا ما يميّز الفلاش باك في العمل حقيقةً، أنك تراه أمامك، ترى إعادة ترتيب الديكور وترى الأشخاص يمشون إلى الخلف وترى إعادة المشاهد والأسئلة في التحقيق.

الواقع والحلم

العمل الفني ليس مطالباً بأن يعرض لك الواقع، هذا لأنك تراه في اليوميّ، وإنما هو مطالب بأن يُخبرك بما يجب على الواقع أن يكونه. ولذا، خلال مشاهدتك للمسرحيّة قد تتساءل: هل الواقع الذي نعيشه واقعيّ؟! وستذهب في خلاصة مفادها أن الحلم أكثر واقعيّة.

لقد خُلقت فجوة بين الناس والواقع، فالناس يرفضونه، كما خُلقت فجوة بين الناس والحلم، فالواقع يعتبر معيقاً له. ومن هنا فإن وظيفة الفن أن يحضر بهذه الفجوات والمساحات الفارغة، كي يشكّل حلقة وصل بين الناس وواقعها؛ لكي يفهموه، ولكي يشكّل حلقة وصل بين الناس والحلم؛ فيرونه ممكناً. ما بين الواقعيّ والحلم تتأرجح مسرحية "حياة" دون أن يكون ذلك ثقيلاً على المشاهد للمسرحيّة.

يحضر المشهد الأكثر حقيقيّة وواقعيّة للحالة الفلسطينية في إعادة ترتيب الديكور أمام الجمهور، يحضر طاقم المسرح على الخشبة ليعيد ترتيب المكان لمشهد "البيت في الجزائر" بعد أن كان المشهد هو "غرفة التحقيق"، ثمّ يعود المحقق والجنود ليخلقوا في المكان فوضى، ثمّ يأتي مشهد "البيت في رام الله" فينشغل الطاقم في ترتيب الفوضى التي خلّفها الجنود. لنعتبر ترتيب الديكور أعيد مرات كثيرة خلال العمل، إلا أننا في حياتنا اليوميّة نُعيد ترتيب الديكور بأعداد لا متناهيّة تفوق تلك التي كانت على المسرح، لماذا إذاً لا نملّ؟ هذه محاولاتٌ لا تنتهي لإعادة ترتيب الحاضر/المشهد، لنرى استمرار المقاومة والصمود، أليست هذه إعادة ترتيب للفوضى التي نمرّ بها دائماً؟!

ما بين البيت في الجزائر والبيت في رام الله، تطرأ تحولّات عدّة على ناجي ورجاء، وبالأخص رجاء، تلك الزوجة الثائرة التي ترفض أي حلّ يطرحه ناجي باعتباره تنازلاً للواقع على حساب الحلم، تنازل الواقع على حساب الأكثر واقعيّة. تتحوّل رجاء عندما نراها في بيت رام الله، هذا لا يقول عن رام الله بقدر ما يقول عن الحالة الفلسطينية اليوم. وبعد هذا المشهد الرهيب تفكّر: من الذي يحوّل من؟ هل الواقع يتغيّر فيغيّره الإنسان بدوره؟ أم أن الإنسان يتغيّر فيغيّر الواقع؟ بالطبع، العلاقة ليست تبادليّة، فثمّة واقع يجرّ الإنسان إلى تغيّره أو ثمّة إنسان يجبر الواقع على أن يتغيّر. هذا سؤالٌ عن الإرادة الحرّة أو التنازل الحرّ، أيهمّا الذي نقصده بـ "الحريّة"؟

سؤال العائلة

تعرف رجاء، بطريقةٍ أو بأخرى، أن ابنتها "حياة" تقبل على عمل استشهادي. تخبر زوجها ناجي وابنها خالد، ترتبك العائلة فيما يجب عليها فعله. تطلب رجاء من ناجي أن يخبر جهاز الاستخبارات الفلسطينيّة حتّى يوقفوا العمليّة، الذي يؤدي إلى كشفها وبالتالي اعتقال "حياة" من قبل الجيش "الإسرائيلي" وبالتالي، سجنها. إلا أن خالد، الابن المفعم بالثورة، يعتبر ذلك تخاذلاً، ويخبر أباه ألا يفعل ما تطلبه أمه، فهذا قرار "حياة" ويجب أن نحترمه. يرتبك الأب ولا يدري ماذا يفعل، هل اعتقال "حياة" أهون من "استشهادها"؟

يكاد يكون هذا السؤال هو سؤال العمل الجوهري أو سؤال الذروة، هو سؤال العائلة بالضرورة: في أيهما نحبّ أكثر، الوطن أم الابنة؟ ما هو الأفضل السجن أم الشهادة؟ أم أن هذه جميعها خياراتٌ وهميّة لا تجري في الواقع؟ فليكن إذن، لكنّه سؤالٌ مشروعٌ للطرح أيضاً، ولنعتبره إشكاليّة العمل النضالي في ظلّ وجود عائلة تحتضنك وتحتضنها؛ إذ أن أمامك شيءٌ جميّل يعزّ عليك فقدانه. وهذا نعرفه جيّداً عندما يصرّ المحقق "الإسرائيلي" على أحدهم، بعد أن كان مناضلاً: "يجب عليك أن تتزوج وتُنشئ عائلة".

تفاعلات أخيرة

  • لقد كان العمل مليئاً بالاستعارات والرموز، عليك أن تفرك رأسك قليلاً بعد كل مشهد. كما أن عليك التخلص من عدّتك النقدية السياسية كي يُتاح لك مشاهدة العمل جماليّاً، وعليك أيضاً التخفّف من عدّتك النقديّة الجماليّة لكي يُتاح لك مناقشة السياسي في العمل. لكنّ صديقاً لي يقول: لا فصل بين السياسة والجمال، لأن السياسي بالضرورة جميل، والجميل بالضرورة سياسيُّ أيضاً. ولذا هما مقولتان: مقولة سياسية ومقولة جماليّة تتداخلان وتتقاطعان، تمسك بهما أحياناً، وأحياناً أخرى تهربان.
  • يظنّ الممثلون أن الأداء المسرحي، على "خشبة" دون أن نلحق الكلمة بـ "مسرح"، ودون وجود مسافة بين الممثلين والجمهور يُسجّل على أنها نقطة ضعف في العمل المسرحي، هذا لأن المسارح الكبرى أو "الغنيّة" تعني بالضرورة وجود مسافة بين الممثلين، الذين يؤدون عملهم على خشبة مسرح حقيقية، والجمهور، الذي يجلس على كراسي خاصة بالمسرح. إلا أنني رأيت في القرب بين الممثلين والجمهور القربَ بين التمثيل والحقيقة أو بين الحلم والواقع. حسناً، هذا مجازٌ، لكنّه مجازٌ حقيقيّ.
  • لم يكن العمل معقّداً، دون أن نصفه بالتبسيط، ولم يكن بسيطاً أيضاً، بمعنى لم يكن سهلاً. وعندما اتهم أحدهم مهدي عامل بلغته الصعبة، أجابه: هذه لغة الواقع. مما أعنيه، أن العمل لم يكن نخبويّا، وإذا صحّ أن نسميّ العمل نخبوياً، فالواقع هو النخبويّ إذاً.
  • من ذهب إلى عروض المسرحيّة رأى الناس، منهم من يجلس على الكراسي وآخرون على الأرض ومنهم من ظلّ واقفاً. لقد كان هناك إقبال وتفاعل جميل يحتفي بالعرض وبفكرة المسرح الفقير. والتاريخ يخبرنا أن نشأة المسرح كانت في الشارع وبين الناس، وإذا كان ثمّة تطوّر على المسرح فعليه أن يصبّ هناك.

 

"خِلصت؟!"

انتهى العرض بنهاية مفتوحة، "شكلها جارتنا أم محمود". لم أعرف أنها النهاية حتّى أطفأت الأضواء معلنةً بداية التصفيق، وكأن المسرحيّة تقول لي: كان عليك أن تعلم بانتهائها قبل إطفاء الأضواء. لكنّ هذا لم يُشغلني، إنما سؤالٌ تولّد، ضمن ولاداتٍ كثيرة، يلوم العمل على انتهائه: "خِلصت؟!". وقف الجمهور مصفّقاً للعمل، ورأيت الدموع في عيون هذا المسرح الفقير، وخرجتُ من القاعة أفكّر في العنوان الذي يجب أن تكونه هذه الكتابة.