مسيرة العودة الكبرى: الخلفيّات وردود الفعل

٠٤ حزيران ٢٠١٨

تقديم

ظهرت في غزة ومنذ كانون الثاني الماضي دعواتٌ لتنفيذ «مسيرات عودة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دعا ناشطون إلى انطلاق مسيرات يقودها اللاجئون الفلسطينيون من مختلف أماكن تواجدهم نحو الأراضي المحتلة وقد تزايد زخمها الإعلامي باضطراد حتى أعلنت لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في غزة تبنيها للدعوة عبر مؤتمر صحفي عقدته في حاجز المنطار (كارني) في 17 آذار الماضي تحدث فيه منسقها العام خالد البطش عن تشكيل الهيئة الوطنية العليا لمسيرة العودة وكسر الحصار، تضم فصائلًا ومؤسساتٍ مدنيةٍ وعشائريةٍ ومستقلين، بدأت المسيرة في الثلاثين من آذار (بالتزامن مع ذكرى يوم الأرض)، ووصلت ذروتها في الرابع عشر من أيّار (بالتزامن مع ذكرى النكبة ونقل السفارة الأمريكية للقدس). أكدت الهيئة الوطنية العليا للمسيرة على سلميتها وعلى استنادها إلى الشرعية الدولية ممثلة بقرار الأمم المتحدة رقم 194، وكان من مهامها الحشد للمسيرة ونصب «مخيمات العودة» على بعد بعض المئات من الأمتار من السياج الفاصل على نقاط تماس موزعة على امتداده كما قامت بتنظيم نشاطات اجتماعية خلال أيامها الأولى.

ترصد هذه المقالة خلفيّات المسيرة والظروفَ التي رافقت الدعوة إليها ورد فعل الاحتلال عليها، إضافةً إلى استنتاج الأسباب الكامنة وراء تفعيل العمل الشعبي في غزة بعد سنوات طويلة من تجميده. كما ستحلل مدى استجابة الفلسطينيين في غزّة للمسيرة، وترصد تعامل المتظاهرين مع العنف الإسرائيليّ المتصاعد.

الاحتلال: بين دقّ الإسفين ورصاص القنّاصة

مع تواصل التجهيزات للمسيرة وجَّه الاحتلالُ تهديداتٍ للغزيين عبر مسؤولين في حكومته ومتحدثين باسم جيشه، وألقى منشورات على مخيّمات العودة تُحذّر من هذه المشاركة أو الاقترابِ من السياج أو القيامِ بأعمال عنفٍ ضدّه.  كما حملتْ تلك المنشوراتُ والتهديدات تحريضًا على المقاومة الفلسطينيّة في غزّة و«حُكْمِ حركة حماس»، المُتسبِّبِ الرئيسِ ــــ بحسب ادّعاء الاحتلال ــــ في ما آلت إليه الأوضاعُ السياسيّة والاقتصاديّة في غزّة اليوم.

هذا وشملت التهديداتُ شركات النقل في غزّة، إذ حذّرها الاحتلالُ من المُشاركة في نقل المتظاهرين إلى المناطق الحدوديّة. كما اخترق الاحتلال هواتفَ موظفي الشركات وأرسل عبرها رسائلَ نصيّةً تتضمّن مواعيدَ خاطئة لانطلاق الباصات إلى مخيمات العودة. ونشر من خلال عملائه في غزّة إشاعاتٍ تُرهب الغزّيين وتثنيهم عن المشاركة في المسيرة. والهدف من ذلك كله دقُّ إسفين بينهم وبين تنظيمات المقاومة.

وسعيًا إلى ترهيب المشاركين في مسيرة العودة، نَشر الاحتلالُ وحداتٍ عسكريّةً إضافيّة، إلى جانب مئة قنّاص من الوحدات الخاصّة التابعة للجيش. وبموازاة ذلك، أنشأ نقاطَ مراقبةٍ جديدة، ووضع أسلاكًا شائكةً على طول الحدود، وخصوصًا في نقاط الاشتباك المعهودة، وحصن مواقع القنّاصة بسواتر ترابية. وقد سمح الاحتلال لجنوده باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وهو ما ظهر في الجمعة الأولى من مسيرات العودة بسقوط 16 شهيدٍ و1400 جريح بسبب استخدام قنّاصة الاحتلال للرصاصَ الحيّ والمطّاطيّ، والغازَ المسيل للدموع (أحيانًا عبر رشّه من طائرات فانتو مسيَّرة). وقال المتحدث باسم وزارة الصحة أن ضمن الإصابات حالات تعرضت لإجهادٍ وتشنّجاتٍ وتقيّؤ وسعالٍ وتسارعٍ في نبضات القلب وهي أعراضٌ عززت الاعتقاد باستخدام الاحتلال لقنابل احتوت على غاز السيانيد ضد المتظاهرين.

إعادة «تفعيل» العمل الشعبي: السلاح تحت ظل الحجارة

بعد سنوات طويلة من الانقطاع، عاد العملُ الشعبيّ إلى تصدّر المواجهة مع العدوّ. فمنذ انسحابه الأحاديِّ الجانب من قطاع غزّة سنة 2005 لم تشهد غزة عملًا شعبيًا بهذا الاتساع والزخم. فمع تفكيك المستوطنات وغياب نقاط التماس المعتادة اتجه العمل المقاوم أكثر نحو العسكرة، كما أن حماس وبعد سيطرتها على غزة في 2007 ضيقت على أي نشاط شعبي في المجال العام خارج مظلتها لاعتبارات سياسية واضحة، كما أن القيود التي وضعها الاحتلال على حدوده مع القطاع، وأهمها المنطقة العازلة التي أنشأها بين الغزيين ومستوطنيه وسيَّجها بحاجز فاصل مرتبط بمنظومة مراقبة رقمية متطورة ساهمت بتقليص فرص أي احتكاك مباشر بين الغزيين وشبكة مستوطنات وكيبوتسات الاحتلال في منطقة الغلاف وفي عزل غزة عن محيطها بكل صورة ممكنة.

وكانت المقاومة قد استطاعت عقب حرب 2014 أن تكسر هيمنة الاحتلال على المنطقة العازلة ويعود الفضل في ذلك إلى استراتيجية الأنفاق الهجوميّة، التي نقلتْ جزءًا من المعركة إلى ما خلف السياج الفاصل خلال الحرب. كما رصفت المقاومة بعد الحرب، وبهدف الحفاظ على مكتسباتها الميدانية، شارعًا يربط نقاط التماس المختلفة على طول السياج الفاصل ووزعت عليه نقاط رصد ومراقبة، وهو ما أعطى الغزيين شيئًا من المرونة في استعادة زخم العمل الشعبيّ المباشر ضد الاحتلال، وظهر ذلك في مشاركة الغزيين في مظاهرات على طول السياج في هبة تشرين الثاني 2015 التي اندلعت عقب عملية تنفيذ كتائب القسام لعملية قرب مستوطنة إيتمار في نابلس.

إلّا أنّ نشاطات الغزّيين على طول الحدود خلال السنوات السابقة لم تمتلك زخمًا كالذي امتلكته مسيرة العودة الكبرى. وكانت فكرة «مسيرة العودة» ستلاقي سابقًا اعتراضًا جوهريًّا ينطلق من تخوّف منطقيّ من رد فعل الاحتلال العنيف الذي سيسعى بدون شك إلى قمع أي انتقاص واسع المجال لهيمنته على المنطقة العازلة خصوصًا وأن مهمة الجيش في تجنب خطر الفعل الشعبي واحتواءه في منطقة بالغة الأهمية أمنيًا كحدوده مع غزة أكثر حساسية ويحتاج إلى وقت أطول وجهد أمني أكبر من العمل العسكري المباشر وستظل نتائجه غير محسومة، ولذا فإن المنطقي توقع وصول القمع ضد هذا النوع من المظاهرات في غزة بالذات إلى أقصى حدوده لخفض كثافتها قدر الإمكان. وطالما أن هذا الظرف الحرج المرافق لتنفيذ فكرة مسيرة العودة لا يزال قائمًا، فمن المنطقي افتراض ربط تفعيل هذا الخيار في هذا الوقت بقرار استراتيجي للمقاومة في غزة.

في هذا الصدد لا بدّ من الحديث عن توتر الميدان في غزة مع بدء مظاهرات شهدت مشاركة محدودة وزخمًا منخفض الكثافة أوائل كانون الأول احتجاجًا على القرار الأمريكيّ بنقلِ السفارة الأمريكيّة من مستوطنة تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة، في نفس الوقت الذي زادت فيه فرق الهندسة التابعة لجيش الاحتلال من وتيرةُ الكشف عن أنفاق المقاومة حيث كشفت عن أربعة أنفاق خلال العام الجاري فقط، أحدُها كان يصل قطاعَ غزّة بمصر عبر حاجز كرم أبو سالم. وقد ردَّت المقاومة ففجّرتْ في منتصف شباط الماضي عُبوةً ناسفةً على السياج الفاصل زُرعت أثناء مظاهرات الجمعة الأسبوعية. إضافة إلى اختراق بعض الشبّان في منتصف آذار للسياج الحدودي وإحراقهم لإحدى الحفّارات وبعض المعدات التي يستخدمها الاحتلالُ في الكشف عن الأنفاق، كما نظمت المقاومة مناورات عسكرية دفاعية واسعة المجال لأول مرة في غزة قبل موعد المسيرة بعدة أيام انتهت إلى كشف عيب خطير بمنظومة القبة الحديدية.

أمّا سياسيًا ففشلت شهورٌ طويلة من محادثات المصالحة بين حماس وفتح، وانهارت عقب التفجير الذي استهدف موكبًا تابعًا لحكومة السلطة ضمّ كلا من رئيسَ الوزراء (رامي الحمدالله) ومديرَ المخابرات (ماجد فرج) أثناء زيارتهما لغزّة، وقد تبادلت حماس وفتح المسؤولية عن تدبير الاستهداف.

كما أن الظرف الإنساني في غزّة وصل إلى مرحلة بالغة الخطورة. فالقطاع يعيش تبعات حصار وحروب متواصلة منذ أحد عشر عامًا ويعاني تدهورًا في القطاع الاقتصاديّ، وفي البنية التحتيّة، وفي الوضع البيئيّ وارتفاع نسب التلوث، وما لذلك من تأثير على الزراعة، المرتبطة أساسًا في جانب منها بالاقتصاد الصهيوني ومتطلبات السوق الصهيوني من المحاصيل الغزية، والتي تُزرع دون الأخذ بالاعتبار تأثيرها على مخزون المياه الجوفية، إضافة إلى التأثير السلبي للوضع البيئي على الثروة السمكيّة  بسبب تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة في البحر، وانعكاس كل ذلك على صحة الغزّيين، فبحسب تقارير أمميّة فإنّ عدد مرضى السرطان في غزَّة بلغ ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وكانت هذه التقارير قد حذّرتْ من تحوّل القطاع إلى مكانٍ غير صالح لحياة البشر بحلول العام 2020.

هذا وكان للعقوبات التي اتخذتها سلطةُ أوسلو دورٌ كبيرٌ في تشديد وطأة الحصار على الغزيين. فبعد سلسلة من «العقوبات» المستمرة على القطاع شملت تقليصًا للدعم في المستلزمات الصحية المرسلة لمستشفيات القطاع وتجميدًا للتحويلات الطبية لمرضى القطاع إلى المستشفيات الخارجية، قامت السلطة كذلك مؤخّرًا بتخفيض رواتب موظّفيها التي تشكّل دعامةً أساسيّة لما تبقّى من اقتصادٍ منهار في غزّة، وهدّدتْ بقطعها بشكلٍ كامل، وأعادت فرضَ الضرائب التي أُعفيَ منها القطاع حين تولت قيادتَه حركةُ حماس في العام 2007. مع استمرار رئيس السلطة (أبو مازن) بتكرار تهديده المبتذل بإعلان غزة إقليمًا متمردًا في كل مناسبة ممكنة.

إذا فغزَّة كانت تتجه بخطى متسارعة نحو انفجار جديد، والمقاومة تخسر قدرات ومَوَاطِنَ قوةٍ دفعت لاكتسابها ثمنًا غاليًا ولم يكن بإمكان غزَّة تحمل مواجهةٍ عسكريةٍ جديدةٍ في هذا الوقت، لذا فقد بدا أن تفعيل التبادل بين المقاومة المسلحة والشعبية قد بات أمرًا ملحًا.

وَظّفتْ فصائلُ المقاومة كلَّ ثقلها من أجل الحشد للمسيرة. فنظّمتْ أذرعُها الإعلاميّة والاجتماعيّة حملةً مكثّفةً لإيصال الدعوة إلى أكبر عددٍ ممكن من الناس. وهو ما نتج عنه كسبها لهذا الزخمَ الشعبيّ، بالرغم من أن الدعوة لها انطلقت أساسًا من حسابات نشطاء مستقلين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعود الفضل في ذلك لإمكانات الفصائل اللوجستية ولأظهرتها الشعبية التي تشكل شريحة واسعة من الغزِّيين، إضافة إلى قرار حركة حماس المسيطرة على القطاع بفتح المجال العام أخيرًا أمام العمل الشعبي، والدفع بكل قوة في اتجاه التحشيد له.

عن «السلميّة»

بالرغم مما ورد أعلاه فلا يمكن إنكار أن الخطاب الذي تبنته الهيئة الوطنية العليا للمسيرة ــــ  بما فيها فصائلُ المقاوَمة ــــ شدّدَ دومًا على رفض العنف استراتيجيةً للعمل. فالخيام التي نُصبَتْ في «مخيّمات العودة» كانت بعيدةً عن السياج الفاصل، كما أنّ المخيمات جُهِّزت لممارسة نشاطات اجتماعيّة ورياضيّة قد تبدو أنها خُصصت لمنع الناس من الانخراط في مواجهة عنيفة مع الاحتلال. وكانت قياداتُ الفصائل قد أرسلتْ رسائلَ عديدةً تؤكّد نهجَها «السلميّ»: فظهرتْ بعضُ قيادات حركة حماس على منصّةٍ نُصِبتْ بالقرب من إحدى نقاط التماس، وفي خلفيّتها صورٌ لشخصيّات معروفة للإعلام الغربيّ باعتبارها أيقوناتٍ للنضال اللاعنفيّ بالرغم من كل ما قد تثيره أيقنتها من جدل. كما برزت خلال الأيام الأولى في مخيمات العودة محاضراتٌ وورشاتُ عملٍ تهدف إلى تعليم المتظاهرين أساليبَ المقاومة اللاعنفيّة وتكتيكاتها.

غير أنّه بدا واضحًا من تصريحات منظّمي المسيرة وجودُ اختلاف بينهم في فهم مصطلح «السلميّة». فقد عبّر المستقلّون و مؤسّساتُ المجتمع المدنيّ عن رفضٍ مطلقٍ لأيّ ممارسة عنفيّة في المسيرة، بما في ذلك رميُ الحجارة. وجرى التأكيدُ على ضرورة الاكتفاء بالتظاهر قبالة السياج الفاصل وسيلةً لإحراج الاحتلال أمام المجتمع الدوليّ، على العكس من قيادات الفصائل التي باركت نشاطات المتظاهرين وشاركت فيها أحيانًا، وبدا أنها تعتبر، تبعًا لذلك، أن «سلمية» المسيرة تعني ببساطة عدم استخدام السلاح. لكنْ، وتحرّيًا للدقّة، لا يمكن وصفُ مسيرات العودة بـ «السلميّة»، وخصوصًا مع ما اكتسبه هذا المصطلحُ في بعض الأوساط من دلالاتٍ مناهضةٍ لوسائل المقاومة العنيفة. ولقد كان تحوّلُ المسيرة إلى مقاومة شعبيّة عنفيّة غير مسلحة أمرًا حتميًّا؛ ذلك أنّ أيّة محاولة للسيطرة على طبيعة الفعل المقاوِم ضدّ الاحتلال خلال المسيرة ضربٌ من الخيال. ولأجل هذا السبب بالذات، حشد الاحتلالُ طاقتَه العسكريّة على حدود غزّة، فحاول قمعَ المسيرة قبل أن تنطلق، مستهدفًا المُزارع الشهيد، عُمر سمور، في أرضه شرق خانيونس بقصف مدفعيّ. لذلك، فإنّ لجوء المشاركين إلى العنف بصورته غير المسلحة قد كان ردّة فعل طبيعيّةً على استخدام الاحتلال للقتل المباشر.

أساليب المواجهة

أظهر المشاركون في المسيرة مرونةً عاليةً في التصدّي لقمع الاحتلال. فقد وظّفوا أساليبَ وأدواتٍ قديمةً، وطوّروا أساليبَ جديدةً ومبتكرةً تناسب ظروفَ ميدانهم الخاصّ. وقد ساهم ذلك في إعطاء المسيرة المزيدَ من الزخم والكثافة، على عكس ما سعى إليه الاحتلال، الذي ظنَّ أنّ رفعَ حصيلة الشهداء والجرحى في اليوم الأول قد يؤدّي إلى خفض عدد المشاركين في الأيام التالية.

وقد لاحظ المشاركون التأثيرَ الإيجابيّ للدخان الناتجِ من حرق إطارات الكاوتشوك قبالة السياج الفاصل خلال اليوم الأول من المسيرة، وهي وسيلةٌ استُخدمتْ في العمل الشعبيّ في فلسطين منذ وقت طويل. وظهرتْ للمشاركين شراسةُ الاحتلال ضدّ الشبان الذين نقلوا وأشعلوا الكاوتشوك قرب السياج خلال الجمعة الأولى. وتحوّلتْ صورة الشهيد عبد الفتاح عبد النبي، التي التُقطتْ له قبل استشهاده بلحظات وهو ينقل الكاوتشوك ناحية السياج بقصد إشعاله، إلى أيقونةٍ للجمعة التالية، «جمعة الكاوشوك». فانتشرتْ حمّى الكاوتشوك في غزّة، وجُمعت التبرّعاتُ من الناس لشراء الإطارات ونقلها إلى السياج لاستخدامها في الجمعة التالية. وبلغ من تأثيرها أن أصدر الاحتلال في اليوم ذاته قرارًا بمنع إدخال الكاوتشوك إلى غزّة.

ومثلما حاول المتظاهرون حمايةَ أنفسهم من قنّاصة الاحتلال عبر استخدام الكاوتشوك، فقد طوّروا أيضًا أساليبَ هجوميّةً لزيادة أضرار الاحتلال. فكان أن وظَّفوا الطائراتِ الورقيّة في نقل موادّ مشتعلة عبر السياج، نجحتْ خلال الشهرين الماضيين في إضرام النار بمئات الدونمات الزراعيّة حول كيبوتسات «غلاف غزّة» ومستوطناته. ومؤخّرًا بدأ متظاهرون باستخدام بالونات من الهيليوم عوضًا عن الطائرات الورقيّة. هذا فضلًا عن القَطْع المستمرّ لأجزاء من السياج الفاصل، وهو ما تحوّل إلى ممارسة أساسيّة في المسيرات.

وقد اقتحم المتظاهرون حاجز كرم أبو سالم مرتين ونجحوا بالتسبب بخسائر فادحة وتمثلت ذروة النشاطات بالنجاح في التسلل عبر السياج الفاصل عدة مرات وصل المتظاهرون في بعضها إلى نقاط عسكرية نصبها الاحتلال قبالة السياج وأحرقوا فيها خيامًا للقناصة.

يُلاحَظ ما في هذه الممارسات من درجة عالية من التنظيم الذاتيّ، المعتمد على لامركزيّة القيادة. فلم تتدخّلْ قياداتُ الفصائل في توجيه المتظاهرين إلى الخطوات التي اتخذوها ضدّ الاحتلال. كما اتسمتْ ممارساتُهم بالسلاسة والمرونة، وبأنها تعلّمتْ من أخطائها، وطوّرتْ نفسها ذاتيًّا. ولقد قسّم المشاركون أنفسهم إلى مجموعات، اختصّت كلٌّ منها بمهامّ محدّدة، دون الحاجة إلى قيادة موحّدة أو سلسلة أوامر.

لا يجعل ذلك كلُّه من هذه المسيرات حالةً فريدةً من نوعها؛ فهي حالة عامّة تسم الحراكات الثوريّة الشعبيّة. لكنها تكشف عن امتلاك الغزّيين ما يكفي من الوعي لحسم خيارهم في استخدام العنف الثوريّ لمواجهة الاحتلال، وبرهنوا أنّ أيّ انفراج في الحيّز العامّ للعمل الشعبيّ المغلق أمامهم منذ ثلاثة عشر عامٍ سيُستخدم لتعزيز وتيرة الاشتباك مع المحتلّ.

14 أيار وما بعده.. نتائج ومآلات

في ذات اللحظة التي كانت تُفتتح فيها السفارة الأمريكية في القدس المحتلة، وصلت المسيرة إلى أقصاها، سواءٌ على صعيد المشاركة الواسعة أو على صعيد ردة فعل الاحتلال، حيث بلغ عدد الشهداء حوالي 57 شهيدًا أُعلن عن استشهادهم في اليوم الأول إضافة إلى أكثر من 2700 إصابة، وهي أرقام توضع المستوى القياسي من العنف المتصاعد ضد المسيرة. وهو ما شكل أزمةً غير معهودةٍ للطواقم الطبية في غزة، لم تشهدها حتى في أوقات الحروب، فلم تضطر مستشفيات غزة من قبل أبدًا إلى التعامل مع أكثر من 2700 إصابة خلال ساعات قليلة فقط.

وكان منظمو المسيرة يعولون على حدوث اقتحام واسع للسياج الفاصل، وهو ما تعذر نتيجة رد الفعل العنيف، والذي أدى كذلك إلى انخفاض وتيرة المشاركة في المسيرات خلال الأيام اللاحقة، والذي ترافق مع نشاط سياسي عربي (مصري وأردني) هَدِف إلى احتواء الوضع الميداني.

يجدر بالذكر أن الاحتلال أرسل تهديدًا لحماس عبر المخابرات المصرية قبل المسيرة بيوم يحذر من أن أي اقتحام للسياج الفاصل سيُقابل بأقصى درجة من القوة، كما كان الاحتلال يحاول أن يوجه جزءًا من رده الحاد، حتى قبل 14 أيار، إلى المقاومة مباشرة باعتبارها مسؤولة عن الحدث، فقُصفت مواقع ونقاط رصد للمقاومة ردًا على اقتحام المتظاهرين للسياج الفاصل وحرق المساحات الزراعية حول الكيبوتسات، أي أن الاحتلال سعى لاستعادة قواعد الاشتباك التي فرضها تدريجيًا بعد انتهاء حرب 2014 وحاول منع المقاومة من الاستفادة من الوضع الميداني على السياج الفاصل منذ بدء المسيرة، وتصاعد رد الاحتلال وطال عددًا من أفراد المقاومة الذين سقطوا ما بين شهداء وجرحى بوتيرة شبه يومية خاصة بعد 14 أيار، فقررت المقاومة  في 29 أيار، وردًا على ممارسات الاحتلال، إطلاق وابلٍ من القذائف ضد مواقع عسكرية ومستوطنات غلاف غزة، وبالرغم من تهديدات مسؤولي حكومة الاحتلال التي تصاعدت بنبرة حادة ضد تصرف المقاومة إلا أن ردها، بالرغم من كثافته، لم يتجاوز استهداف مواقع عسكرية للمقاومة تم إخلاؤها سابقًا، مما يدلل على نجاح المقاومة حتى تلك اللحظة في تحقيق هدفها. في الوقت ذاته، كانت اللجنة الشعبية لكسر الحصار قد اطلقت قافلة بحرية من ميناء غزة متجهةُ إلى قبرص، وعلى متنها (17) فلسطينيًا، قام الاحتلال باعتراضها والسيطرة عليها. إلا أنها لن تكون القافلة الأخيرة بحسب تأكيدات اللجنة. وبالرغم من انخفاض وتيرة المسيرة بعد 14 أيار إلا أن منظميها أكدوا على استمرار فعالياتها كما حُدد يوم 5 حزيران القادم يوم ذروةٍ جديد للمسيرة، وقد أكدت قيادات المقاومة على أن المسيرة ستظل مستمرة حتى رفع الحصار عن غزة بشكل كامل.