مصر: الدولة كقوّة سياسيّة وحيدة

٠٦ آذار ٢٠١٨

منذ كان السيسي وزيراً للدفاع تعامَل إعلاميّاً مع الإدارة الإثيوبيّة بنعومةٍ فائقة جديرة بشخص ذي تربية رفيعة، وقال إن من حقّ الإثيوبيّين استخدام النيل مؤثراً التفاهم، وأعلن أن لا داعي للصدام مع ما تشمله القضيّة من خطرٍ وجوديّ على سكّان مصر؛ بتولّيه الرئاسة، بقي على ذات الحال، انخرط في وصلات غزل لترامب شخصيّاً -إذ يحبّه كثيراً إلى درجة الوله-، وللكيان الصهيونيّ حدّ القيام بدعاية سياسيّة مباشرة لإدارة نتنياهو في قلب الأمم المتّحدة، وقبلها كان قد سلّم رقبة مصر - مدخل خليج العقبة إلى آل سعود عن طيب خاطر.

كل ما سبق في مقابل حالة قمع، لا استيعاب، لكلّ من فكّر في التعبير عن مصريّة جزيرتيّ تيران وصنافير، مع وصلة تهريج وعمالة - رخيصة تحت قبّة برلمان افتراضي، وامتدّت الشدّة الحاسمة والغطرسة للتعامل مع عمّال المحلّة، أصحاب الحقوق المشروعة في مؤسّسة جديرة بالعناية والتطوير والتوسعة لإنتاج قيمة وثروة وطنية حقيقيّة، بعيداً عن ورطتيّ "الكويز" و"الجات" والنهب المنظّم باسم الأمر الواقع؛ القمع توازى مع بناء أنديّة ترفيهيّة ملحَقة بالمجمّع العسكري الصحراوي الجديد، بجوار العاصمة الإداريّة الجديدة، للترويح عن قيادات القوّات المسلّحة، زوج من الأندية أحدهما للقيادات وملحق به أكبر مسجد في تاريخ البلد تقريباً والآخر للظبّاط، كلّف كل منهما مبلغاً طائلاً من ميزانية الدفاع، في ظلّ وجود الكثير من النوادي والفنادق الفاخرة والمتنوعّة تماماً للسادة.

المراوحة بين الديبلوماسيّة والنفس الطويل حدّ الرخاوة وإقامة التوازنات العقيمة، لا الإيجابيّة، وبين الحديّة القاطعة والحسم في غير موضعه، لا تشمل فقط التباين بين الخارج والداخل؛ بداخل مصر أيضاً تمتنع السلطة عن تنفيذ أحكام قضائيّة ببطلان خصخصة مؤسّسات صناعيّة عديدة وردّ ملكيّتها للدولة، أغلبها ضخم ويشمل ما يمكن البناء عليه، لولا القرار الثابت لحكّام الأخيرة بتسليم بنيتها في الصحّة العامة والنقل العام والإنتاج الزراعي والصناعي إلى "الاستثمار" الأجنبيّ والمحلّي، تحت مظلّة مجلس دائنين شكّله صندوق النقد الدولي وابتعثه ليقيم في البلد مشْرفاً على الأداء الاقتصادي، أي على اعتصار جيوب الناس لحل الأزمة، التي تعمّقها الاستدانة لا العكس، مع مواجهة وكبح نسبي لرأس المال في قطاع الأراضي والإسكان والعقارات، لتوفير مساكن -علب أسمنتية- للشريحة الأفقر من الطبقة المتوسّطة لصالح قطاع المقاولات المقرّب للدولة.

ثنائيّة اللين والقوة المذكورة تكشف عن السؤال المُخجل للجميع، للسلطة وللمعارضة الافتراضيّة، أي سؤال "المصلحة"؛ عن أي مصالح تعبّر السلطة وسياساتها وانحيازاتها؟

وفي المقابل، عن أي مصالح يعبّر البرنامج السياسيّ العام لمعارضة استنجد قطاع منها بأنجيلا ميركل للضغط على السيسي خلال زيارتها، ليسمح لهم بحريّة العمل الأهلي، وهو ليس أهليّاً بحال، مع سمة عامّة لتلك المعارضة تُغلّب "الشعار" على البرنامج السياسي ذي الانحياز الواضح وطنيّاً واجتماعيّاً، وتُغلّب "الأفكار النبيلة" على الدراسة التفصيليّة لبنية الوطن، وإمكاناته وثرواته وجذور اختفائها وشفطها بالإزاحة للخارج، وتُغلّب إطلاق الشِعر المرسَل ومشاعر القرف والغثيان على فحص ودراسة بنية المجتمع ذاته، وهو حاضنة الدولة - الشيطان الشرير، الأمر المرتبط تماماً، بانحيازها لنموذج الفِرقة الناجية المتطهّرة ثقافيّاً ووجدانيّاً على حساب نموذج التنظيم السياسي العملي، الذي لا تحتاج نشأته من بين الناس، خامته وبيئته الطبيعية، إلى تشنّجات صاخبة وقفز من أولويّات الناس إلى أولويّات الفِرقة المثقفة المغترِبة، التي يرتبط كثيرون منها، إقتصاديّاً، بالتوكيلات الأجنبيّة والتمويل السياسي ورؤوس الأموال الكبيرة المستقرّة، ممّا ينعكس بطبيعة الحال على نمط أولويّاتهم.

ليس اختفاء السياسة عن مصر ناتجاً لقمع حريّة العمل السياسي فقط، قد يكون العامل الأهمّ غياب جماعة سياسيّة -بالمعنى الجوهريّ- بديلة في الواقع المصري، أي جماعة تمثّل مصالح واضحة ومنسجمة للشريحة الاجتماعيّة التي لا يمثّل مصالحها أحد، في مواجهة شرائح أخرى، منها ما يمثّل النظام مصالحها بالفعل، إلى حدٍ أو آخر، ومنها ما تتناقض مصالحها مع النظام على أرضية المحاصصة والتزاحُم، وليس في جوهر السياسات، أمّا الحاكم المصري فيعرف، وفقاً لمئات الشواهد العملية، من أين تأتي شرعيّته، والنسبة المئويّة التي تنقسم إليها تلك الشرعيّة ما بين الخارج والداخل، في ظلّ غياب استقطابٍ وطنيّ حقيقيّ يُفرز المواقف تجاه بنية الهيمنة وابتلاع الاستعمار الاقتصاديّ والسياسيّ للبلد، باستثناء صدمة تيران وصنافير التي تلقّاها الجميع حتّى داخل بنية الدولة المصريّة، وكانت فرصة جيّدة لإثارة ضجيج مجموعات دافعت بأريحيّة عن إطلاق سراح ناشطة بالأمر المباشر من الصديق ترامب، وفي ظلّ غياب مفهوم للاستقطاب الاجتماعي والطبقي في وطن لم ينجز تحرّره الوطني بعد، بل يتراجع عما أُنجز منه.

الحقيقة أنه ليس في مصر "قوّة سياسيّة" سوى الدولة ذاتها، ويديرها النظام، وكل ما شهدته الآونة الأخيرة من "توحّش" صدم البعض ليس إلا انعكاساً أميناً لهذا الواقع، وذلك رغم السيولة السياسيّة ذات الطابع الإعلامي التي غمرت البلاد لسنوات دون أن تفيد، في ذاتها، حضور لكتل اجتماعية حقيقيّة على الأرض ذات تنظيم وأدوات للفعل، وما في الأمر، حاليّا، هو أن الحضور "البروتوكولي" والإعلامي وثيق الصلة بالإنترنت والمنصّات الإعلامية وقوى الخارج، كتمثيل - رمزي لمعارضة رسميّة ومسموعة، ليس لديه ولم يعد لديه ما يقدّمه للتأثير الحقيقي، أو الفارق في الحد الأدنى، في حدث كانتخابات الرئاسة.