مطالب الأسرى وذاكرة الأسير- مقابلة مع الأسير المحرَّر مراد أبو ركاب

٢٤ أيار ٢٠١٧

"صُمّمت المعتقلات والسجون من أجل تحطيم إنسانيَّة الفرد وتحويل السجناء إلى نوعيَّات من المخلوقات كالتي تعيش في حدائق الحيوانات" من مذكرات أنجيلا ديفيس

من ذاكرة الفمّ والقلب

في الخامس عشر من آب للعام 2004، بدأ الأسرى إضراباً مفتوحاً عن الطعام، ليس الأوَّل من نوعه، وليس الأنجح في تحقيق المطالب، استمر لمدة ثمانية عشر يوماً.

يروي الأسير المحرَّر مراد أبو ركاب، عن ذلك الإضراب تفاصيل صغيرة لا يختبر الأسير داخل زنزانته غيرها، تفاصيل "شوربة العدس" التي تناولها بعد انتهاء الإضراب؛ يتحدًّث عن "طقوس" صناعة طبق شوربة العدس، ويُسهِب في الحديث عن المكوِّنات: بقدونس، عين جرادة، بندورة حبة واحدة صغيرة، ليمون، وزيت.

اليوم وبعد ثلاث عشرة سنة يطالب الأسرى مجدداً أن يعود لهم المطبخ، أن يحفظوا لأنفسهم طقوس طبخهم الخاصة، فيقول أبو ركاب: "للسجين ذاكرةٌ كالصخر، ولكنَّني كنتُ أكتب كلَّ شيءٍ في دفتر مذكراتي؛ كلُّ مناسبةٍ أو حدثٍ صغير وبتاريخه الدقيق، لكنَّهم سرقوا مذكراتي أثناء إحدى مرات التفتيش، مع ذلك وبعد مرور سبعة أعوام، لم يكن بمقدور السجّان أن  يمنعني من تذكُّر هذا الطعم الآن، وإلى الأبد، هذا الطعم الذي صنعناه بأنفسنا، لم يمنعني السجّان من الإحساس بطعم انتصار الإرادة."

من ذاكرة العزل الانفرادي

يكمل أبو ركاب: "إذا كانت حريتي مغصوبة، فهل يهم اتّساع المكان من ضيقه؟ مع ذلك كانت غرفة العزل التي لا تزيد مساحتها عن متر مربع. وهل تهم نظافة المكان من اتّساخه؟ مع ذلك كان المكان رطباً لا تدخله الشمس ولا التهوية، ولا يُعرف فيه الليل من النهار، تدقُّ الجدار برأسك، خالياً من كل شيء."

من ذاكرة الحنين

"مضى عليَّ ثلاثة أعوام، أحلُم بالكلمات التي أُرسلها لوالدتي دون أن أرى وجهها، وأتطلَّع من نافذة الموتى الأحياء نحو عائلتي التي لا أريد نسيان شكلها، أظلُّ أراجع صوراً لنا أمام مائدة الطعام، أو ونحن نمسك بأيدينا فناجين الشاي في صالة الجلوس. بعد ذلك الإضراب سمحوا لأهلنا بالزيارة، من خلف الزجاج وعبر الهاتف، كنتُ أحمل بيدي مطرقة الحب والشوق، وأطرق بها رأسي، تتزاحم ذاكرتي مع الواقع، و يصيبني التوتُّر أمام أفراد عائلتي الذين سفعتهم الشمس، أراهم، و يرونني، ولا أستطيع طرق هذا الزجاج، لا حضن ولا قُبلة، تلاشيتُ بحزنٍ خفيّ وأنا أراهم، لا أنكرهم ولا أعرفهم."

من ذاكرة البوسطة

"كنتُ أحاول الانسلاخ من اللحظة الأولى، لحظة اعتقالي، وقد كان عمري لا يتجاوز التسعة عشر عاماً، كنتُ مقيَّدًا و كان الجنود يسحبون والدي من رقبته، ويرمون به عند أقدامي، في عربة النقل الإسرائيليَّة. لم أجد طريقاً للإفلات من الإذلال المتعمَّد لي ولوالدي، إلّا حين سمعتُ صوت انفجار عالٍ، نظرتُ محدّقًا في وجه الجندي ساخراً،  يملأ قلبي قبل عيني ومبسمي، ضحكٌ غزير، قلت لنفسي: لا بدَّ وأنَّ الشباب فجَّروا واحدة من عرباتهم، حتى ردَّ علي الجندي المحتل: لماذا تضحك؟ لقد فجرنا منزلك، اضحك الآن."

من ذاكرة اليومي

يتحدَّث الكاتب ياسين الحاج صالح في كتابه "بالخلاص يا شباب" عن صنفين من الأسرى، فإما أن يجد الأسير لنفسه حياةً داخل الأسر وكأنَّه يدشّن و يمدِّد حياته ولا يسمح لها أن تتوقف، وذلك باستخدام كلّ وسائل التعليم الممكنة، وإما أن يظلَّ في صراعٍ دائم مع الوقت والظرف حتى تنقضي حياته في رفضٍ يائس. لكنَّ الأسرى يضربون اليوم عن الطعام معرِّضين أجسادهم للموت البطيء، قائلين بأنَّ ثمَّة يوميّ يجب أن يُعاش، مصرّين على مطالبهم، كحقٍ أساسي لاستمرار حياةٍ حُكِم عليها بأن تظل محدودةً فاقدة للمعنى، إعلاناً منهم أنَّهم يملكون حياتهم وإن كان القيدُ في أيديهم فهو لا يقيِّد عقولهم وإرادتهم، فإمّا أن تتحقَّق المطالب وإما الموت دون ذلك.