معبر رفح، قطعة من الجحيم وبوابة للمنفى

٠٥ أيار ٢٠١٨

يشكِّل معبر رفح البري بين غزة ومصر معبراً لا حاجة له، فهو يغلَق أكثر مما يُفتَح، ويشكل للمواطن الغزيّ قشة النجاة بحثاً عن الدراسة أو العلاج. للخروج من قطاع غزة المحاصر منذ عشر سنوات طريقين أحلاهما مُر؛ الطريق الأولى من معبر بيت حانون "إيرز" وهي طريقة تحتاج لتصاريح وفحص أمني وورقة عدم ممانعة من الأردن.

أما الخيار الآخر فهو معبر رفح البريّ الذي لم يتردد الكثير من المسافرين بوصفه قطعةً من جهنم لما ذاقوه من عذاب الانتظار عليه. وفي حالة هذا المعبر ففتحه يشكِّل حالة الاستثناء. ففي العام 2017 فُتح المعبر 14 يوماً، أما في العام 2016 فقد فُتح 41 يومًا، ولم يكن الحال أفضل في العام 2015 التي فُتح فيها المعبر 32 يوماً فقط، وكانت حجج إغلاق المعبر تتعلق بتعطّل أجهزة الكمبيوتر فيه أو بسبب حدثٍ أمني في سيناء. في هذه القصة سنتتبَّع قصة شابين من غزة؛ معاناة الأول في الخروج منها والآخر في الخوف من العودة إليها، والقاسم المشترك بينهما هو معبر رفح.

قطعة من الجحيم

"لما تعيش في غزة يعني خبر فتح المعبر بكون خبر عاجل، وما بتكرر إلا كم مرة في السنة" هذا ما بدأ فيه الشاب محمود أبو ندى حديثه، وهو غادر قطاع غزة قبل ما يقارب الشهر لاستكمال دراسته في تركيا. يكمل أبو ندى حديثه: "في الدقائق الأولى لإعلان فتح المعبر تلقيت العشرات من الاتصالات والرسائل لتبلغني كلها بفتح المعبر، هذا الخبر أصبح مركزياً في غزة فهو لحظات نادرة ولا نعلم متى ستتكرر مرة أخرى." 

وأضاف أبو ندى: "يبدو سفري لإكمال دراستي أمراً سهلاً، أما حالات أخرى مثل السفر للعلاج، أو لتجديد الإقامات في الخارج، أو للمِّ شمل العائلات، واللحاق بالأعمال، فيصفها الإعلام عند فتح المعبر بالحالات الإنسانية." وأردف "ربما لا يعلموا أنَّ غزة كلها حالات إنسانية الآن". 

وعند وداع العائلة، تختلط المشاعر حسب ما قاله محمود مشيراً إلى أنَّ هناك خوف من الوداع ثم العودة مرة أخرى من المعبر بسبب الرفض الأمني، أو لاغلاقه قبل أن تخرج الحافلات. "نمت على دموع أمي واستيقظت على دموعها، وحملت معي إلى تركيا دمعة وقبلة ودعوة" قال محمود. 

"في ليلتي الأخيرة في غزة قابلت ثلاثة أصدقاء في ليلة غزيَّة طبيعيَّة تخلو من الكهرباء وينيرها "الليدات" وتحدَّثنا في تلك الليلة عن أيامنا وأصدقائنا ومن سبقنا ومن بقي، وقال لي أحدهم ساخرًا قبل وداعه ‘إذا بتشتاق لغزة تذكَّر إنه آخر ليلة إلك فيها كانت على ضوء الليدات’". 

وأكمل "وصلت إلى "صالة أبو يوسف النجار" -وهي عبارة عن قاعة رياضيَّة مغلقة استخدمت كمحطة انتظار قبل معبر رفح- في ساعات الفجر الأولى، القاعة ممتلئة عن آخرها والكلّ ينتظر أن ينادى اسمه لكي يخرج نحو الصالة الفلسطينيَّة، وساعات الانتظار تقتلني قبل أن أخرج في الحافلة ما قبل الأخيرة. يمضي الوقت ولا يحدث الكثير، ففي عصر يوم السفر وبعد أن خرجت منذ ساعات الصباح، وقفت وأخيراً أمام موظف سلطة المعابر في الشق الفلسطينيّ قبل أن أتمكَّن من العبور للقسم المصري."

يصف أبو الندى الدخول إلى القاعة المصريَّة، بابتداء العذاب "هي صورة مصغَّرة للجحيم"، يُمارَس فيها كل أنواع الإهانة على المسافرين، فتُفتَّش أغراضهم الشخصية مع محاولات من الجنود للسيطرة على بعضٍ منها، "بعد ذلك، انتظرت 12 ساعة لأقابل ضابط المخابرات في إجراء يتكرَّر مع كلّ المسافرين لسؤالهم عن آراء سياسيَّة وأحوال معيشتهم في غزة، بعد كلّ هذا الانتظار سيحسم أمرنا في نصف ساعة تخرج فيها الجوازات من مكتب المخابرات في الصالة المصريَّة وتكون مفروزة على أساس من يسمح له بالمرور ومن سيعود إلى غزة. كنا نشعر بالبرد، كما أن القاعة تخلو من الماء أو دورات المياه، فيما يخرج ضباط الجوازات على دفعات للتلاعب بالمسافرين. بعد ذلك ينادوا على الأسماء، من يؤذن له بالمرور يحمل جوازه ولا يلتفت خلفه. ويبقى عدد من الأشخاص في القاعة لم يقابلوا ضابط المخابرات الذي "قفش مزاجه" بحسب تعبير الجنود المصريين ليجبروا على الانتظار يوماً آخر في القاعة المصرية." 

وأكمل "في الساعة السابعة صباحاً كانت عربات الترحيلات في انتظارنا –هي حافلات تنقل الغزيّين من معبر رفح إلى مطار القاهرة مباشرة دون السماح لهم بالدخول إلى مصر والتجول فيها- لتنقلنا إلى مطار القاهرة في طريق من المفترض أن تستغرق 5 ساعاتٍ لتأخذ معنا أكثر من 15 ساعة. بعد وصولنا إلى المطار، بدأ كل مسافر بالبحث عن أقرب موعد طائرة. وجدت طائرة في ظهر اليوم التالي، ما أجبرني على المكوث في غرفة الترحيلات ليوم إضافي آخر وسط معاملة سيئة وتهديدات بإرجاعنا إلى غزة."

استغرقت رحلة محمود 3 أيام بدلاً من عدَّة ساعات، واختتم حديثه قائلًا "بعد كلّ هذه المسيرة، لا يمكنك سوى أن تلعن الجغرافيا التي جعلت من فلسطين ومصر دولتا جوار". 

بوابة المنفى

أما نور العايدي المقيم في تركيا منذ عامين ويكمل دراسته فيها، فهو منذ سفره لم يعد إلى غزة ولم يتمكن من لقاء عائلته منذ خروجه. 

يتسائل نور العايدي في مكالمته الهاتفية مع والدته في مزاح مصطنع "وقتيش راح تيجي عندي يما؟" فيما تجيبه أمه بثبات يخفي خلفه حزن ورغبة عارمة باللقاء "بس ينصلح حال المعبر يما" هكذا بدأ نور حديثه عن معبر رفح.

"عندما خرجتُ من غزة لم أكن اعتقد أنَّني سأواجه "لعنة معبر رفح"، كنت قد أنهيت الثانوية العامة وأرى في الخروج من معبر رفح الخطوة الأولى نحو العالم والحياة، حتى أنَّني بذلت جهداً مضاعفاً فيها لكي يكون هناك أمل لي بالخروج والدراسة بحثاً عن المستقبل." 

وأكمل "كانت أحلامنا تصطدم في معبر رفح، فكان المعبر يُفتح لأيام معدودة ويجب أن يحالفك الحظ حتى تمر. كانت مراقبة وضع المعبر أمراً متعباً، إضافة إلى الإشاعات التي تثار حوله دائماً." 

انتهت أحلام الكثير من الغزيّين بسبب المعبر، أما نور فيقول "تأخرت شهرين ونصف عن دراستي، لكن لا يهم فقد كنت محظوظاً في الخروج من المعبر وقتها، وكنت أعتقد أنَّني لن أفكر في المعبر مرة أخرى لكنه الآن يحضرني في كثير من الأحيان." 

فترة الامتحانات بحسب العايدي هي الأصعب، وذلك ليس لصعوبة الأسئلة ولكن في نهايتها يعود الطلبة الأتراك والأجانب إلى عائلاتهم وبلادهم ولكن "نبقى نحن محرومين من لقاء الأهل والأصدقاء. حتى لو فُتح المعبر، لا نملك القدرة على المجازفة والعودة، فقد يُغلق علينا ونتأخر في العودة إلى الجامعة كما سيعود بقية الطلبة." 

"إنَّ ثمن السعي وراء المستقبل هو أن تحمل معبر رفح على ظهرك، وأن تصبح أمك وأحبتك سجناء الشاشات المسطحة" اختتم نور حديثه بحسرة وأمل في اللقاء.