مع غزة: الحراك كأداة لتعديل قواعد الاشتباك

٣١ تموز ٢٠١٨

رغم عدم نجاح الاحتلال الإسرائيليّ ووكلائه، على مدار العقود الماضية، في إتمام عمليّة فصل الفلسطينيين وتغريبهم عن بعضهم البعض في التجمعات التي تبلورت بعد حرب عام 1967 (شتات/67/48)، إلا أنَّ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وممثلها الشرعي والوحيد- لردح من الزمن- منظمة التحرير الفلسطينيّة لم تستطيعا، أو لم تحاولا، استثمارَ الفشل الصهيونيّ في خلق حالة نضاليّة وحدويّة تجمع بين هذه الفئات الفلسطينيّة، من أجل تفتيت مشاريع الفصل والهيمنة الاستعماريّة هذه نهائيًّا.

اكتفت م.ت.ف- عوضًا عن ذلك- باعتبار الفلسطينيين الذين ظلّوا في وطنهم بعد النكبة عنصرًا متضامنًا حينًا، أو احتياطيًّا مؤثرًا على" اليسار الصهيونيّ" في مساعي التصفية، التي أطلق عليها اسم "عمليّة السلام". كان ذلك هو السلوك الناظم للعلاقةِ في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والذي أَصبح إرثًا سياسيًّا تعتمده قيادات المنظمّة اليوم مع الشتات ومناطق الداخل المحتل، ما استمر دون اعتراض حقيقيّ عليه، رغم تقويض النظريّة التي قام عليها هذا العزل في كلّ مفصل نضاليّ لشعبنا، من يوم الأرض وصولًا إلى الانتفاضة الثانية وما بعدها.

أوسلو والداخل 

ما بعد أوسلو ليس مثلما قبله، فمن ضمن الإسقاطات الكثيرة لهذا الاتفاق المشؤوم على وعي الناس وفهمهم للمرحلة السياسية في المناطق المحتلة عام 1948، هو إدراكهم أنّ تلك المناطق قد باتت وحدها بعد أنَّ تنازلت المنظمة عن تمثيلها واعتبرتها شأنًا إسرائيليًّا داخليًّا، هذا الإدراك حتَم التحرّك ضمن هذا الواقع الجديد وفقَ قراءته سياسيًّا واستشراف المستقبل في سياقه.

أفضى النقاش ضمن تلك المحدّدات إلى ترسيخ دور لجنة المتابعة العليا، التي تندرجُ تحتها كلّ مركبات العمل السياسيّ والوطنيّ في الداخل. اختارت معظم مركّباتها النضال ضمن حدود المواطنة الإسرائيليّة ومحدودياتها، وكذلك كانت معظم الشعارات التي طرحتها. لنبقَ نحن في حركة  أبناء البلد والحركة الإسلاميَّة نغرّد خارج هذا السرب- على الأقل في خطابنا وفي نهج قياديينا ورفاقنا- الذي دفعنا ثمنه غاليًا جماعةً وأفرادًا.

الحراك مع غزة 

في السنوات الأخيرة وبسبب دور لا يستهان به لآليات النضال المستحدثة، تطَوَّر أيضًا الخطاب الداعي للتحرّر من إرث السبعينات إيّاه، الذي كرس الفرقة الفلسطينية، واستبداله بخطاب حداثويّ احتجاجيّ أكثر وأيديولوجيّ بدرجة أقل، ليحاول توسيع دائرة الشرائح التي يخاطبها، تمامًا كما كان الحال في جزءٍ من التحرّكاتِ الشعبيّةِ في الحركاتِ الاحتجاجيّةِ في الوطن العربي.

إنَّ الشعار الذي اختاره المنظمّون لحراك مسيرات العودة "العودة وكسر الحصار" هو شعار سياسيّ وطنيّ عريض لكنّه في نفس الوقت يطرحُ مطلبًا عمليًّا، له بعد إنسانيّ ملموس وممكن في المنظور القريب (كسر الحصار)، ما سهّل الالتفاف حوله ليراكمَ حراكًا متصاعدًا في كلِّ فلسطين.

في المناطق المحتلة عام 1948، تحرّكت قوى وحراكات وطنيّة في حيفا وأم الفحم والناصرة دعمًا لهذا الحراك، الذي وإنْ لم يرتقِ عدد المشاركين فيه إلى الكمّ المطلوب، إلا إنَّه كان نوعيًّا ووضع مدماكًا مهمًّا للبناء عليه مستقبلًا. إذا استثنينا التحرّكات "المباركة " للحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، التي كانت ملتصقة بالأسلوب القديم في التضامن والخطاب، فإنَّ باقي التحرّكات التي تمّت كانت نوعيّة من حيث الخطاب والممارسة. لم يكن في أيٍّ منها طلبُ تصريح من الاحتلال للتظاهر، وتغيّر الخطاب من التنديد فقط إلى التنديد والالتحام، سواء كان ذلك في المصطلحات المستعملة أو في الاستعداد للالتحام الجسديّ حين سمح الظرف الموضوعيّ بذلك، وعدم السماح لقمع الاحتلال بأن يكون رادعًا في كلّ الحالات.

توسيع القواعد ورقعة النضال كضرورة 

من الصعب تقييم أيّ عمل نضالي ونحن ما زلنا في غماره ولكن هناك ما تجبُ الإشارة إليه- بالذات الآن وقبيل الاستمرار- كي نتمكّن من تجاوز إخفاقات الماضي وضمان استمراريّة اقترابنا من تحقيق هدف التحرّكات.

بدايةً، إنّ الاستفادة من أخطاء الحراكات العربيّة هي مطلب، وبالتالي طرح سقف سياسيّ هو واجب وإبقاؤه في إطار التناقض المركزيّ مع الاستعمار هو حاجة، لذا فإنّ تعميق السلطة الفلسطينيّة لدورها كشريك للاحتلال في حصار غزة وفرض العقوبات عليها كان سيؤدي عاجلًا أم آجلًا إلى المواجهة معها وإجبارها على رفع العقوبات ضمن التناقض الرئيسي.

ولكنّ تحويل الشعار إلى "ارفعوا العقوبات" وإنشاء حملة أخرى له، مسّ بالتناقض الرئيسيّ مع الاحتلال وحوّل الاهتمام إلى التناقض مع السلطة، وساهم في إِبراز الانقسام الفلسطينيّ، ما ساعد السلطة في هذا الإطار على احتواء الحراك، بدرجة لا تقلّ عن المساعدة التي قدّمتها حماس من خلال محاولات السيطرة عليه والاستئثار به. عليه، فإنّ العودة إلى الشعار المركزيّ: "العودة وكسر الحصار"، والتحرّك ضمنه من أجل التصدّي لصفقة القرن هو بمثابة مخرج سريع وممكن لحالة المراوحة الحالية، ليعيدَ للتحرّكات زخمها .

كما أنَّ أهمّ ما حصل ويجب البناء عليه نضاليًّا، هو التحام الكلّ الفلسطينيّ في مواجهة الاحتلال وسياسات السلطة المتقاطعة معها اتجاه غزة. إنَّ التراجع النضاليّ على الساحة الفلسطينية محسوس وليس بحاجة لأبحاث تثبته، لكنّ التحرك الذي جعل ابن الناصرة يتواجد في مظاهرة ضدّ العقوبات في رام الله، وجعل ابن رام الله يتحرّك من أجل ابن غزة، الأخير الذي تحرّك لإسقاط صفقة استهدفت في أولى خطواتها القدس، ليس مفهومًا ضمنًا، وهو تغيير جذريّ في قواعد الاشتباك وكسر لقوالبه التي باتت مألوفة لدى الاحتلال.

ولذلك يجب البناء على كلّ ما سبق، وتكثيفه وتوسيعه، وهذا لا يتمّ إلّا من خلال المواجهة على الأرض، فالمرحلة تتطلب تنسيقًا وطنيًّا شاملًا لا يتعامل مع الفلسطينيّ كحالة حدّد مكانتَها الاحتلالُ بعد النكبة، إنما يستفيد من مكانه وموقعه السياسيّ، ويعمل ضمن آليات وشعار سياسيّ يقحم الكلّ الفلسطينيّ في هذه المعركة، بعيدًا عن كولسات المرحلة السابقة وأمراضها. ولتكن غزّة هي البداية لمراكمة هذه الحركة الشاملة، التي قد تكون الشرارة الكفيلة بإعادة الاعتبار للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة والبدء بإعادة بنائها.

أخيرًا، إنَّ الالتقاء الحزبيّ والشعبيّ واقتناعه بمتطلّبات المرحلة ووعيه لخطورتها، وترفّع مركّباته عن منجزاتها وامتيازاتها السالفة هو مطلب أساسيّ في أيّ تحرّك كهذا، لكنّ نضوج هذه الحراكات وانتظامها بات حتميًّا أيضًا، إذا أرادت تشكيل نموذج يتجاوز القائم ويخرجها من خانة ردود الفعل المتكرّرة إلى حيز المبادرة واكتساب ثقة الجماهير، فساعة الرمل قد قُلبت و"إسرائيل" والقوى الاستعمارية من خلفها لن تنتظرنا لننضج، والضرورة تحتّم التطوّر من خلال الحركة.