مقارنة ميتا-سياسية: الانقسام مقابل فيروز

٢٥ كانون الثاني ٢٠١٦

عادة ما تكون المقارنة بين شيئين، أمرين، أو ظاهرتين تحتويان على عناصر متشابهة وأخرى مختلفة لتصح المقارنة وتبرز الفروق. لكن ولأن هذه المقارنة “ميتا سياسية” لا تلتزم بشروط المقارنة السياسية ليكون بذلك طرفي المقارنة، القيادات الفلسطينية (الحالية) من جهة، والسيدة فيروز من جهة أخرى! فيروز، مطربة “سلاحها” الغناء وأداتها صوتها، أنصفت بلاد الشام بفنها، من “ست الدنيا بيروت” ل “أحب دمشق” مرورا ب “الأردن” وصولا “لشوارع القدس العتيقة، وأنا لا أنساك فلسطين” لتكون في المحصلة، “شام يا ذا السيف لم يغب”. كم قليل من ” انجازات” فيروز الوطنية والقومية ونوع يأخذ بعين الاعتبار اذا ما نظرنا لمجالها (الفن). أما الطرف الثاني في المقارنة وهو قياداتنا الفلسطينية من أصفر وأخضر (طرفي السلطة) أو إن شئتم سلطتي الطرف، أو إن أراد بعض آخر سلطتي الترف.

مجال هؤلاء القيادات مختلف عن مجال السيدة فيروز، فهم في مجال محصور على “المحنكين” (بضم الميم)، إنه مجال ساس، يسوس، حيث خرقوا من قواعد هذا المجال إلى حد صار يلزم به تعريف آخر للسياسة حسب تصرفات تلك القيادات! سلطة الضفة تتبنى خيارا سلمياً – تفاوضياً تحت غطاء ” الشرعية الدولية”، وذلك لإنهاء صراع مع عدو لم يعرف السلم ولن يعرفه، بالتالي يكون المعطى الأول (السلمية) قد سقط من المعادلة.

أما عن التفاوض، فالسياسة لا ترفض التفاوض، بل هو موجود في فكرها وممارستها وعلمها وأحد عناصرها ومكوناتها. لكن هناك قواعد وقوانين وضوابط للتفاوض؛ ففي موضع المساومة على “شيء ما” يأخذ بعين الاعتبار القيمة التي يتم التفاوض للحصول عليها من جهة، وقيم العدو من جهة أخرى. فقيم كل من الطرفين تحدد؛ إمكانية حدوث المساومة، وإمكانية نجاحها من عدمها. الكيان الصهيوني-الاستعماري، قيمه الفتك، وسفك الدم، والتوسع وهذا يعني أنه ليس من الممكن التفاوض مع هذا الكيان، لأن الثمن واضح، وهو تنازلات عن التراب والدم الفلسطينيين! لأنه لن يقبل بأي قيمة أخرى. بهذا ينتفي المعطى الثاني من المعادلة (المفاوضات).

بخصوص “الشرعية الدولية” تتجه السلطة في الضفة إلى “المجتمع الدولي” لتحصيل حقوقها وانهاء الاحتلال -على حد تعبيرها- وتعلم أن المجتمع الدولي لن يعطيها أكثر من أراض 67، هذا في حال كان العامل الذاتي الفلسطيني قويا جدا، وهو ما لا يعبر عنه الواقع في ظل الانقسام الذي تشكل السلطة في الضفة أحد أطرافه، هذا من جهة. من جهة أخرى تتجه السلطة للتوقيع على الاتفاقيات والمواثيق الدولية بما يشمل تلك الخاصة بحقوق الإنسان، لكن وبتوجهاتها الداخلية المناقض للتوجه الخارجي، لا تخلوا سجون السلطة في الضفة من المعتقلين السياسيين! فأي مصداقية تكون للسلطة في/ أمام توجهها للمجتمع الدولي؟!

كل هذا، وعلى حد تعبير سلطة الضفة يمثل “تجاوب مع الأمر الواقع” هذا الواقع الذي تتحدث عنه، هو واقع-استسلامي ، فالواقع لا يمنعها من خوض النضال، وهي تعلم تماما إلى ماذا يؤدي النضال، بما هو موجود في النشيد الوطني من قهرا للمحال! أعتقد أن سلطة الضفة وإن سلمت “للواقع” فالواقع في براء منها! في الطرف الآخر، في القطاع حيث يوجدون “رجال الله” نرى قياداتنا (سلطة القطاع) تتجه لتشويه سنوات من الصمود والمقاومة والنضال والتضحيات والثبات، بإتباعها نهجا أخشى ما أخشاه أن تصفه بالواقعي!

على كل حال، الخشية الأكبر من أن تتلوث سنوات المجد تلك بالنفط القطري، والأساطير العثمانية. وأخشى أن ترف السلطة بات يروق لهم، حتى نسوا أنهم كحركة مقاومة من المستحيل أن يكون لهم نفس نهج الدول كاملة السيادة في علاقاتها الخارجية، فليس لسلطة القطاع إمكانيات الدول المستقلة وكاملة السيادة لتزن تحالفاتها بمكيالين، أو أن تلعب على أكثر من حبل في آن واحد. فكم من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية تملك سلطة القطاع حتى تغير، أو تبرر، تحالفاتها؟ وأي دور تنتظره سلطة القطاع من وكلاء العم السام في المنطقة، غير دور الاحتواء، ب”تعشيب ملعب” أو “تزويج ألف عريس” أو بناء “حي سكني” باسم حاضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة!. أم يبدو أن سلطة القطاع باتت بوصلتها تخضع شيئا فشيئا ل “المغناطيس المعتدل” ، وصدقت أكذوبة “الربيع العربي” ب “تحولاته الديمقراطية” ؟ أما عن توجه سلطة القطاع الداخلي، لا بد أنهم يرددون في صلواتهم “واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا” لكن ليس بوضع أيديهم الاثنتين على صدورهم، بل بوضع يديهم على عيونهم لكي لا يروا الانقسام الذين هم أحد أطرافه وأسبابه ومسببيه.

يبدو أن الحديث في مجال ساس، يسوس ليس لي قدرة على الخوض به، وأفضل لذلك أن أعود لطرف المقارنة الأول (السيدة فيروز) التي كانت أفضل من عبر عن التجاوب مع الأمر الواقع، فليس هناك أكثر واقعية من قول “نمحو بالنار النار” ، وليس هناك أكثر صدقية منها في تأدية الرسالة العادلة التي يحمله كل إنسان عادل في هذا العالم. رسالتها (مخاطبة الضمير) أدتها بكل ضمير من خلال مجالها (الفن) لتقول “يا صوتي ضلك طاير، زوبع ب هالضماير، بلكي بيوعى الضمير”. أختم، وعلى نهج ” كن مثل بلال” أقول لقياداتنا، فيروز أبدعت في مجالها، وأدت رسالتها متجاوبة مع الواقع حق تجاوب، قياداتنا… كونوا مثل فيروز!!.