مقطع من كتاب "سأكون بين اللوز" لـ حسين برغوثي

٣١ آب ٢٠١٦

” لَا يَعودُ أحدٌ إلى أوَّله، ولو لماماً، إلَّا إن عاد إلى تاريخه، إلى نفسه في تاريخه. مثلاً، كنت أبحثُ عن مدينة لاسمي. وفقط في التاريخ يمكن أن تكون لأيّ اسم مدينته. مثلاً، في “البتراء”، هذه المدينة التي نحتها في الصخر الوردي “نحّاتو الزمن” من العرب القدماء.
هناك، وأنا قاعد مع بترا وآثر، أمام “أعمدة الخزنة”، وأراقب سائحاً “يعشقُ جمع الصور”، وجملاً عليه سجادة بدويّة مطرَّزة بأشكال هندسيّة، وكلباً ضخماً للحراسة، شعرت أنَّني ابن هذا الإرث. وتتأرجح روحي أمامه بين الصخر والرماد، بين الأهرامات والأغاني العابرة. من هنا جاء الخطَّ النبطيّ الذي جاء منه الخطُّ العربي الذي أكتب به. نحتوا مدينة في الصخر، وأخرى في الخط. وأنا؟ من مواليد “خارج الزمن”؟ بقي لي جمل يركبه سائح في عنقه كاميرا؟
خسارة، قلت لنفسي، أن تمرَّ على سطح الأرض، ولا تغيّر شيئاً، أو تترك أثراً، خسارة، يا ابن هذا الإرث العظيم! خسارة أن تولد وتموت في زمن مهزوم، بوعي مهزوم، وخائف، وحتى اسم ابنك، “آثر”، حسبوه “آرثر”، اسماً غريباً، اسم من استعمروك، ولم يخطر ببال أحد أنه من “لسان العرب”! خسارة أن تفقد نفسك إلى هذا الحد. هل هذا التشرُّد من التاريخ، أو “فيه”، هو ما يجعلني أبحثُ عن مدينة لاسمي، ولا أجدها؟ سرّ تشرد اسمي نفسه؟
في مدخل البتراء دفعت “ثمن تذكرة” للدخول، ثمناً عالياً لا يدفعه إلَّا سائح أجنبي، وعبثاً حاولت أقنع الموظف أنَّني لست “أجنبياً”، عن إرثي، وإرثه! عندما يفقد أحد ماضيه تماماً، تستطيع أن تصنع بمستقبله ما تشاء، لأنَّه فقد “ظلَّه” الممتدّ في التاريخ. هذا الصخر الملّون في بتراء ظلي، أنا الذي قدره فقط، أن “يراقب”،و”يرى”،و”يمرُّ”،ولا “يتدخّل”، ولا ينحت، ولا حتى يحتجُّ، ويحمل ورماً ملتهباً، سيلاً من خلايا حمراء في فلقة رئته اليسرى.
بقي لي جسدي، من كل هذا الإرث، بقايا جسدي، بالأحرى. بقايا تشبه أغنية فيرو:
“يا شجرة الإيام، غيَّرنا الهوا
فرفطلنا الورقات وعرينا سوى
يا شجرة الواقفة بمهب الهوا
مثلك أنا: شجرة على مفرق طريق!”
هذه أغنية جسد شلح تاريخه أو شلَّحوه إيَّاه، ويشعر، تحت هذه الزيتونة المقمرة، أنّه “خارج الزمن”، وحده، ليس حلماً، بل انعكاس حلم. والفرق هنا “حرف راء” به يصبح آثر، مثلاً، “آرثر”. ما دام الحاضر “قرن ثور” عليَّ أن “أتجنّبه”، كي تستقيم رؤاي.
منذ زمن وأنا أطير كعصفور سفته الريح، بطريقة “مائلة”، وأتجنَّب، كي أرى. مثلاً، تعرَّفت إلى زوجتي، بترا، في ستوديو كنت أسكنه في رام اللّه. وقبل أن تأتي، وأتعرف إليها، كنت، ليلاً، أرقب ظلّي على جدران البيت، تحت ضوء شمعة، وأشعر وكأنني هو، أو كأنّ ظلِي هو الذي يرقبني، وأبدو “مسطَّحاً”، مثل هذا العراف الجاهليِّ، “سطيح”، الذي كان يطوى جسمه كثوب ويمكن أن يرتَّب في خزانة.
وعندما تنقطع الكهرباء، مثلاً، تغمر العتمة كلّ شيء، تختفي كلُّ ظلالي، ويبقى جسد – كتلة صماء لا ظلال لها، أتحسَّسها وكأنّها جدار من الإسمنت الخشن. شعري نفسه بدا وكأنَّه ينمو من جلدي كالأقحوان، والسنابل، وكأنَّني حقل، أو تلٌّ أثري، أوليس هذا حنيناً إلى التاريخ؟. وفي ليلة ما، في حمام الإستودويو هذا، وقفت أمام المرآة، تحت إضاء كهربائية صفراء، خافتة: وحدَّقت في وجهي، وكأنَّني شخص آخر.
كان شعري طويلاً جداً، وأشقر وأجعد، ويتدلَّى ضفائر على كتفيَّ، وكان مبتلاً، والماء يقطر منه على عينيَّ، وحواجبي، وشفتيَّ. وفجأة رأيتني كثَّ الحواجب، عجوزاً كهلاً وهن العظم منه واشتعل الرأس شيباً، بشفتين غليظتين في غاية الحمرة، وعينين غريبتين تسبران الغيب، ولا تريان ما أمامهما، وشعرت بأنَّني تايريزياس، عرَّاف معبد دلفي، في القرن الرابع قبل الميلاد. لست من هذا الزمن. وبدأت أنشد من قصيدة “الأرض الخراب”، ل (ت.س. إليوت): “وأنا، تايريزياس، الذي رأى كلّ هذا..”.
وخرجت من الحمام إلى ساحة مزروعة بالليمون واللوز، والنجوم، حول الإستودبو، وأنا أكرِّر:”وأنا، تايريزياس، الذي رأى كلّ هذا..”. ورأيت رام الله، بنت هذا التاريخ المختلِّ، وقلت: أنا الشاهد الأوحد. اللهم فلتشهد!
أتت بترا إلى الساحة. وتعرَّفت إليها بين اللوز. وتزوّجنا. وأصبت بالسرطان. بدأ شعري يتساقط من العلاج الكيماوي. وقفت أمام مرآة أخرى في بيت آخر، وليل آخر، وضوء آخر، في “بيرزيت”، ولمست شعري: كان جافاً، ولا أشعر به، وشبيهاً بأسلاك معدنيّة دقيقة. وكلَّما وضعت يدي على خصلة شعر خرج بعض منه بين أصابعي، أو سقط في المغسلة. “وأنا، تايريزياس، الذي رأى كلّ هذا..” وقلت لنفسي: عد إلى تاريخك، “أنت وحدك عدم”، كما قال شكسبير، حتى تايريزياس كان الناطق الرسمي باسم الآله، وليس وحده.
حلقت شعري كلَّه بشفرة، وبزغت صلعة تلمع في صفرة الضوء، كهوية جديدة، ومدهونة بزيت الزيتون.. كنت تايريزياس الأكثر نضجاً، ولكن لم أدر ما اسمي الآن. ولا ما هي مدينة اسمي، وقهقهتُ من شكلي، وأناي وهناي، وما عليّ أن أكون.
كنت في نظر غيري، ربَّما، صاحب شعر طويل، أشقر، محض متمرِّد ثورته لا تتجاوز شكل شعره. والآن يبزغ أصلع فقد “علامته المميِّزة”. هويَّتي تأتي من تاريخي، وروحي، وليس من شعري وصلعتي. ولكنَّهم شلحوني تاريخي، ولم أعد إلّا شجرة على مفرق طريق. والسرطان يحاول أن يشلحني جسدي؟
فكَّرت، وأنا أحدِّق في المرآة، أنَّ كلَّ ما يلزمني ثوب طويل أصفر، يليق بعراف، أو بطفل نبي، وصندل جلد قديم، وأظافر أقدام فظة تصلح حتى لعبور المستنقعات، وأن أرحل، بحثاً عن اسم لي، وعن مدينة لاسمي، في تاريخ هذه البقعة من التاريخ. سأمرُّ على طيبة مصر، وبيبلوس، وبابل، وتدمر، وبتراء، والأندلس، ولو كان صندلي زنبقة بيضاء في خطوة من خراب.

وبداياتي ليست نقطة، بل نجمة مشعة. ومن أشعتها الغجر الذين يعرفون أمّي، وأرجيلة قدورة، وربابته، و”الدير الجوَّاني”، وأصلهم في حكاياته عن الزير سالم. وهذا، أيضاً، من التاريخ الذي شلحته، أو شلحوني إيَّاه.
خسارة ياابن هذا الإرث العظيم.
من يعرف من أين جئت؟ لا أحد! ولا أحد سيعرف أين أذهب!
ويوماً ما، سيعرف الجبل أنَّه اختار الثبات، كمدينة البتراء، واخترت الحركة، كالنار، والهواء، والأغنيات، والحكايات، وقصص الجنِّ، ولا بدّ أن نتعارف ثانية، ولو في لحن ربابة!
الجبل بدايتي الأولى، ودفعته إلى “أقصاه”: أوصلته إلى الإسكندر المقدوني، والمتنبي، وأمون، ورع، ورأس الرجاء الصالح، ولاو-تسو، وبوذا، وجلال الدين الرومي، وبودلير، وماركيز، وميشيما، وغير هذا الكثير، والكثير جداً. وفيَّ وصل هو إلى أقصاه، وصار هو، هو نفسه. وأنا أدرى ببداياتي، فهل يتعرَّف هو، هذا الجبل نفسه، هل يتعرف في ملامح وجهي التي تتكوَّن كأسطورة غاية في الغرابة، على أحد أقاصيه، وإحدى نهاياته؟ هل يتعرَّف هذا الجبل.. هل.. في ملامح.. على أحد.. أقصى، ونهاياته؟ أنا من غريرياته، وآن له الآن أن يراني، على هيئة “غريريا” تصعد الجبل نحو القمر الأحمر الذي يشبه إلهة مغمضة العينين وتتأمّل فوق “خطِّ الشفا”، ويقول لي: هناك، هناك، ألا ترى؟ هناك، سلالم الروح إلى سماء الحديد الفرعونيَّة فاصعد! “