من أين أبدأ

٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٦

* اللوحة للفنانة الراحلة ليان شوابكة

سَقَطَ الصباحُ وَكُنْتُ صَغِيرًا يَا أَبِي وقلتُ لَكَ جمَّع أَحْزانكَ وَأَحْذَرهُم، إِنهم يَسْرِقونَ الْغَيْثَ والعي، حَتَّى سُكُونُ الْمَوْتِ هم يَسلبونهُ، قَتَلُوا الخَرِيفَ في عينيك وأَنتَ لم تَزَلْ رَبِيعًا مُثْمِرًا تَنْزِعُ الْأَقْدَاسَ عَنْ أَشْجَارِ الْمُتْعَبِينَ .. قَتَلُوكَ ثُمَّ قَتَلُوكَ وَحَتَّى اللَّحْظَةِ هُمْ يَقْتُلُونك.

قَتَلُوكَ لِأَجْلِ اللَّهِ، لَكِنَّهُمْ واللَّهِ لَوْ أَحَبُّوا اللَّهَ مَا قَتَلُوكَ، واللَّهُ لَوْ أَدْرَكُوهُ حَقًّا لَتَرَكُوكَ طَيْرًا تُغَرِّدُ الْبُؤْسَ فِصْحًا وَتَجْعَلُ الْعَصْرَ فَجْرًا، لَكِنَّهُمْ قَتَلُوكَ ثُمَّ قَتَلُوكَ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ مَوْتِكَ يَقْتُلُونكَ، فِي صَحْوِهِمْ وَنَوْمِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ وَدُعَائِهِمْ يَقْتُلُونكَ.

ما الْمَوْتُ يا أَبِي إِلَّا إتساعُ نَجْمَتَيْنِ ورَحِيلُ شَفَقٍ احْمَرَ أُفُقِيَّ الرُّؤْيَةِ، مَا الْمَوْتُ إِلَّا قَمرٌ شَارِدٌ يَلهُو بَيْنَ فَرْحَتَيْنِ، مَا الْمَوْتُ إِلَّا سَمَاءٌ تَسْقُطُ عَلَى أَرْضٍ، وَأَرْضٍ تَبْتَلِعُ أَرْضاً، وَلَيْلٌ يَسْحَلُهُ النَّهَارُ عَلَى مَرْئى أَجْفَانِ الْحَالِمِينَ، مَا الْمَوْتُ إِلَّا حُضورُ الْغِيَابِ على هَيْئَةِ رَجُلٍ غَرِيبٍ، ما الْمَوْتُ إِلَّا أُمةٌ تَمُوتُ لِأَجْلِ مَوْتِها أَو بَلَدٌ تشيدُ الْعُمْرَ فِي مَقْبَرَةٍ، مَا الْمَوْتُ يَا أَبِي! مَا الموتُ؟

أَسِيرُ فِي بِلَادِنَا وَأَبْحَثُ عَنْكَ في المَعَابِدِ وَأَرَاكَ فِي خَوْفِهِمْ، أَرَاكَ يميناً يسارًا، أَرَاكَ بِالتَّجَلِّي وَالْمَقَاهِي، وَفِي قَصِيدَةِ ثَأْرٍ لَمْ يَعُدْ يَحْفَظُهُا أَحَدٌ، أَرَاكَ في الْهَوَاءِ الدَّافِئِ وَفِي بَرْدِ الشِّتَاءِ، أَرَاكَ .فِي رَغِيفِ الْخُبْزِ وَالطَّحِينِ، أَرَاكَ فِي جَهْلِنا .. أَرَاكَ فِي عِلْمِنا، أُقْسمُ أَنَّنِي أَرَاكَ وَأَعْلَم أَنَّنِي لَا أَرَاكَ