من حلف بغداد إلى حلف الرياض: الأهداف واحدة

٢٠ أيار ٢٠١٧

الصراع على منطقة الشرق الأوسط وخاصة المنطقة العربية هو صراع على خيراتها وثرواتها وموقعها الجيو استراتيجي، وما زال صراعاً تاريخيَّاً يدور بين القوى الكبرى.

منذ نهاية الحقبة الاستعماريَّة البريطانيَّة الفرنسيَّة، وبعد الحرب العالميَّة الثانية واتفاق مالطا ما بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكيَّة من أجل اقتسام العالم، لجأت الولايات المتحدة لإقامة الأحلاف العسكريَّة في المنطقة تحت شعار مواجهة الخطر والمدّ الشيوعيّ وتحقيق الحريَّة والديمقراطيَّة والرفاهيَّة لشعوب المنطقة، وكان واحد من أهداف هذا الحلف المركزيَّة هو مواجهة حالة النهوض والمدّ الوطنيّ والقوميّ العربيّ في المنطقة، ولذا كانت مصر وسوريا في قلب استهدافات هذا الحلف، ويضاف إلى ذلك هدف رئيسيّ آخر وهو حماية أمن إسرائيل ووجودها وبقائها كقوَّة مركزيَّة في المنطقة. ومن هنا جاء تأسيس حلف بغداد عام 1955، والمفارقة هنا بأنَّ إيران في تلك الفترة كانت دولة في هذا الحلف الاستعماريّ العدوانيّ، أما اليوم فتعتبر إيران معادية للنفوذ والمصالح الأمريكيَّة - الإسرائيليَّة في المنطقة.

لاحظوا جيداً بأنَّ الأحلاف المعادية التي جرى ويجري تشكُّلها تحت شعارات خادعة ومضلِّلة تخفي خلفها نوايا عدوانيَّة واستعماريَّة على درجة عالية من الخبث، وغالباً ما تتمسح بالحريَّة، والديمقراطيَّة، وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية الاقتصاديَّة والرفاهيَّة للشعوب، والتخلُّص من الأنظمة الديكتاتوريَّة والقمعيَّة. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فجرى غزو العراق واحتلاله تحت هذه الشعارات الخادعة والمضلِّلة، لكنَّ الهدف الحقيقيّ كما كشفت عنه وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة السابقة "كونداليزا رايس" كان احتلال العراق وثرواته، وتفكيكه مجتمعيَّاً، وإعادة تركيبه طائفياً. ولم يكن له علاقة بالديمقراطيَّة والحريَّة وغيرها، ناهيكم عن أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، كذلك الشعارات الخادعة التي رافقت ما يسمى بـ" ثورات" الربيع العربيّ، سبَّبت الخراب، والدمار، والقتل، والتهجير في البلدان العربيَّة التي حدثت فيها.
الحلف الذي سيتشكل في الرياض بغضِّ النظر عن تسميته، "حلف الرياض" أو "الناتو العربي – الإسلامي" هو تعبير عن تحالف لدول لها مصالح كبيرة في المنطقة تريد أن تحميها وتدافع عنها، مع أنظمة مرعوبة وخائفة على عروشها ودورها في المنطقة، وتريد من الدول صاحبة المصالح أن تشكل مظلَّة حماية ودفاع عنها، شريطة أن تقدم هي وتضخ حنفيات المال وشراء السلاح من هذه الدول.
سقط حلف بغداد في المنطقة العربيَّة بعد سقوط الملكيَّة في العراق، وثورة عبد الكريم قاسم في تموز 1958، وخرجت منه باكستان بعد رفض "الحلف" دعمها في حربها مع الهند عام 1971، وخرجت منه إيران عملياً بعد الثورة الخمينيَّة في عام 1979.
حلف الرياض، والذي يجري الحديث أنَّه سيعمل على تحوُّل تاريخيّ واستراتيجيّ في العلاقات والتحالفات الأمريكيَّة – العربيَّة-الإسلاميَّة، سيكون له تداعيات خطيرة وكبيرة جداً على المنطقة. فالسعوديَّة التي نشطت في توجيه الدعوات للزعماء العرب والمسلمين، والتي كانت أشبه بمذكرات الجلب لهم للمشاركة في هذا الحلف، ترى أنَّ حماية عرشها ودورها ومصالحها في المنطقة، يجب أن تكون على رأس سلَّم أولويَّات هذا الحلف، ولذلك سيكون من أولويَّات ونتائج القمم الثلاثة التي ستعقد في الرياض (القمَّة الأمريكيَّة – السعوديَّة) و(الأمريكيَّة –الخليجيَّة) و(الأمريكيَّة – العربيَّة – الإسلاميَّة)، تغيير كبير للمشهد في الشرق الأوسط والمنطقة نحو شراكة واسعة أمريكيَّة – عربيَّة-إسلاميَّة، وتصعيد الحرب على "الإرهاب" وقوى المقاومة بكلِّ الأبعاد الأمنيَّة والفكريَّة والماليَّة والسياسيَّة، وسيطرة أوسع على الفضائين الإعلاميّ والسياسيّ، وتنامي سياسة شراء الذمم و"التطويع" للشباب والقيادات المجتمعيَّة والسياسيَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة لإبعادها عن العمل المقاوم، وسيكون جزء من ذلك على شكل مبادرات اقتصاديَّة وثقافيَّة لمنع التحاق الشباب بالقوى الدينيَّة المتطرفة من خلال ما يسمى بنشر ثقافة التسامح والمحبة.
ستكون روسيا على رأس الاستهدافات لهذا التحالف، ولذلك سيتمُّ العمل على محاصرة نفوذها في المنطقة بكلِّ الطرق، وسيكون التفتيت الجغرافي أحد تلك الطرق، في عقر دار المصالح الروسيَّة – سوريا نموذجاً، كما ستكون إيران وتصاعد نفوذها الإقليميّ ضمن أولويَّات دائرة الاستهداف لهذا الحلف أيضاً، وهي "الشماعة" التي ستستثمرها أمريكا في قيام هذا الحلف، حيث ستواصل تسعير الخلاف المذهبيّ المصطنع؛ السنيّ – الشيعيّ بين السعوديَّة وإيران، وستستمر بالترويج أنَّ إيران تشكل الخطر المباشر على أمن المنطقة عامّة ودول الخليج خاصّة، ولذلك يجب حشد كلّ الإمكانيَّات الماليَّة الخليجيَّة والعسكريَّة الأمريكيَّة والاستعماريَّة الغربيَّة والإسرائيليَّة لمواجهة هذا الخطر. لكنَّ قرار شن الحرب على إيران سيكون أمريكيَّاً- غربيَّاً واستعماريَّاً وليس بأيدي أدوات التحالف الأمريكيّ الخليجيَّة العربيَّة.
ضمن تصاعد ما يسمى بالحرب على "الإرهاب" سيكون الهجوم على حزب الله اللبناني أولويَّة لهذا التحالف، فهذا الحزب أصبح قوَّة إقليميَّة تشكِّل خطراً على أمن إسرائيل ووجودها في المنطقة، ولذلك ستعلن عليه في المرحلة الأولى حرباً شاملة بكلِّ أبعادها الاقتصاديَّة والدبلوماسيَّة والسياسيَّة والإعلاميَّة، تمهيداً لشن الحرب عليه لاحقاً وتصفية دوره ونفوذه.

ومن جهة أخرى، ستستمر تغذية الصراع في سوريا لأطول فترة ممكنة، وسيجري العمل على خلق مناطق نفوذ تمكِّن من فصل العراق عن سوريا في منطقة الحدود العراقيَّة-السوريَّة-الأردنيَّة، بما يقطع خطوط الإمدادات الإيرانيَّة للمقاومة وحزب الله، ويمنع مد خطوط نفط وغاز إيرانيَّة. وهنا يجب الملاحظة أنَّ الحرب على حزب الله وسوريا يمكن أن تناط المهمة في تنفيذها لقوات إسرائيليَّة- عربيَّة مشتركة أو منفردة، لكنَّ الحرب على إيران ستكون مباشرة وبقرار أمريكيّ فقط.
أما على صعيد العلاقات مع إسرائيل، فسيعمل الحلف على تطبيع وتشريع العلاقات ونقلها من الجانب السريّ إلى العلنيّ، حتى تصل إلى درجة التنسيق والتعاون والتحالف، وفيما يخص القضيَّة الفلسطينيَّة، سيتم العمل وبمشاركة مباشرة من هذا التحالف على تصفيتها، وحصر حلِّها في إطار مشروع نتنياهو للسلام الاقتصاديّ أو بترتيبات إقليميَّة مع الأردن. وما تطلبه السلطة الفلسطينيَّة من ترامب من مطار وفنادق ومحطَّة طاقة وتسهيلات اقتصادية يندرج ضمن هذا الحل، أي تأبيد وشرعنة الاستعمار مقابل تحسين شروط وظروف حياة الشعب الفلسطينيّ في ظلّه، وقيام إطار اقتصاديّ إسرائيليّ- فلسطينيّ-أردنيّ أو فيدراليَّة فلسطينيَّة – أردنيَّة تتقاسم الفائض عن حاجة الأمن الإسرائيلي من الأرض الفلسطينيَّة.
ليست الطريق أمام هذا التحالف معبَّدة بالورود، فالتحالف الروسيّ-الإيرانيّ-السوريّ وحزب الله إضافة إلى العراق ودول البركس ما زال على قدر عالٍ من التماسك، وسيظهر شكل تحرُّك هذا التحالف في المستقبل القريب في ظلِّ التحالف الآخر المكشوف المزمع قيامه، فالاتحاد السوفييتي واجه قيام حلف الناتو على المستويين الاستراتيجيّ والأيديولوجيّ بإنشاء حلف وراسو.
لدى "حلف الرياض" المزمع قيامه إمكانيات ماليَّة وعسكريَّة كبيرة، ومساحة واسعة من الأرض التي سيتحرك عليها، يضاف إلى ذلك فضاءات إعلاميَّة وثقافيَّة تضليليَّة واسعة يجنَّد لها كتبة وقيادات سياسيَّة ومجتمعيَّة وثقافيَّة وإعلاميَّة بأعداد كبيرة. ولكن كما أسقطت ثورة العراق حلف بغداد، فإنَّ الاستعصاءات الناتجة على استدخال "إسرائيل" ككيان طبيعيّ في المنطقة على حساب الشعب الفلسطينيّ وحقوقه وقضيَّته ستُسقِط هذا الحلف، رغم عملية الطحن و"الصهر" الكبيرة التي يتعرض لها وعي الشعب الفلسطينيّ.

القدس المحتلة – فلسطين