من محاضرة الإضراب أيقونة النضال

٢٤ أيار ٢٠١٧

يسعى الاحتلال لتحويل الأسير إلى إنسان خاضع بطريقة تفكيره، وخاضع جسديّاً، وخاضع على مستوى الكرامة. كما يحاول الاحتلال إعادة إنتاج وعيه ليكون أكثر تلاؤماً مع أهداف الاحتلال. لذلك فإنَّ إعلان الأسير إضرابه المفتوح عن الطعام يشكّل تهديداً خطيراً على الاحتلال، ليس فقط في السجون بل خارجها أيضاً؛ فعندما يحتجُّ فلسطينيّ، يصبح الاحتجاج هي فكرةً نضاليَّةً يحاول من خلالها سحق الاحتلال.

الإضراب عن الطعام ليس مسألةً حديثةً، وخبرتي التاريخيَّة قد لا تسمح لي بالحديث معمَّقاً عن قدرة الأسرى على تطوير أساليبهم النضاليَّة، ولكنَّ المسألة الأساسيَّة هي أنَّ الاحتلال يهدف بشكل رئيسيّ، من خلال استخدامه مختلف الأساليب، إلى إنهاكه على صعيد الوعي والجسد، وباعتقاده أنَّه كلَّما كبَّل الجسد والوعي، كلَّما كان قادراً على تحطيم الأسير معنوياً وجسدياً. لكنَّ الأسير من خلال فهمه لهذه الفكرة الأساسيَّة، يحوِّل نقطة الضّعف، وهي الجسد، إلى نقطة قوَّة، فيصبح الجوع أو الشعور السلبيّ مسألةً إيجابيَّةً للنضال داخل السجون.

والإضراب المفتوح عن الطعام في داخل السجون يشكّل للأسير خطَّ الدفاع الأخير عن كرامته، فيعلن إضرابه المفتوح عن الطعام كخطوة احتجاجيَّة، كصرخة من داخل السجون. وباعتقادي أنَّه بمجرد أن تقول "لا للاحتلال" في داخل السجون، فهذا انتصار مبدئيّ لأيّ أسير. مجرَّد أن يعيد الأسير وجبة، وإن كانت لن تثمر نتائج في داخل السجون، أنا باعتقادي أنَّ هذا انتصار.

ربما هي أمور مفروغ منها أنَّ الأسير يموت في كل لحظة خلال الإضراب وفي كل لحظة يقضيها داخل الأسر. لأنَّه يشعر دائما أنَّه منتهك من قبل الاحتلال، هذا الاحتلال يغتصب حرية الأسير كلّ لحظة ويحاول فرض القوانين والقواعد لتكبيله على صعيد حريَّته وتفكيره. لكنَّ الأسرى الواعين قادرين على تحويل هذه الانتهاكات لمراكز انطلاق وقوة وإعادة بناء الثقة بالذات ولربما حثّ الوعيّ الوطنيّ مثلما حدث في حالتنا الفلسطينيَّة، فالانتفاضة الأولى حدثت بعد صفقة "أحمد جبريل"، وقامت على أكتاف وثقافة الأسرى، والانتفاضة الثانية، أيضاً بعد إفراجات أوسلو، أي جاءت بعد تحرُّر العديد من الأسرى وإن كان هذا ليس تحليلاً موضوعيَّاً ولكن بتقديري أنَّ الأسير يلعب دوراً محوريَّاً في رفع الخطاب السياسيّ والثقافيّ، وإن تراجع هذا الدور الآن.

أما في مسألة الإضراب الفرديّ والجماعيّ، فباعتقادي أنَّها مسألة خلافيَّة بين الأسرى أنفسهم في كيفية النظر للإضراب. ربما قلت سابقاً أنَّ مجرد الإعلان عن خطوة الإضراب هي انتصار، ولكنْ لتحقيق الانتصار لا بدَّ من نقاش العوامل والظروف والنتائج لخوض هذا الإضراب. ليس كافياً أن تعلن الإضراب، لأنَّه في بعض الأحيان تُستَغلُّ النتائج السلبيَّة في عدم الحصول على أيَّة مكاسب لمحاولة كسر إضرابات أخرى أو تعميم ثقافة جديدة داخل السجون. فمثلاً اليوم، في حالتنا الفلسطينيَّة، تُعمَّم تجربة الكفاح المسلَّح في الانتفاضة الثانية كتجربة سلبيَّة. فيؤخذ الجانب السلبيّ منها: "هاي طخينا على الاحتلال، ماذا استفدنا؟ لم نحرّر شيئاً".

لذلك  لا بدَّ على الأسير أو أيّ إنسان مناضل ثوريّ أن يدرك أنَّه لا يجب الاكتفاء فقط في إعلان الخطوة النضاليَّة، بل يجب برمجة الذات لتحقيق أهداف ونتائج. ومن هنا يأتي الإعلان لتعميم التجربة بشكل كامل والاستفادة منها على صعيدنا العام وعدم فتح المجال لخلق ثغرات والتشكيك في النضال الوطنيّ. فالأسير، شأنه شأن الحالة الوطنيَّة بشكل عام، عليه أن يدرس الحالة النضاليَّة، وكيفيَّة التفاعل مع الظروف.

فمثلاً، عندما تمَّ إعلان قرار عزلي من قبل جهاز الشاباك، حيث عزلوني لمدَّة سنة كاملة قبل الإفراج عني، أعلنت الإضراب المفتوح عن الطعام. ولكن كانت هناك ظروف أخرى دفعتني لأفكر أكثر في هذه الخطوة، كان هناك خمسة رفاق يخوضون إضراباً مفتوحاً عن الطعام لمدة تزيد عن 40 يوماً، فرأيت أنَّ إضراباً جديداً قد يشوِّش التضامن معهم، لذلك تراجعت لصالح قضيَّتهم، وحققوا مطالبهم حينها.

الفرق باعتقادي بين الإضراب الفرديّ والجماعيّ داخل السجون، أنَّ هناك ضمان أكبر للإضراب الجماعيّ، لكن الإضراب الفرديّ جاء كضرورات داخل السجون، شأنه شأن الانتفاضة الأخيرة، التي يحمل فيها زهراتنا وشبابنا اليوم السكاكين. هذه مسألة تفرضها الضرورات في غياب العامل الجماعيّ، وفي ظلّ تقاعسه وعدم قدرته على الارتقاء بمستوى الحالة، فيُفرض على الناس ظهور مطالب خاصّة وبالتالي خوض تجارب فرديَّة. فالإضراب الفرديّ يجب أن يشكِّل جزءاً من تراكم عام.

أنا كنت أحد الأشخاص الذين شهدوا نقاشات الإضراب القائم، مع مروان البرغوثي، فتمَّ نقاش هذا الإضراب لفترة طويلة منذ شهر تشرين الأول 2016. فالخطوة الأساسيَّة والمهمَّة في الإضرابات الجماعيَّة، أن تكون قادرةً على ضمان الشروط النضاليَّة، وعلى تعميم ثقافة جديدة. والعبء في الحالة النضاليَّة الجماعيَّة أكبر من العبء في الحالة النضاليَّة الفرديَّة كون الالتزامات والمسؤوليات أكبر، ففشل إضراب جماعيّ مختلف عن فشل إضراب فرديّ. فمثلاً عندما فشل إضراب عام 2004 الذي شاركت فيه، كانت النتائج كارثيَّة، فاحتاجت الحركة الأسيرة ثمان سنوات لتستعيد عافيتها وتقوم بإضراب جديد. لكنَّ الإضرابات الفرديَّة، رغم انعكاساتها السلبيَّة في حال فشلها، إلا أنَّ قدرتها على كسر الفكرة العامة أقلّ تأثيراً. لذلك تكون الإضرابات الجماعيَّة أكثر مسؤوليَّة وأكثر قدرة وكفاءة، وهي أكثر فعاليَّة. فالأسير في الإضراب يواجه إدارة السجون الصهيونيَّة، وأسير لوحده أمام هذه الخبرات من السهل كسره، لذلك نحتاج الكثير من الإصرار، والتحدي، والنفس الطويل، والخبرة في كيفية التعامل مع إدارة السجون التي تشكِّل جزءاً لا يتجزأ من منظومة أمنيَّة شاملة تعمل بشكل متناسق لفرض سياسات الاحتلال.

ومع ذلك، فأنا أرفض التشكيك بالإضرابات الفرديَّة، فلا يوجد شيء اسمه إضراب فرديّ تماماً، فالنضال الفرديّ هو إضراب يتخذه الأسير في ظل عدم قدرة الحالة الجماعيَّة أن توفر له شروط النضال الجماعيّ. والنضال الفرديّ يصبّ في مصلحة النضال الجماعيّ. فإضرابات فرديَّة متتالية بنجاحات، تعطي دافعاً للإضراب الجماعيّ. صحيح أنَّ الإضراب الفرديَّ منهِك للحالة الشعبيَّة، لكنَّ الحالة الشعبيَّة تحتاج أكثر من الإضراب الفرديّ لاستنفار طاقتها، فهي تحتاج إلى الكثير من العوامل والمسببات والقواعد والارتكازات والوعي في ظلّ إنهاك للشباب، وانحطاط ثقافيّ عام بسبب الموقف السياسيّ والقيادة السياسيَّة التي تكاد تغيب عن الحالة الوطنيَّة، وهي لا ترتقي إلى مستوى هذه الحالة، فثقافتها أدنى بكثير من ثقافة الحالة الوطنيَّة. لذلك أعتقد أنَّ توفير العوامل للنضالات الفرديَّة اليوم شرط لجعلها جزءاً من النضال الجماعيّ.

حالة الأسير خلال الإضراب

يمرُّ الأسير في حالة نفسيَّةٍ صعبة قبل إعلانه عن الإضراب، فالإعلان عن الإضراب يحمل مسؤوليَّة كبيرة وخوف، ليس من خوض التجربة بل من مجهولها. فعلى الصعيد الشخصيّ، قبل أن أعلن الإضراب، أمضيت سنةً كاملةً تحت تهديد أنَّه لن يتمّ الإفراج عني، والمسألة الأولى التي تبادرت إلى ذهني في حال إعلاني للإضراب عن الطعام هي عائلتي، فالمواجهة ليست قراراً فرديَّاً، فأنا أخذت القرار بالنيابة عن رفاقي في داخل السجون وأهلي وشعبي، فالجميع سيدعم قرارك والفشل هو فشلك وفشل الجميع. فكانت هذه أكثر مسألة أقلقتني؛ هل أنا على قدر التحدي؟ هل أنا قادر على تحقيق انتصار؟ وخاصة في ظلِّ ظروف في غاية الصعوبة في داخل الأسر، حيث كنت معزولاً عن العالم لمدة سنة لا أدري ما موقع رفاقي أو ما موقع السجون، أو ما قدرة تفاعلي مع الشارع. كانت هذه مسائل تغيب عني لأنَّني كنت أيضاً ممنوعاً من الزيارة.

لكن بمجرد الإعلان عن الإضراب، يتجنَّد تفكير الأسير كلَّه في المعركة. يصبح هناك خطاب داخليّ واحد لدى الأسير: انتصر أو انكسر! وهذان العنصران دائماً موجودان بشكل متوازٍ؛ وقدرة الأسير، وعزيمته، وثقافته، وتجربته هي ما يحدد إلى أيِّ صوت سيستمع.

في كلِّ لحظة يدرك الاحتلال أنَّه يجب تغذية صوت الانكسار من خلال تصعيد إجراءاته القمعيَّة بالعزل، والتجويع، والإهانة والإشاعات، والضغط. وأهمّ مرتكز بالنسبة للأسير هو جسده، فيصبح جسده أداة حرب. والمسألة الوحيدة التي أخافتني أن يخونني جسدي، ليس بفكِّ الإضراب، بل الاستشهاد، وهذا ليس خوفاً من الاستشهاد بل خوف من عدم تسجيل النصر. لذلك كان الجسد حاضراً في تفكيري وكنت أخاطبه يوميَّاً وأشجِّعه على الصمود ليوم آخر.

مسألة الثبات أهمُّ مسألة للأسير في يومه، لذلك يعيش الأسير المضرب عن الطعام 24 ساعة من التفكير. فبعد ثلاثة أيام يبدأ الجسد في الاقتصاد بالطاقة، ويصبح حتى النوم حارقاً للطاقة، فيبدأ القلق في الليل، ويزداد ذلك كلَّ يوم. فيمرُّ الأسير كلَّ يوم في تفكير وانعزال ونقاش شخصيّ يمرُّ فيها الكثير من لحظات الضعف، ويُطلب منه دائماً أن يعطيَ موقفاً لجسده، وإذا لم يكن الأسير قادراً على إعطاء القرارات الصحيحة للجسد سيمتثل الجسد للحالة النفسيَّة.

وفي حينها، يراهن الاحتلال على الوقت وأنَّ جسدك سيبدأ في الانهيار، فيبدأ باستخدام وسائل التخويف وإنهاك الأسير من أجل هزيمته. فعندما فقدت سمعي وبصري خلال الإضراب أرسلوا لي أطباء نفسيّين لتخويفي وإيهامي أنِّي ميت لا محالة.

ولذلك يشكِّل الإسناد الشعبيّ للأسير أهمَّ مرتكزٍ، ويصبح تحرّك الحالة الشعبيَّة وخروجنا من حالة الركود العام ضغطاً ضدَّ الاحتلال، فالحالة الجماهيرية والشعبية هي عامل ارتكاز مهم جداً لانتصار الأسير.

وتبدأ الحالة الجماهيريَّة الجديدة بالانتقال إلى مستوى أرقى من التفكير بالحالة الوطنيَّة، أنَّه بالإمكان تسجيل انتصارات صغيرة والمراكمة عليها لتسجيل انتصارات أكبر. فكلُّ انتصارات الشعوب بدأت بانتصارات صغيرة.

وأخيراً، باعتقادي أنَّ الإضراب الجماعيّ والحالة الجماعيَّة والشعبيَّة ومطالب الإضراب والظروف التي تحيط بكيفيَّة مناورة أو إدارة المعركة في داخل السجون، تشكِّل كلُّها عواملَ كاملةٍ متكاملةٍ يجب دراستها بعناية لكيفيَّة تحقيق انتصار واضح على الاحتلال.