نبض" يحضّر لعمله المسرحيّ الجديد- عن حياة: الفكرة- المسرح"

٢٤ أيار ٢٠١٧

"حياة" محاولة ثالثة لمسرح فقير –مسرح نبض- ينبني على فقرة سلالم حريّته في القول والتناول الفنّي لقضايانا كأفراد ومجتمع، ينتمي في نهاية المطاف إلى الإنسانيّ الكونيّ. هذا الإنسانيّ الكونيّ ليس حياداً، بل انحيازاً تامّاً للعادل والمُحقّ والجميل، مهما عُنّفت أدواته ومهما تكرّست محاولات الخلط بين الإرهاب، وبين ما يبتكره "ذوي القوّة الناريّة الأقل" كفعل شرعيّ ومصون رداً على فعلٍ غيرَ شرعيّ لم تتم إدانته بعد، لأن العالم، وتحت كل أقنعه الإنسانيّة والأخلاق والشرائع، لا يزال عالمَ ذوي القوّة الناريّة الأكبر.

لكن لماذا نفتتح للتعريف بمسرحنا بجمل تبدو مقتطفة من كتاب تنظير ثوريّ، وليس من مجموعة منشغلة بعمل فنّيّ؟ لأنَّنا نؤمن أنَّ الفنَّ مُلزَم أن يدليَ بدلوه حيال الظرف اللاإنسانيّ المُلّح الذي يُحاصر وجودنا تحت مسمّيات وأفكار كثيرة، وفي المجمل تنضوي على الادّعاء الخيّر، لكنّها في جوهرها ليست سوى "أيديولوجيا الانتفاع" التي تحوِّل البشرَ إلى مسوخ إمّا منتفعة من الواقع الراهن وتقاتل بكلّ شراسة لأجل إدامته، وإمّا غير منتفعة لكن تقاتل أيضًا وبكلّ شراسة لأجل أن تتكيف وتصبح من يجوز عليها الانتفاع.

ولأننا نؤمن أنَّ الفنَّ ليس توصيفاً أو استكانة بقوّة الواقع، فكان هاجسنا طوال الوقت أن لا يكونَ العمل مرادفاً ذاتيَّاً لشعار سياسيّ، ولسنا هنا نعيب أو ندين الشعار السياسيّ، لكن نعتقد أنَّ خشبة المسرح هي مكان لطرح القضايا بمعياريّة الإنسانيّ الأولى، أيّاً كانت المنظومة السياسيَّة التي نحملها أو نؤمن بها، وعليه فإن ما نقوله هنا هو ما حاولنا جاهدين أن لا نقوله على الخشبة. أما إن كنا قد نجحنا أم لا فهذا متروك للمتلقّي.

حياة المسرحيّة

لكي لا نفضح العمل في هذه المرحلة المبكّرة، لن نتعرّض هنا لحبكة المسرحيّة لكن سنوجز مراحل العمل التي مرّ بها الطاقم. والطاقم الحالي ليس هو الطاقم الكلّيَّ الذي مرّ بالعمل وترك بصمة أو رأي أو حتى شذرة من النصّ منذ أكثر من عام، مع أننا في النهاية اعتمدنا الصياغة التي تصون الشكل الفنّي أولاً ولا تخون القضايا التي تناقشنا طويلاً حيالها، ومنها صراع الأجيال، ومقاطعة منتجات الاحتلال، والنوع الاجتماعيّ والنقد الذاتيّ، وربّما لم نعد نذكر كل تلك القضايا لأنّها كانت مرتكزاتٍ أوّليَّةً للبحث في مضامين المسرحيَّة، أمّا القضيّة الرئيسيّة أو مركز المسرحيَّة فظلّ كما اتُّفق عليه حينها، وهي التحوّلات التي تطرأ على الإنسان فتحيله من ثائرٍ إلى خانعٍ- في أحسن الأحوال، ومنتفع في أسوأها والتحوّلات المعاكسة.

المسرحيَّة ليست تاريخيَّةً، وإن كانت تستند إلى حقبات تاريخيَّةً واقعيَّة، فالهدف من هذا الاستناد هو كشف الظروف التي جبلت شخصيات المسرحيَّة، وبناء منصّةٍ لعقد التباينات بينها- وليس بغرض التوثيق. والمسرحيّة ليست واقعيَّةً لأنَّ بعض أهم مفاصلها قائمة على لحظات خارقةٍ للواقع، وإنْ كانت تروي الشغف الإنسانيَّ للأسطورة، إلا أنَّها لا ترمي للأسطرة، لكن تتّخذ منها مواقفَ لامتحان الذات وصيانتها كذاتٍ تكتب سطراً من العشق، ونبني عليه متراس تموت فيه لقاء ذات تحيل العالم إلى ركام يصلح لجنازير دبّاباتها وتكنولوجيا الموت التي تصنعها.

"لن نمدح موتنا ولن نزدريه لكن سنمتطيه كما يمتطي الطفل نمراً"

 

"نحن الذين لم تكد أن تشوّهنا التجربة، حتى أحيتنا، أحيتنا حياة.

فيها كنّا نعرف في اللّغة مكمن مشاعرها، وفيها كنّا نذوق المرّ من علقمٍ لم تمسّه يوماً ألسنتنا.

لعلنا وإذ "نكون" على الخشبة، نصيرُ لكم مدخلاً، لممكنٍ من الممكنات الهائلة للـ"حياة".

فيها عرّينا الروح فينا، بين خشبة وخشبة، ونضجٍ فنضج. وفيها قتلنا شبح اللا"نكون".

ولا نكون إِلَّا إن أحْيَينا مُمْكنًا، أو أضأنا بُعْداً.. لا نكون. لا نكون إلا إن خلقنا زمناً وأقدار "حياة".

فيها بكينا مرةً لوجعٍ أحسسناه بمكانٍ ناءٍ في امتدادات روحنا، من تراب الأرض وإليه تعود.

وفيها ضحكنا ضحكة المنتصر على حتمية الإبادة.

فيها غنَّتنا الأمنية

فيها قدنا رقصة لِما سيكون، عادت بنا برحلة الى ما كان"