نحو بناء حركة طلابيَّة ممأسسة: الحراك الطلابيّ الفلسطينيّ في جامعة تل أبيب

٠٥ أيار ٢٠١٨

الحديث عن الحركة الطلابيَّة الفلسطينية في الجامعات الإسرائيلية بالداخل هو ليس عن حركة تتمظهر في إطار واضح يمكن تحديده، بل تتكوَّن من تجمّع كوادر حزبيَّة، ومنتديات ثقافية - أكاديميَّة وطنيَّة مستقلّة يعمل كل منها في إطاره الخاص ووفقًا لأساليبه الخاصة ومرجعيَّته الأيديولوجيَّة. في الماضي، شكَّلت "لجنة الطلاب العرب" و"الاتحاد القُطري للطلاب الجامعيين العرب" إطاراً جامعاً، مثَّل ما يمكن أن نسمّيه وحدة صف كفاحيَّة، تقود العمل الطلابيّ، والوطنيّ الثوري الشعبي، والنقابي، وكان لها دور أساسي وقيادي في التحرّكات الشعبيَّة وأهمّها يوم الأرض.

وصلت الحركة ذروتها في السبعينيّات والثمانينيّات ثم أخذت في التراخي والركود حتى غيابها التام في بداية هذا القرن. ويمكن أن ننسب عوامل تراجع الحركات الطلابيَّة الفلسطينيَّة في الداخل الى عدَّة ظروف وأحوال تاريخيَّة، بعضها: منظومة أوسلو بما فيها من تهميش لفلسطينيي الداخل عن المشروع التحرري الوطني على المستوى الخاص، وتفكيك لبنية التنظيم الشعبي التحتيَّة في الوطن بشكل عام؛ وغياب مشروع وطنيّ جامع تنخرط فيه الحركات الطلابيَّة، والدور السلبي الكبير للتناحر والتحارُب الحزبي؛ والفوقيَّة القياديَّة وتغييب القاعدة الشبابية عن العمل السياسيّ. ومن هنا، وبالإضافة إلى واجب التعلُّم من إنجازات وأخطاء الماضي، أقترح ألّا نتقوقع ونستغرق فيه بل أن نركّز على مهمة فهم الحاضر والتمعن في إمكانات المستقبل. سأحاول في مقالي المتواضع أن أساهم في هذا الفهم، وأن أقدم قراءة لحاضر ومستقبل الحركة الطلابيَّة في جامعات الداخل المحتلّ، من خلال نموذج الحراك الطلابي في جامعة تل أبيب - الشيخ مؤنس.

رغم التحديات المذكورة أعلاه، شهدنا في الأعوام الأخيرة صعوداً للنشاط الطلابي في الداخل، وباتت الكتل الطلابية تعمل جاهدةً لخلق مبادرات وطنيَّة وتوعويَّة وتثويريَّة على مدار الفصول الدراسيَّة. وتتميَّز السنة الدراسية الراهنة بمبادرات تعاونيَّة بين هذه الكتل، مما يمثّل خطوات جديّة اتجاه الوحدة، تصب أعمدة الأساس لمستقبل حركة موحَّدة. ولكن، لنشيَّد ونبني حركة حقيقيَّة، علينا قراءة الحاضر نقديَّاً لنكشف، بذلك، إمكانيَّة تطوّر مكوِّناته. 

يبحث فيبير في مقاله "الطبقة، المرتبة والحزب" في سعي المجموعات في المجتمع إلى القوّة، صراعاً على الموارد الاقتصاديَّة، والرمزيَّة – الثقافيَّة، والسياسيَّة – القانونيَّة، وتفرز تلك النزاعات طبقات وعلاقات قوّة مع خصائص مختلفة لكن متقاطعة. تطبيقًا على مجموعات الطلاب والطالبات الفلسطينيين في الجامعات الصهيونيَّة، تجمع كل واحدة من هذه المجموعات ظروف ومصالح ماديَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة مشتركة تميّزها، وبذلك تمارس عملاً جامعاً مشتركاً يعبّر عن هذه الظروف ويطمح لتحقيق تلك المصالح. بهذا المفهوم، تجسّد الحركة الطلابيَّة “الفعل الاجتماعي” الجامع للطلاب والطالبات الفلسطينيين، ونوعيَّة هذا الفعل هي التي تحدد نوعيَّة ممارسة وخطاب الحركة. 

يحدد فيبير عدَّة أنواع للـ"أفعال" الاجتماعيَّة التي بإمكانها النشوء عن طبقة اجتماعيَّة، ويعنينا منها هنا نوعين: العمل الكميوني، والعمل المجتمعي.

"العمل الكميوني" هو عمل جماعي يتأسس تنظيمه على العاطفة والرمزيَّة، أي شعور الأفراد بالانتماء للفئة الاجتماعيَّة. فيقتصر العمل على ردود الفعل التعبيريَّة الرمزيَّة المؤقتة، كما عند المساس بالهوية الجامعة، مثلًا. وهو النوع المنحصرة فيه الحركة الطلابيَّة في الوقت الحالي، فتعمل الكتل الطلابية اليوم في شكل تعاوني شراكي مؤقت، على أساس تكتيكي. 

مثال على هذا النوع، "أسبوع القدس" الذي أطلقه الطلاب من كافة الكتل الحاضرة في الجامعة، وكان خطوة جريئة وغير مسبوقة في التعاون المشترك بين الكيانات السياسية (الجبهة الطلابيَّة وجفرا- التجمع الطلابي ورؤية) من جهة، والكتل الثقافية الوطنية (منتدى الحقوق ومنتدى إدوارد سعيد) من جهة أخرى. وحققت الأجسام الوطنيَّة الفاعلة بالجامعة برنامجاً يحوي نشاطات يومية تثقيفية وحقوقية وسياسية وفنية عن قضيَّة القدس تهدف إلى ترسيخ القضيَّة كجزء من القضيَّة الفلسطينيَّة في وعي الطلاب، المتعرّضين للتضليل والتغييب والقمع لهويتهم الوطنيَّة في الجامعة الصهيونية. ومثال آخر هو ائتلاف أفراد تابعين لعدة كتل، في بداية السنة، للتصدي للمطبّع سعد الدين إبراهيم الذي اشترك في مؤتمر سياسيّ في الجامعة تحت رعاية مركز موشيه دايان. 

مثّلت هذه الخطوات ردود فعل مؤقتة دون تأثير على المدى البعيد، ولم تعمل على خلق نضال تراكميّ يخدم استراتيجيَّة نضاليَّة، وانطلقت الحركات في عمل تضامنيّ، فيما بينها، على أساس هذه الأحداث، ومن شعور بالانتماء الوطني الجامع لكل الكتل الفاعلة بالجامعة؛ لذلك كانت الشراكة رمزيَّة تعبيريَّة، ومحصورة في موقف يقتصر سقفه على ما يمكن أن تتفق عليه، مؤقتاً، الأحزاب المختلفة.

أمّا العمل الثاني عند فيبير فهو "العمل المجتمعي"، وهو عمل يتم تنظيمه من قبل المجموعة على أساس عقلانيّ بحيث يلائم أعضاء المجموعة ومصالحهم، ضمن إطار جامع مؤسسيّ فاعل، لتحقيق أهداف واضحة يمكن قياسها. أي عمل تنظيمي يهدف، عن طريق برامج ومشاريع واستراتيجيات محددة، إلى الضغط على المؤسسات الطاغية القمعية، والوطنية على حد سواء، لتحقيق مطالب بنويَّة واقتصاديَّة ونقابيَّة وقوميَّة ووطنيَّة وثقافيَّة، وغيرها. وعلى ذلك تستطيع الحركة أن تعمل كأداة تنفيذيَّة لمصلحة الطلاب بالتحرّك واتّخاذ القرار الجماعي.

تكمن الأهميَّة الجوهريَّة للانتقال من العمل الكميوني إلى العمل المجتمعي في تحوّل العمل من "نشاط" قائم على "رد الفعل" على أحداث بعينها، فقط، إلى "انخراط" للطلاب في المشروع الوطني، مع خصائصهم وامتيازاتهم كجزء من المؤسسة الأكاديمية. وهو تحوّل من تضامن تعبيريّ و”مدافع عن الهويَّة”إلى عمل شراكيّ يهدف إلى دمج الطلاب في مسؤليتهم الوطنيَّة، من التصدي لمطبعين بشكل فرديّ، مثلًا، إلى بناء مشروع يهدف الى إنهاء التطبيع، عن طريق اتفاق الجهات في الحركة على موقف واضح وموحد، وتوجه متَّفَق عليه وممنهج ومؤسسي لحركة المقاطعة ضمن برنامج عمل مدروس. 

إضافة إلى ذلك، يُدمَج عمل الكتل ذات التوجهات الأيديولوجيَّة المختلفة في إطار أوسع وأعلى يركّز، بالأساس، على الاستراتيجيات، ويسمح للمواقف السياسية المتباينة بالتكامل، دون تنازل، ضمن برنامج عمل واسع ومحل إجماع يعبر عن الطلاب الفلسطينيين ومصالحهم، ودورهم في الحركة الوطنيَّة ككل.

ما يجب فهمه أننا إن كنا ننوي تحقيق مطالب بنوية تعبّر عن مصالح الطلاب، وإن أردنا الانخراط بجديَّة في الحركة الوطنيَّة، فالمؤسسيَّة هي الأساس. عن طريق عمل "مجتمعي" ممنهج ومنظّم متجسد بلجنة طلابية أو مجلس، تستطيع الحركات الطلابيَّة تشكيل جسم يضغط على المؤسسات لتغيير سياساتها، سواء كانت مؤسسات الجامعة أو الوكالات المستغلّة التي توظّف عمال النظافة، أو حتى المؤسسات الوطنيَّة المفترَض منها أن تلبي مصالحنا. وعلى المستوى الوطني الأعلى، وأترك ذلك لبحث آخر، يجب النظر إلى الإمكانات الهائلة التي توفّرها الحركات الطلابيَّة كمنصّة نضال لتوحيد الصفوف بين الداخل والضفة وغزة والشتات، والمساهمة في بناء الوحدة القُطرية عبْر الحواجز المنصوبة في وطننا لكسرها.