نظرة على السياسة الخارجيّة المصريّة في عهد الثورة المضادة

١٠ كانون الثاني ٢٠١٧

تعتبر العلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية جدليَّة وعميقة. البولوتيكا والجيوبولوتيكا عنصران في عمليَّة واحدة؛ تشكِّلان بعضهما البعض وتتشكَّلان بيد بعضهما البعض. أثمرت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨) الثورة البلشفيَّة وموجة الانتفاضات والثورات الأوروبيَّة، وأدَّت هزيمة تلك الموجة إلى صعود الفاشية واندلاع الحرب العالميَّة الثانية. وأدَّت الحرب الباردة الطويلة إلى انتفاضات بلدان الكتلة الشرقيَّة وسقوط الاتحاد السوفيتي (١٩٨٩ – ١٩٩١)، وهو ما قاد إلى تفكُّك الإمبراطوريَّة السوفيتيَّة وانقسام تشيكوسلوفاكيا والحرب في البلقان.

الشرق الأوسط ليس بعيداً عن هذا كله. فها نحن اليوم نشهد عمليَّة تحول جيوبوليتيكي مؤلمة إثر اندلاع ثم هزيمة موجة الثورات العربيَّة. كان العراق قد تدهور إلى وضعيَّة دولة فاشلة وتفكَّكت، عملياً، أجزاء منه بسبب الغزو الأمريكي عام 2003، ثم أتت هزائم وأنصاف انتصارات الثورات العربية، الناجمة عن الافتقار إلى قيادة ثوريَّة جماهيريَّة، لتفضي إلى انقلابات وحروب أهليَّة على خطوط تماس طائفيَّة ورجعيَّة، وهو ما قد يفضي إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط المستقرَّة منذ عقود.

هذا هو العالم الذي انتصرت فيه، وجزئيَّاً بفضله، الثورة المضادة المصرية. وهو بالضبط العالم الذي تكوَّنت في سياقه الملامح الرئيسيَّة للسياسة الخارجيَّة المصريَّة في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

ربما يصعب على المراقب اكتشاف “المبدأ” الكامن وراء تحوُّلات وتقلبات السياسة الخارجيَّة المصريَّة في عهد الثورة المضادَّة (يوليو2013 – إلى الآن). يرجع الفضل الكبير في رعاية الثورة المضادة ومن ثمَّ في دعمها بالمال في مهدها إلى السعوديَّة، قلعة الرجعيَّة العربيَّة، وكذلك الإمارات العربيَّة المتحدة. وكان الرجل الجالس على رأس السلطة في مصر – عبد الفتاح السيسي – قد أعلن غير مرَّة في هذا السياق أنَّ “أمن الخليج خطٌ أحمر” بالنسبة إلى مصر، وأنَّ المشاركة العسكريَّة المصريَّة في حماية أمن الخليج لن تتطلب أكثر من “مسافة السكة”. ووصل الأمر بالبعض إلى حدِّ القول إنَّ السفيرين السعوديّ والإماراتيّ أصبحا مندوبان ساميان في القاهرة. ثم أتت “درة تاج” التبعيَّة المذلَّة بتنازل السلطة المصريَّة عن جزيرتيّ تيران وصنافير في سيناء للسعودية مقابل اتفاقات اقتصاديَّة وماليَّة عمرها عشرين عاماً.

ولكن فجأة انقلبت الأحوال. امتنعت شركة آرامكو السعودية عن تسليم شحنات النفط الشهريَّة المتفق عليها إلى القاهرة في شهر تشرين الأول الماضي، وذلك بعد أن صوتت مصر لصالح قرار روسيّ بشأن سوريا في مجلس الأمن عارضته السعوديَّة بقوَّة. ثم ظهر بعد ذلك أنَّ الخلاف المصريّ السعوديّ أعمق وأبعد من هذا بكثير، تمتد جذوره من ضمن ما تمتد إلى رفض مصر المشاركة عملياً في الحملة السعوديَّة على اليمن، وإلى التقارب السعودي التركي الذي يقضُّ مضاجع القاهرة والتقارب المصري الإيراني والمصري الروسي الذي يقضُّ مضاجع الرياض.

كان التصوُّر السابق لدى كثير من المراقبين أنَّ “مبدأ” السياسة الخارجيَّة المصريَّة هو التبعيَّة التامة للسعوديَّة، الراعي الرئيسي للانقلاب العسكري في منتصف عام 2013. لكنَّ التحولات السريعة والمتلاحقة على مدى الشهور الثلاثة الأخيرة هدمت هذا التصوُّر، وطرحت السؤال بقوَّة حول العوامل المحركة للتوجهات الخارجيَّة المصريَّة.

ربما كان المدخل الأفضل لفهم منطق المواقف والتحالفات المصريَّة الإقليميَّة والدوليَّة هو الرجوع قليلاً إلى الوراء والنظر إلى الصورة الكاملة للمشهد الإقليمي والدولي. العنصر الأهم في المشهد في ظني هو التراجع الأمريكي. فبالرغم من كلِّ الضجيج حول مركزيَّة الحرب على الإرهاب كعنصر أساسيّ في توجهات الخارجيَّة الأمريكيَّة، إلا أنَّ تلك الحرب كشفت حدود القوَّة الأمريكيَّة. فبعد المشهديَّة العنتريَّة لجورج بوش الابن بين 2001 و2003 – تلك المشهديَّة التي تجسدت في صورة حربي أفغانستان ثمَّ العراق – وجدت الإمبرياليَّة الأمريكيَّة نفسها في مأزق كبير. لم تفض الحرب على الإرهاب إلا إلى مزيد من الإرهاب وكثير من الفوضى، وهو ما دفع باراك أوباما إلى تغيير وجهة الحرب شيئاً فشيئاً، من حرب نظاميَّة شاملة إلى حرب مخابراتيَّة منخفضة الحدَّة على خلفيَّة تسويات وانسحابات وصفقات، من ضمنها صفقة مع إيران “أكبر شياطين محور الشرِّ العالميّ”.

أدَّى انفلات السيطرة الكاملة من اليد الأمريكية إلى سيولة دولية تُحفِّز قوىً كثيرة –أهمها روسيا بوتين– إلى اقتناص مواقع في معادلة القوَّة الدولية. انفتح مزاد ملء فراغ القوَّة، النسبيّ والجزئيّ، الذي تركته الولايات المتحدة وراءها، وسال لعاب قوىً دوليَّة وإقليميَّة كثيرة لدخول الملعب ولرفع رهاناتها فيه. ومع اندلاع الثورات العربيَّة، ثمَّ مع تحوُّل الثورة إلى حرب أهليَّة/إقليميَّة في سوريا، وما تلا ذلك من صعود نجم “الدولة الإسلامية”، تبددت أكثر وأكثر حدود القوَّة الأمريكية، واتسعت أكثر وأكثر مساحات روسيا والقوى الإقليمية الشرق الأوسطيَّة.

يبدو لي أنَّ مصر بالضبط تلعب في هذه المساحة. أدرك القادة العسكريون في القاهرة بالغريزة والتجربة، وتحت ضغط الظروف والتبدُّل الدائم في شروط اللعبة، أنَّ الرز السعودي ليس وحيداً ولا مهيمناً في الساحة. فمع تحوُّل السياسة الخارجيَّة السعوديَّة إلى منهج أكثر توتراً وهجومية في ظلِّ حكم سلمان بعد وفاة الملك عبد الله، وهو ما انعكس في صورة ضغوط هائلة على مصر لتوريطها في حرب اليمن ولفك أواصر العلاقات الدافئة بينها وبين الحلف الروسي في الحرب السوريَّة، تجرأت القاهرة وبدأت تلعب لعبة القط والفأر بمداعبة إيران، العدو الألد للسعوديَّة، فسمعنا شائعات – نُفيَت بقوة – حول الترتيب لزيارات متبادلة عند مستوى تمثيل عال، وشهدنا اتفاقات برعاية إيرانيَّة لتصدير نفط عراقيّ لمصر لتعويض توقف إمدادات النفط السعودي، وغير ذلك من الإشارات.

كلُّ هذا لا يعني فصم الأواصر بين القاهرة والرياض، أو بين القاهرة ومحور الخليج عموماً. هو في الأغلب مناورة مصريَّة تستغل مساحات الشقاق الإقليمي على خلفيَّة السيولة الإقليميَّة والدوليَّة، لتعظيم مساحات مصالح سلطة الثورة المضادة، سواء في الرز المطلوب بشدة بسبب الأزمة الاقتصاديَّة الخانقة، أو في الاعتراف الدوليّ وتحسين العلاقات مع محاور عدة بغية البقاء على الحياة في مرحلة تتسم بتحولات جيوستراتيجية وسياسيَّة عنيفة.

يستقر “مبدأ” السياسة الخارجيَّة المصريَّة إذاً تدريجياً على منهجيَّة اللعب على كل الأطراف اعتماداً على وضعيَّة سيولة خلقها التراجع النسبيّ الأمريكيّ. يؤدي الضعف المصري البادي والمتزايد، داخلياً وخارجياً، إلى أن تُسند الثورة المضادة مشروعها في تعظيم النهب الاقتصادي وتعميق القمع السياسي بسياسة خارجيَّة تعتمد اللا-مبدأ الانتهازي القائم على عدم التورُّع عن تبديل التحالفات بين عشيَّة وضحاها، واستغلال مساحات التناقض بين القوى الأكبر، وعدم الالتفات إلى أيّ أخلاقيَّة في التوجهات والتحالفات.

يساعدنا هذا كلُّه على فهم كيف وصلت العلاقات بين مصر وإسرائيل إلى أعلى مستوى لها منذ توقيع معاهدة السلام في عهد السيسي، وفي الوقت نفسه تتوالى الإشارات حول تقارب مصريّ إيرانيّ، وتنفجر في العلن الخلافات المصريَّة السعوديَّة، بينما تحافظ الإمارات العربيَّة المتحدة على دفء علاقاتها بمصر! هذه الفوضى هي في جوهرها نظام مؤسَّس على انتهازيَّة عميقة، لكنها خطرة، في السياسة الخارجيَّة. ومكمن الخطورة ليس فقط أنَّ السحر ربما ينقلب على الساحر وقد تُهدم كلُّ المناورات المصرية الخارجيَّة في مشهد دراميّ ساخر، وإنَّما أنَّ السيولة لا تكمن فقط في حال العلاقات بين الدول، ولكن كذلك في حال العلاقات داخل الدول، أي بين الحكام والمحكومين. فالثورة المضادة العربيَّة في أزمة رغم تمكنها من السلطة. والمعركة من أجل العدالة والحرية لم تحسم نهائياً بعد، رغم كل الهزائم والتراجعات. ومن يعش ير.